أخبار ثقافية

"مخلفات الزوابع الأخيرة".. إلى متى يدفع الفقراء الثمن؟

جمال ناجي الروائي الأردني من أصل فلسطيني

منذ الصفحات الأولى لرواية "مخلفات الزوابع الأخيرة"، يتجلّى الجهد الكبير الذي بذله الروائي جمال ناجي لتأسيس نصه. فهو يعالج موضوعا جديدا في تلك الفترة (عالم الغجر)، ناهضا بعالمه الروائي من النشأة الأولى، إلى حيث تتولّد الصراعات وتتعقد وتتأزم، ثم تنفجر. أبطال الرواية الرئيسيون ظهروا منذ طفولتهم الباكرة ومضوا حتى انتهاء حياتهم أو تدمير مستقبلهم تماما. 


عالم الرواية بالغ الثراء. ينسج خيوطا كثيرة تبدأ متوازية، واضحة، ثم تأخذ في التداخل والاشتباك، مستفزةً قارئها الذي يلهث وراء خيوطها. فقد حرص ناجي على تناول عالم الغجر تناولا جديدا، شاملا، متغلغلا إلى أعماقهم، مبتعدا عن الإكليشيهات المكرورة عن حياتهم.


ويضيف إلى ذلك تتبع نشأة مدينة حديثة في الأردن، الأرجح أنها عَمّان. ومع تطور المدينة الصغيرة، وتوافد مهاجرين كثيرين إليها من بدو وفلاحين وغجر، ينسج ناجي، ببراعة، خيوطه المتداخلة، التي تصور صراعات هؤلاء السكان الجدد، مثلما تصور طبيعة توسع الحيز المكاني، الذي يعد هنا بطلا مهما من أبطال الرواية؛ حيث نشهد نموه منذ الولادة، حتى النضج، بكل ما يمثله من فرصٍ يتصارع شخوص الرواية رغبةً فيها، وأخطارٍ يتصارع شخوص الرواية أيضا، فرارا منها.


في ثمانينيات القرن الماضي، (صدرت الرواية سنة 1988)، كان ذلك الطموح الروائي تحديا إبداعيا. لم يكن تناول عالم الغجر مألوفا، خاصة بهذا العمق والشمول، مع العناية بتطور المكان وصراعاته. لعل ذلك السبب في أن نقادا كثيرين رأوا في الرواية أفضل ما أبدعه ناجي.


تبدأ الرواية من جنين المدينة الأول: وادٍ تحدق به الجبال، تبدو سُكْناه شاقة، لذلك، لم يقطنه إلا قليلون، بعضهم عرفنا سبب لجوئه إلى ذلك المكان القفر؛ الفضيحة. فالغجري الأول الذي حل بالوادي هو "سبلو" الضئيل الجسد، الذي يعشق زوجته الغجرية "بهاج"، ويكتشف أن غريما غجريا آخر، هو "كياز" يحب زوجته بهاج، ويتلصص عليها من ثقب خيمتها، فقد سبق أن تقدّم للزواج منها فرفضته، إذ كانت تحب سبلو وتنتظر تقدمه للزواج منها.


اشتعل غضب سبلو وطارد كياز، الذي كان ضخما قويا، فضرب سبلو ضربا مهينا.


فر سبلو وبهاج وطفلتهما حديثة الولادة "هاجار" إلى ذلك الوادي القفر، كان ساكنه الوحيد رجلا قليل الظهور في الرواية، غير أنه سيضع بذرة الصراع الأقوى فيها. فهو عثمان أبو بركة، الذي تفتّق ذهنه عن حيلة شيطانية للاحتيال على سكان الوادي الجدد، فطالبهم بثمن الأرض التي بنوا عليها بيوتهم، مع أنه ليس صاحب الأرض، هو مجرد الساكن الأقدم للوادي، لكنه تسلّح بمسدساته هو وأولاده الأربعة.


كان اللصوص يكمنون في الجبال المحيطة بالوادي، وكان سبلو يعزف ويغني على آلة موسيقية اسمها "البُزُق". ابتسمت له الدنيا حين بدأ يكسب قوته من الغناء في الأعراس، حتى دعاه لصوص الجبل ليغني لهم في ليلة مرح، وحين انتهى، أوصله اثنان منهم إلى بيته، ثم حاولا اغتصاب بهاج، فقاومتهما بشراسة فذبحاها وفرّا، بعد أن قيّدا سبلو، الذي سيظل طيلة الرواية يكابد حزنه على حبيبته، بالإضافة إلى نبوءة حماته التي حذرته بأنه سينتهي هو وبهاج مقتولين إذا تركا الغجر، وقت أن ضربه كياز، فلم يصدقها.


رغم كارثية الحدث، ساهم في نشأة المدينة، فقد طاردت الشرطة اللصوص ففروا وأصبح الوادي أوفر أمنا. جاء الغجر الذين عاش بينهم سبلو من قبل. بدأت عائلات من الفلاحين والبدو تأتي أيضا. ورغم موت عثمان باكرا، فقد حمل ابنه سلمان لواء الاحتيال، وظل يبيع الأرض التي لا يملكها. وحين طالبه المشترون بإثبات لملكية الأرض بدأ يقدم لهم أوراقا اسمها "حجج بيع" زاعما أن تسجيل الأرض باسمه غير متاح الآن بسبب إجراءات حكومية معقدة مرتبطة بالمسح ونحو ذلك.


تقدم الرواية آلية نمو هذا المجتمع المديني، العربي، الناشئ. ففيه تتقاطع المصالح فتعمل هاجار ابنة سبلو، بعد أن شبّت، في محل ملابس يملكه فلاح اسمه نزار. يجبرها على ممارسة الجنس ثم يعجز عن الاستمرار بسبب ضعفه، رغم تنامي نفوذه كرجل أعمال صاعد في الوادي.


تدخل هاجار في علاقة أخرى مع جارها "جبر"، ابن عثمان أبو بركة، الذي يأخذ طابع المثقف الحضري، ذي التوجهات الثورية في إطارها البرجوازي العام، فهو يتعاطف مع الغجر، مخالفا أسرته التي ترى فيهم طبقة دنيا، محتقرة. يحب هاجار ويساعد زوجها الغجري "عرقي" في العمل مطربا في فندق. يخفي حبه لهاجار عن أسرته التي لن تقبل به عاشقا لغجرية. 


تتنوع فصول الرواية ما بين فصول سُمِّيت بأسماء شخصيات بارزة، وفصول سمِّيت بأسماء أحداث فارقة، دون أن نشعر بخلل أو ارتباك في تسلسل الأحداث وتطور الصراع. فبعد عرض نماذج متباينة لصعود أشخاص وانحدار آخرين، تأتي الضربة الحاسمة: ظهور رجل الأعمال الثري صاحب الأرض الأصلي. وكان ذلك ذروة الأزمة.


طالب الرجل بأرضه واستصدر حكما قضائيا يمكنه من إزالة بيوت سكان الوادي، عارضا بيع الأرض لساكنيها بسعر باهظ. تورط الجميع في الصراع، لا أحد تقريبا يملك الثمن، ولا أحد يمكنه الرحيل إلى أماكن أخرى. في النهاية يتواطأ سلمان الذي أصبح كبير الوادي، بمشاركة نزار، مع صاحب الأرض على إقناع السكان بالشراء على أن ينال سلمان ونزار عمولة منه.


بعد جولات شاقة من الصراع، تضمنت قطع الماء والكهرباء عن الوادي ووصول جرافات لهدم البيوت، يضطر السكان الفقراء للدفع. ومرة أخرى تعتمد جماليات الرواية على إبراز المفارقات التي تتأسس على مستوى الوعي السياسي. فالفقراء هم من يدفعون الثمن، وبعد اللص عثمان يستكمل ابنه سلمان مسيرته، لكن دوائر النهب تتسع؛ فيشارك صاحبُ الأرض في امتصاص آخر قطرة من قوت السكان، كما يشارك نزار في الصفقة، بعد أن استغل هاجار في العمل بمحله، مما ضمن له شراء الغجر منه، وبعد مضاعفة أرباحه، تمكن من مشاركة سلمان في إقناعهم بشراء الأرض بثمن باهظ.


لو كان لهؤلاء الفقراء مسحة من الوعي السياسي، لأدركوا مدى إجرام ناهبيهم.


وعلى نحو مسلٍّ، وافٍ، قدمت الرواية صورة حية لمدينة عربية ناشئة في سبعينيات القرن الماضي. تحكي عن ظهور السلع والمنتجات الحديثة وقتها، مثل أجهزة الكاسيت، ودورها في تطور الذوق الفني، والترويج لفرق وأنماط غنائية جديدة.


وعلى نحو خاص، تغلغلت الرواية في عالم الغجر غير المرئي، حيث سطوة الأساطير ومطاردة النبوءات والاستسلام التام للقوى الاجتماعية الأكثر وعيا وتنظيما. فقد تضافر كل شيء ليقتل السكانُ الفقراءُ أضعفَهم سبلو، بعد أن أقنعهم الثري الصاعد نزار بأن القلة التي لم تشتر أرض بيوتهم سيكونون سببا في عدم تسجيل الآخرين لأراضي بيوتهم التي دفعوا ثمنها. بالطبع كان الرجل مدلسا لأنه لم يرد إلا إجبار الأشد فقرا، مثل سبلو، على شراء نصيبهم من الأرض بأي ثمن، حتى يقتنص هو عمولته من صاحب الأرض.


وبينما كان يسعى المثقف التقدمي جبر لمؤازرة السكان، بعد أن رفضوا الدفع في البداية، فقد تمكن من فضح القضية إعلاميا، وأجرى اتصالات كثيرة بالعديد من المسؤولين... فقد كانت الغلبة في النهاية لذوي المطامع الأقوياء، الذين لعبوا على استغلال بساطة السكان وهامشيّتهم.


غلب السرد على النص، وتوزع الحوار على المواقف الدرامية والمواجهات، مقتدرا على تنويع مستوياته بين البسطاء المحرومين من أي تعليم، والمثقفين، ورجال الأعمال، وموظفي الحكومة.