قضايا وآراء

دولة الإمارات وما أدراك ما هي! (2)

1300x600
تعرضنا في المقال السابق للدور الوظيفي لدولة الإمارات العربية والمهام الموكلة إليها في تفجير الأوضاع في المنطقة، ومحاربة الإسلام في كل بقاع الأرض، ومعاداتها لثورات الربيع العربي، وتشكيلها مركزا للثورات المضادة على أرضها كانت فيه رأس الحربة في حروبها ضد الشعوب العربية المطالبة بالحرية والعدالة والمساواة.

وما كان لدولة الإمارات، الصغيرة الحجم، أن تؤدي هذا الدور الوظيفي، والذي أدته باقتدار منقطع النظير؛ لو لم يكن على رأسها رجل طموحه بلا حدود، يريد أن يمتد نفوذه وسيطرته إلى خارج بلاده وإلى أبعد مما تراه العين، يريد أن يضع الدنيا بين جناحيه. هذا الطموح الذي يصل لحد الجنون توافر في ولي العهد "محمد بن زايد" الذي أبعد أخاه رئيس البلاد "خليفة بن زايد" عن شؤون الحكم، وتولى هو مقاليد الأمور بمباركة أمريكية، ليقوم بهذا الدور الوظيفي والذي يحقق من خلاله طموحه الشخصي.

فمثل هذه الشخصيات على استعداد للتنازل عن كل الثوابت والتضحية بكل شيء من أجل تحقيق أحلامها، والتي غالبا ما تكون كارثية على الأمة. وفي التاريخ نماذج عدة من تلك الشخصيات الكارثية التي استخدمها أعداء الأمة لضربها من داخلها، وليحل البلاء عليها. الأمريكان والغرب عموما يدرسون الشخصيات جيدا وأبعادها السيكولوجية، ويضعون أيديهم على مفتاحها، ويقومون أيضا بتدريبها قبل أن يكلوا إليها مهامها الوظيفية، ولقد وجدوا في "ابن زايد" الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة..

شخصية مثل شخصية "محمد بن زايد" الجانحة والتي تبتغي الزعامة؛ لا تريد أن ترى على الساحة زعماء غيرها، فما بالك إذا كان هؤلاء الزعماء يحظون بشعبية كبيرة في محيطهم العربي؟! 

ومن هنا كان سر العداء الشخصي بينه وبين الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، بصرف النظر عن الدور الوظيفي الموكل إليه تجاه تركيا و"أردوغان" شخصيا، فاعتبره عدوا له؛ تجب محاربته بشتى الوسائل وبكل ما أوتي من قوة ومال وإعلام.

وأقول هنا إعلام لأن الإعلام أصبح أقوى سلاح في عصرنا الحديث، فقد سخّرت الإمارات آلاتها الإعلامية الجبارة التي تتشكل من عشرات الشبكات الفضائية والصحف والمجلات والمواقع الإخبارية، ومراكز أبحاث، وأطلقت ذبابها الالكتروني المسموم على وسائل التواصل الاجتماعي، وجندت عشرات المثقفين والإعلاميين العرب، الذين باعوا ضمائرهم للأسف الشديد للبترودولار؛ لهدم صورة "أردوغان" في عقول وعيون الشعوب العربية، وتصويره بالإرهابي الغازي، الذي يريد أن يحتل بلادها وينهب ثرواتها وخيراتها، كما فعل أجداده العثمانيون.

وتم تزوير التاريخ لجعل الحقبة العثمانية التي امتدت حوالي الستة قرون؛ غزوا واحتلالا وليست فتوحات عظيمة للدولة الإسلامية. لقد عملوا على تغيير البوصلة، من العدو الصهيوني، العدو التاريخي للأمة؛ إلى العدو التركي ممثلا في "أردوغان"، واشتغلت الآلة الإعلامية على هذا المنوال ورددت هذه النغمة؛ لترسيخ هذه الصورة الذهنية في مخيلة الشعب العربي، وتشكيل وجدان عربي جديد على هذا النمط الذي يروجون له: إسرائيل ليست العدو، بل هي الصديق ولنا مصالح مشتركة معها، ونحارب الإرهاب معا، بينما تركيا هي العدو الذي يرعى الإرهاب ويموله!

ولا شك في أن هذا الهجوم راق كثيرا لأمريكا والغرب عامة، ويندرج أيضا تحت مهام أبو ظبي الوظيفية. فهم قلقون من صعود تركيا على جميع الأصعدة؛ السياسية والاقتصادية والعسكرية، في عهد أردوغان وحزبه المصنف إسلاميا، وابتعادها كثيرا عن الفلك الغربي، بسياسات واستراتيجيات خاصة بمصالحها بعيدا عن المصالح الغربية، و غالبا ما تكون مناقضة لسياسات الغرب..

أما الكيان الصهيوني، فهو بالتأكيد في أسعد حالاته، لتغيير الصورة النمطية له في أذهان العرب. فلقد سبق لنتنياهو القول "إن الدول العربية لم تعد تتعامل مع إسرائيل كأنها عدو، بل كحليف ضروري في مكافحة التنظيمات (السنية) المتطرفة وإيران"...

الكيان الصهيوني لا يقيم للعرب وزنا، بعد أن هرعوا إلى عرينه يطلبون الحماية والتطبيع، ولكنه يخشى تركيا رغم العلاقات الرسمية بينهما منذ زمن "أتاتورك". ولكن تركيا في ظل "أردوغان" ليست تركيا في عهد "أتاتورك"، رغم اتساع العلاقات الاقتصادية بينهما في السنوات الأخيرة. وهنا يبرز معنى سيادة الدولة واستقلالية قرارها، بعيدا عن المصالح الجيوسياسية، وهو ما لا يريده الغرب عامة لتركيا. ولقد عبر عن ذلك "أردوغان" بقوله: "يريد الغرب أن تفعل تركيا ما يرده.. عفوا لم يعد هناك تركيا من هذا النوع".

كما أن الكيان الصهيوني يعتبر الجيش التركي أكبر تهديد له. وقد تسرب ما قاله رئيس الموساد "يوسي كوهين" في مطلع العام الماضي، لعدد من الدبلوماسيين المصريين والسعوديين والإماراتيين" من أن "إسرائيل تعتبر الجيش التركي أكثر قوة وقدرة من الجيش الإيراني ويصعب احتواؤه".

لذلك أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (الكيان الصهيوني وأمريكا والدولة الوظيفية) على هدف واحد هو إزاحة "أردوغان" من المشهد، كي تعود تركيا للركب الغربي مرة أخرى، تؤمر فتطيع كباقي الدول العربية. وأوكلوا هذه المهمة لدولة "المؤامرات"، التي وجدت فيها غايتها، فأنفقت عشرات المليارات من الدولارات، لشراء الذمم لإسقاطه في الانتخابات، وحينما لم تفلح في ذلك لم تجد وسيلة لإزاحته غير الدبابة، فمولت المحاولة الانقلابية الفاشلة لجماعة "غولن" في عام 2016.

ونحن لا ننسى كيف مهدت القنوات الفضائية التابعة للإمارات، سواء التي تبث من دبي أو مصر لهذا الانقلاب، قبل حدوثه بساعاتـ ثم ادعت أن "أردوغان" هرب بطائرة إلى ألمانيا، وبثت الأخبار الكاذبة عن سيطرة الجيش على الحكم، وخرجت الصحف في اليوم التالي بهذه العناوين الكاذبة والفاضحة للمؤامرة.

وبالطبع تركيا لا تنسى هذا الموقف من أبو ظبي، ولا تنسى موقف أمريكا السلبي أيضا تجاه هذا الانقلاب الفاشل.

وحينما فشلوا في إزاحة "أردوغان" بالجيش؛ لجأت أبو ظبي إلى الحرب الاقتصادية القذرة، وضرب الليرة التركية في الأسواق المحلية والعالمية، فانخفض سعرها إلى أدنى مستوى، ولكن لم تنخفض شعبية "أردوغان" ولم يثر الشعب التركي عليه كما خططوا.

وبعد أن باءت كل هذه المحاولات بالفشل، ولم يتمكنوا من القضاء على "أردوغان"، لعبوا بالورقة الكردية، لزعزعة استقرار تركيا وتعريض أمنها القومي للخطر، فمولوا قوات "قسد" التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردي، وهي من أذرع حزب العمال الكردستاني الإرهابي؛ ويريد الانفصال عن تركيا وإقامة دولة خاصة بالأكراد، وتم تدريبها داخل الكيان الصهيوني، واجتمعوا بقيادتهم في الرياض وأبو ظبي، وتم التنسيق بينهم لمهاجمة القوات التركية المتواجدة في شمال سوريا.

وقد سُرب مؤخرا أن الإمارات عرضت دفع ثلاثة مليارات دولار رشوة لنظام السفاح "بشار" التي تدعمه منذ بداية الثورة السورية، ودفعت له بالفعل 250 مليون دولار كبادرة حسن نية؛ كي يخرق وقف إطلاق النار في "إدلب" الذي رتبه الروس مع الأتراك كي تشغل تركيا عن الجبهة الأخرى المفتوحة في ليبيا، والتي حققت فيها قوات حكومة الوفاق، المعترف بها دوليا والمدعومة من تركيا، انتصارات مذهلة، وقلبت الموازين على الأرض وغيرت المعادلة السياسية..

ولم ينته دور أبو ظبي الوظيفي عند هذا الحد، بل تريد أن تُحدث فتنة كبرى في المنطقة، وتورط مصر في الدخول إلى المستنقع الليبي (كما ورطت السعودية في اليمن) كي يتواجه الجيشان المصري والتركي على الأراضي الليبية.

وهنا يُطرح السؤال: لمصلحة مَن ستكون تلك المعركة التي تستدعيها الإمارات وتريد إشعال نيرانها، لكي نفهم حقيقة دورها الوظيفي ولمَن تلعب ولصالح مَن؟ وما هي الدولة التي يهمها إضعاف أقوى جيشين في المنطقة، والزج بهما في معركة المنتصر فيها مهزوم؟ ولكني أكاد أن أجزم أن الدولتين أذكي من أن تقع في هذا الشراك الخبيث، رغم كل التصريحات النارية التي تصدر من مسئوليهما..

وربما هذا ما دفع وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار" مؤخرا إلى أن يهاجم الإمارات بشدة، ويهددها بأن تركيا سوف تحاسبها على ما فعلت في المكان والزمان المناسبين..

لقد نفد صبر الأتراك الذي تحلوا به طوال الأعوام الماضية تجاه كل الأحداث التي ذكرناها آنفا، وأرسلوا رسالة واضحة وعلنية لدولة الإمارات والداعمين لها وعلى مرأى من العالم كله؛ بأن تركيا ستتعامل معها بقوة وباللغة التي يفهمونها!

ولكن يبقى السؤال: ما نوع الرد الذي ستقوم به تركيا ضد الإمارات؟ وأين سيكون الرد؟ هل سيكون تصفية الحسابات كالعادة على الأراضي العربية وتدفع ضريبتها الشعوب العربية بالدم؟! أم سيكون بشكل مختلف؟ هذا ما تخفيه الأيام القادمة بين طياتها وستظهره لنا عن قريب..


twitter.com/amiraaboelfetou