مقالات مختارة

العراق والمصالحة السعودية-الإيرانية

1300x600

أصبح من الواضح لكل من له بصيرة وطنية وإخلاص للعراق، أن استمرار حالة الاختلال السياسي والاجتماعي، الذي أنتجته الصراعات الطائفية والمذهبية، كان نتيجة لتطور التنافس الأيديولوجي والعسكري للقوى الإقليمية الكبرى، التي ساهمت بتغيير معادلات التوازن الاجتماعي للأمة العراقية، عن طريق التدخل في شؤون البلاد، بما يسمى صراع الآخرين والحروب بالوكالة.


حيث تعد كل من إيران والسعودية القوتين الأساسيتين اللتين تسعيان في أن تكون كل منهما القوة الإقليمية العظمى الأولى في المنطقة، وفقاً لمفهوم الوجود الاستراتيجي، والحاجة لدور المكونات والثقافات في البلدان الضعيفة المتأثرة بأحد القطبين، لتثبيت وتوسيع أجندتها، كما هو الحال اليوم في العراق نتيجة لحالة انعدام التوازن السياسي والاجتماعي، الناتج من ضعفه وعدم أهليته في أن يكون القطب الثالث المنافس، أسوة بالمملكة العربية السعودية وإيران، بعد أن تم احتلاله وتقسيمه إلى بلد المكونات والطوائف عام 2003، وتوزيع ولاء هذه المكونات إلى الدول المجاورة، بحسب منظور الاعتقاد المذهبي والطائفي، ومن ثم إعادة طريقة وطبيعة علاقته مع الغرب، من دولة ذات سيادة وعامل توازن استراتيجي، لمنطقة الشرق الأوسط، ومصدر اقتصادي واستراتيجي كبير للدول العظمى، ومنافس اقتصادي وتاريخي للقوى الإقليمية، إلى حاضنة ومصدر توسع للأهداف والاستراتيجيات الإقليمية.

 

ونتيجة لذلك، أصبح العراق المحور الرئيسي في الصراع الإقليمي الدائر بين النظام الإيراني، والمملكة العربية السعودية، بعد أن تم إخراجه من دائرة التأثير والقرار الإقليمي، وإدخاله إلى دائرة التأثر الطائفي، ليصبح عاملا لنمو الإرهاب الديني السياسي الشيعي والسني المتطرف، في غياب رؤية وطنية مستقلة للنظام العراقي الحاكم، تتمثل في ضرورة إبعاد العراقيين عن دائرة صراع القوى الإقليمية، والسعي لإعادة بلاد الرافدين قوة شرق أوسطية مستقلة في شرق أوسط متعدد الأقطاب.


ورغم المحاولات العديدة التي يعلنها النظام السياسي العراقي الجديد بين الحين والآخر، الهادفة على ما يبدو، لإبعاد البلاد عن دائرة الصراع السعودي ـ الإيراني، وإظهار قابليته وقدرته في أن يكون القطب المستقل الثالث، كوسيط قادر على فرض الحلول، وإرضاء الطرفين، ودفع القطبين لعدم التدخل في أمور البلاد، عن طريق حروب الوكالة، وحثهما للتصالح في ما بينهما، من خلال العديد من الزيارات، التي قام بها رؤساء الحكومات العراقية المتتابعة، ابتداء من حيدر العبادي، وانتهاء بزيارة مصطفى الكاظمي، وقبوله استضافة الجانبين في العراق، وأن تكون العاصمة بغداد المكان المناسب للوساطة بين البلدين المتصارعين، إلا أن عامل الهيمنة الإيرانية على النظام السياسي العراقي، والشروط التي فرضتها أحزاب إيران في العراق، سوف تدفع لا محالة الجانب السعودي، في حالة نجاح الوساطة العراقية، للقبول ببقاء النظام الطائفي الحالي، ومن ثم دعمه اقتصاديا وسياسيا ليكون في النهاية، العامل المساعد والوسيط الفاعل لعلاقة إيرانية- سعودية مشتركة، تضمن للرياض الحفاظ على مصالح المملكة الحيوية والاقتصادية الإقليمية، وتدفع في اتجاه إنهاء التدخل الإيراني العسكري المستمر، الذي فرضه نظام الولي الفقيه عن طريق ميليشيات الحوثي في اليمن، وعلى حساب استمرار العملية السياسية الطائفية، وبقاء الوجود الفارسي وأذرعه العسكرية في العراق.

جهود العراق للوساطة بين السعودية وإيران، قد تعيد هذا البلد الذي مزقته الحرب، لاعبا رئيسا في المنطقة، للمساعدة في دفع عجلة هذه المصالحة إذا ما خلصت لنتائج إيجابية.

وهذا ما قد يصب في صالح الاستراتيجية السعودية للخروج من أزمتها، خاصة أن مشاركة العراق المتأثر بإيران لحوار سعودي إيراني، سيساهم في إنهاء حرب اليمن التي أنهكت المملكة، وسيسمح للنظام الإيراني باستمرار احتلاله للعراق كرد للجميل. وبمعنى آخر تعزيز قدرة المملكة العربية السعودية للسيطرة على اليمن، مقابل تعزيز قدرة إيران للسيطرة على العراق.


وهنا لا بد من التأكيد وبحسب مصادر في الحكومة العراقية نقلتها لشبكة "CNN"، إن السعودية وإيران أجرتا محادثات أولية في العراق، تمهيدا لمحادثات دبلوماسية رفيعة المستوى، بعد زيارة مصطفى الكاظمي الأخيرة إلى الرياض، والتوقيع على العديد من الاتفاقيات الاقتصادية، والتزام السعودية بزيادة استثمارها إلى 3 مليارات دولار، مقابل قبول إيران إجراء محادثات مباشرة في ملف وقف دعم الحوثيين في اليمن.

 

وهذا ما قد يصب ويتوافق مع السياسة الجديدة لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، المتمثلة في أهمية إيجاد حل لأزمة الحوثيين ورؤيته لمستقبل النظام السياسي في العراق. يبدو واضحا أن قضايا الشرق الأوسط هي من أكثر القضايا التي تتأثر بتوجهات الإدارات الأمريكية، للدور الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، ولسبب أن أغلبية الأنظمة تدين بالولاء الكامل للإدارة الأمريكية والغرب بصورة عامة، لأنها أتت برغبة منها، لتحقيق مصالحها في المنطقة.

 

وهذا ما ينطبق على طبيعة نظام المكونات العرقية والطائفية في العراق، الذي تم بناؤه برغبة أمريكية ليكون قابلا للتأثر بأجندات الدول الإقليمية، التي كان لها الأثر الكبير في إنجاح مشروع تفتيت العراق، بعد أن كان يمثل بتاريخه وثرواته وثقافته العريقة السمحة، القطب المنافس للقطبين الإيراني والسعودي.


ثمة أقلية ترى أن جهود العراق للوساطة بين السعودية وإيران، قد تعيد هذا البلد الذي مزقته الحرب، لاعبا رئيسيا في المنطقة، للمساعدة في دفع عجلة هذه المصالحة إذا ما خلصت لنتائج إيجابية، بحسب تقرير "بروكينغز" وأغلبية ترى أن العراق أضعف بكثير من أن يكون البلد المستقل القادر على الدفاع عن مصالحه، وفرض الرأي والنفوذ على الآخرين واتباع سياسة خارجية تتمثل في عدم الانحياز بين السعودية وإيران، وعلى المدى القريب.

 

لا شك في أن الرؤية الأمريكية التي يحملها الرئيس الأمريكي الجديد تتوافق مع الإرادة السعودية- الإيرانية المشتركة للمصالحة، وإيجاد الحلول للحفاظ على المصالح والقبول بخريطة الشرق الأوسط، التي أعادت ترتيبها عملية الغزو الأمريكي، والتي أخرجت العراق من مربع الأقطاب المهمة المؤثرة، بحيث أصبح من الواضح أن العراق ونظامه الطائفي، الذي تديره إيران قد يصبح بمثابة كبش الفداء في ملف الحوثيين، الذي من المؤكد أن يكون أحد أهم بنود المصالحة السعودية- الإيرانية.

* كاتب عراقي

 

(عن صحيفة القدس العربي اللندنية)

الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع