مقالات مختارة

مؤتمر سان ريمو... 100 عام على إنكار الحقوق العربية

1300x600

في الأسبوع الذي حلت فيه الذكرى المئوية لـ «مؤتمر سان ريمو» الذي انعقد خلال الفترة من 19 إلى 25 أبريل 1920، كان من الملائم أن يناقش الإسرائيليون والأميركيون نية الحكومة الإسرائيلية المعلنة في ضم قطاعات كبيرة من الأراضي الفلسطينية المحتلة. فكما كان الحال في مؤتمر سان ريمو، فالحجج التي طرحتها الأطراف في هذه المناقشات واللغة التي استخدموها كانت مثيرة للقلق للغاية، ولم تبد أي احترام للشعب العربي الفلسطيني، ضحايا مخططاتهم.


وكانت أحد أغراض سان ريمو التصديق على الحجج الفرنسية والبريطانية لتقسيم الشرق العربي الذي اعتبروه من غنائم الحرب العالمية الأولى. ولم يبالوا بالسكان العرب في المنطقة الذين يعارضون طموحاتهم الاستعمارية. ولم يبالوا أيضا بالوفاء بالاتفاقات التي وقعوها مع الزعماء العرب من قبل وأقروا فيها باحترام حق العرب في الاستقلال بنهاية الحرب. فتلك الاتفاقات السابقة لم تكن إلا حيلة للحصول على الدعم العربي ضد العثمانيين.


وكان المشاركون في سان ريمو يبيتون النية للسيطرة على الأراضي التي توفر لهم موطئ قدم في شرق المتوسط، ومن ثم أعلنوا أن العرب ليسوا مؤهلين للحكم الذاتي، ولذا هناك حاجة إلى وصاية بريطانية فرنسية. والنتيجة هي أن الشرق العربي انقسم إلى سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي وفلسطين ومنطقة شرق الأردن تحت السيطرة البريطانية مع تعهد البريطانيين بالوفاء بعهدهم بأن يدعموا إقامة «وطن لليهود» في فلسطين.


بأي حق اتخذت هذه القرارات؟ كان المسوغ الأساسي هو «حق الغزو» الاستعماري. ويدعم هذه الحجة نظرة عنصرية عميقة وراسخة ضد العرب تنكر عليهم الحقوق المعترف بها لباقي الشعوب. وبعد مرور 100 عام على المؤتمر، يتضح الشيء نفسه في مناقشة خطط إسرائيل لضم الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذا يصح على معظم الأطراف الأميركية المشاركة في هذه المناقشات وهي إدارة ترامب والخارجية الأمريكية.

\
وإدارة ترامب أصدرت، من جانبها، نسخة معدلة من مؤتمر سان ريمو أطلقت عليها "صفقة القرن". وأقرت بحق إسرائيل في الغزو وأعطتها إشارة الموافقة على ضم أجزاء كبيرة من الأراضي التي احتلتها عام 1967. ولا غرابة أن يتركز اهتمام هذه "الصفقة" على إسرائيل، لأنها من تدبير ثلاثة مسؤولين في الإدارة الأميركية جميعهم يستثمر في مستوطنات الضفة الغربية غير المشروعة. ومثل سان ريمو، أعلنت الصفقة أن العرب ليسوا مؤهلين ليكون لهم دولة، ولذا لم تعترف بحقوقهم السيادية. بل وضعت «شروطا وبنودا معينة»، يجب عليهم الوفاء بها قبل السماح لهم بممارسة صيغة من الحكم الذاتي المحدود في أجزاء من الضفة الغربية.


فأي الأجزاء تستطيع إسرائيل ضمها؟ وفقا للصفقة، هذا ستقرره لجنة أميركية إسرائيلية لرسم الخرائط، ما يكرر من جديد احتقار مؤتمر سان ريمو للحقوق العربية. وفي النهاية، فالقرار المتعلق بما يتعين ضمه سيكون «قرارا إسرائيليا»، وفق نص كلام وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.


صحيح أن جانبا كبيرا من مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية عارض ضم إسرائيل للأراضي، لكن حجج المعارضة تركز في غالب الأحوال على إسرائيل. والخطاب الذي يستخدمونه للتعبير عن مخاوفهم يكشف عن افتقار تام لفهم مسؤوليتهم تجاه الوضع الحالي إلى جانب تيار كامن وقوي من العنصرية.
ويمثل مقال الصحفي الأميركي البارز جاكسون ديل في واشنطن بوست نموذجا جيدا. ففي المقال الذي عنوانه "«الآن لدى ترامب السلطة ليغير شخصية إسرائيل إلى الأبد» يعبر الكاتب منذ البداية عن مخاوفه بشأن تأثير الضم على إسرائيل. ويغفل المقال أن العزل العنصري-الذي حذر منه- مطبق بالفعل على الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل صيغ مختلفة من قمع الحكم الإسرائيلي.


وفشلت مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية أيضا في الإقرار بمسؤوليتها عما نشهده من فوضى. فسكوتها عن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وعن الانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان الفلسطيني هي السبب في أن هناك 650 ألف مستوطن في الضفة الغربية وما تطلق عليه إسرائيل «القدس الشرقية».


فقد أشاع تقاعس الإدارات السابقة عن اتخاذ إجراءات حاسمة لتقييد هذه السياسات الإسرائيلية شعورا بالحصانة وساعد على وصول السياسة الإسرائيلية إلى ما هي عليه الآن. وأسهم أيضا في إضعاف الثقة في القيادة الفلسطينية ما أدى إلى خلل وظيفي في السياسة الفلسطينية. وما لدينا اليوم هو دولة «آبارتيد» بها عدد أكبر قليلا من العرب عن اليهود يعيشون بين نهر الأردن والبحر المتوسط.


ولن نرى تنفيذ «صفقة القرن» لأنها لا تحمل أي أمل للفلسطينيين الذين لن يقبلوا أن يكونوا تابعين بشكل دائم لإسرائيل. وهذا هو الواقع الذي تجلى على مدار المئة عام الماضية منذ مؤتمر سان ريمو. وسيظل قائما حتى ينظر اليهود الإسرائيليون وصناع السياسة الأميركية إلى الفلسطينيين باعتبارهم شعبا له حقوق كاملة.


(الاتحاد الإماراتية)