ملفات وتقارير

صحيفة فرنسية: الجزائر قلقة من دور الإمارات في أفريقيا

لوموند قالت إن المفردات التي تستخدمها الصحافة الجزائرية تتجه نحو الكارثة- وزارة الدفاع الجزائرية
لوموند قالت إن المفردات التي تستخدمها الصحافة الجزائرية تتجه نحو الكارثة- وزارة الدفاع الجزائرية
نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقريرا، سلطت فيه الضوء على التحديات التي تواجه الجزائر أمام التغيرات الجيوسياسية الإقليمية الجديدة، وأبرزها دور الإمارات.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن تراجع نفوذ الجزائر في مالي يوضح مدى صعوبة التكيف مع ظهور جهات فاعلة جديدة في بيئتها.

ومنذ زمن طويل، ولّى الوقت الذي كان فيه المسؤولون الجزائريون يجدون صعوبة في قمع الفرحة الساخرة عند رحيل الجنود الفرنسيين المنتشرين في مالي في سنة 2022 كجزء من عملية "برخان".

وبعد مرور 18 شهرا، تغير المزاج جذريا في الجزائر العاصمة، حيث يوجد الآن إنذار ظاهري بشأن التحول الذي اتخذته "السيادة الجديدة" للمجلس العسكري الحاكم في باماكو.

كما أن المفردات التي تستخدمها الصحافة الجزائرية تتجه نحو الكارثة، فقد كتب موقع "كل شيء عن الجزائر" أن "مالي تتجه مباشرة نحو الحرب الأهلية" (28 كانون الثاني/يناير)، "شبح الفوضى يخيم على مالي" (27 كانون الثاني/يناير). إنهم يعبرون عن قلق رسمي خطير في مواجهة اندفاع باماكو العسكري المتهور، لا سيما قرارها بإنهاء الاتفاق المبرم في سنة 2015 بين الحكومة والجماعات المسلحة في الشمال تحت رعاية الجزائر العاصمة.

وكانت التسوية، التي تهدف إلى وضع حد للتمرد في المنطقة الشمالية من مالي، مصدر فخر كبير للجزائر، ورمزًا لقدرتها على فرض وساطات إقليمية، فقد وجدت "قوتها الناعمة" الدبلوماسية، التي كانت محسوسة في مختلف أنحاء المنطقة، دعما قويا هناك. ومع ذلك، فإن "اتفاقية الجزائر" هذه، كما كانت تسمى، دُفنت اليوم من قبل باماكو، التي واصلت في السابق التنديد به باعتباره مؤيدا للغاية للجماعات المتمردة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الطريق الآن مفتوح لتعميم الهجوم العسكري في شمال البلاد. وكانت استعادة بلدة كيدال، المعقل التاريخي لتمرد الطوارق، في تشرين الأول/أكتوبر، بمساعدة القوات شبه العسكرية الروسية التابعة لفاغنر، بمثابة الإنجاز الأول في عملية "استعادة السلامة الإقليمية"، التي تظل نتائجها غير مؤكدة.

اظهار أخبار متعلقة


"الدور الضار" للإمارات
يعدّ الدور المنسوب إلى الإمارات مصدرا آخر للتوتر بالنسبة للجزائر. في 10 كانون الثاني/يناير، أعرب المجلس الأعلى للأمن، الذي يجمع كبار المسؤولين الأمنيين في البلاد حول الرئيس عبد المجيد تبون، عن "أسفه إزاء الأعمال العدائية ضد الجزائر، الصادرة من دولة عربية شقيقة". وعلى الرغم من أنه لم يتم تسمية الإماراتيين رسميا، فإن الصحافة الجزائرية لم تتردد منذ أسابيع في تحديد المتهم. 

في كانون الأول/ديسمبر، كان العنوان الرئيسي في صحيفة "لوسوار دالجيري" اليومية:
"الإمارات العربية المتحدة، دولة مهووسة بتأجيج الحرائق". وذكر المقال أيضا "الدور الضار" الذي تلعبه أبو ظبي في المنطقة -من الساحل إلى السودان مرورا بليبيا- على حساب المصالح الجزائرية، وفي الخدمة المفترضة لمصالح المغرب وإسرائيل. وستدفع الجزائر هناك، بحسب خطابها الرسمي، ثمن عدائها لاتفاقات أبراهام التي قامت بموجبها أربع دول عربية (المغرب والإمارات والبحرين والسودان) بتطبيع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي في سنة 2020.

وكانت الضربة القاضية التي وجهتها باماكو في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي لـ"اتفاقية الجزائر" المتعلقة بشمال مالي، قد أعادت إثارة الاتهامات. وبعيدا عن الدعاية الجزائرية، لا يستبعد العديد من المحللين احتمال أن يتم الآن تمويل المجهود الحربي المالي جزئيا من قبل الإمارات، بناء على نموذج تم اختباره بالفعل في ليبيا لصالح المشير خليفة حفتر، أو في السودان لصالح محمد حمدان دقلو (المعروف باسم حميدتي)، وهما من أمراء الحرب المدعومين أيضًا من قبل فاغنر.

ويوضح علي بن سعد، الأستاذ في المعهد الفرنسي للجيوسياسة بجامعة باريس الثامنة، أن "الهدف الإماراتي يكمن في تعطيل الجزائر، من خلال خلق تركيز عسكري على حدودها الأكثر ضعفا". وكما لو أن هذه الانتكاسات لم تكن كافية، فلا بد أن تعاني الجزائر من إهانة أخرى، تلك التي ألحقها بها المجلس العسكري الجديد في نيامي، الذي رفض بالفعل في تشرين الأول/أكتوبر عرض الوساطة الذي قدمته في أعقاب انقلاب 26 تموز/يوليو. 

اظهار أخبار متعلقة



تدهور العلاقات الثنائية مع مالي
لا يمكن للجزائر سوى أن تشعر بالقلق إزاء اندلاع صراع جديد خارج عن سيطرتها بالقرب من الحدود المشتركة مع مالي، البالغ طولها 1300 كيلومتر، وما يزيد الأمر سوءا أن نظام باماكو يُظهر عداوة متزايدة تجاه الجزائر المتهمة بـ"التدخل".

على ضوء ذلك، يستنكر الوزير والسفير السابق الجزائري، عبد العزيز رحابي، قائلا: "هناك تصعيد في مالي في خطاب مناهض للغاية للجزائر، هذا جديد تماما". وأضاف: "إننا نشهد تسارعا للتاريخ في مالي، خاصة تسارع الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر".

ذكرت الصحيفة أن قلق الجزائر لا يقتصر على تدهور العلاقات الثنائية مع بلد يعدّ جزءا من "عمقها الاستراتيجي"؛ فهو يتعلق على نطاق أوسع بإعادة التشكيل الجيوسياسي الإقليمي، الذي يتسم بتوسيع نطاق أصحاب المصلحة، ما يعقّد البحث عن تسويات سياسية. ويشير رحابي إلى أن "الخطاب الجديد للماليين يفترض أنهم تلقوا دعما أو ضمانات تخول لهم تبني هذا الموقف تجاه الجزائر، وهو أمر يتجاوز إمكانياتهم. وما لا شك فيه أن مجموعة فاغنر من المرتزقة الروس هي أهم هذه "الضمانات".

وأوردت الصحيفة أن الجزائريين يشتبهون في أن المغرب، العدو الإقليمي، يهمس في آذان عقداء باماكو لتشجيعهم على تشديد موقفهم ضدهم. إذا كان من المفيد إثبات هذا الاتهام، فالحقيقة هي أن الرباط تبدو مهتمة بتحالف دول الساحل الجديد، الذي تشكل في أيلول/سبتمبر 2023 من قبل الأنظمة الانقلابية الثلاثة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. 

كما جمعت المغرب ممثلين عن الدول الثلاث وتشاد يوم 23 كانون الأول/ديسمبر بمراكش؛ من أجل إتاحة "الوصول لدول الساحل إلى المحيط الأطلسي". ويبدو المشروع نظريا في هذه المرحلة، لكنه يشهد على النشاط المغربي في المنطقة، وهو ما يثير غضب الجزائر بشدة، التي تستشعر وجود مؤامرة هناك. 

وحسب موقع "كل شيء عن الجزائر"، "فإن يد المغرب وإسرائيل [التي طبّعت المملكة العلاقات معها في نهاية سنة 2020] تظهر ضمنيا في الاضطرابات الإقليمية الأخيرة بهدف نهائي يتمثل في "زعزعة استقرار الجزائر".

الأنشطة "غير الودية" للمجلس العسكري المالي
في قوس التوترات الجديد هذا على حدودها، فإن الشيء الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للجزائر هو رؤية القوى التي تعدّ صديقة -مثل روسيا أو تركيا- تعمل بما يتعارض مع مصالحها الخاصة. وفي مالي، يبدو التقارب واضحا في ظل تصرفات فاغنر، أو استخدام طائرات دون طيار تركية هائلة من طراز "بيرقدار تي بي 2" ضد المتمردين الشماليين. 

بعد فترة طويلة من الإنكار، كتب موقع "كل شيء عن الجزائر" أن "قوى مثل روسيا وتركيا، التي تحافظ الجزائر على علاقات جيدة معها، تلعب لعبة قذرة في منطقة الساحل". من جهته، يقول رؤوف فرح، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مركز أبحاث المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية: "لدينا انطباع بأن الجزائر تعيش في مأزق جيوسياسي رهيب. عندما لا تتمكن من الحصول على خدمات معقولة من حلفائك الأكثر ولاء، فهذا يعني أن هناك مشكلة حقيقية". وأضاف قائلا: "تفشل الجزائر في تجديد سياستها بشأن منطقة الساحل في سياق يخدم الآن إمكانية التدخل من قبل جهات فاعلة أكثر ديناميكية وعدوانية".

وفي المستقبل القريب، سيتعين على الجزائر مواجهة الأنشطة "غير الودية" للمجلس العسكري الموجود في باماكو، الذي يتعقب حلفاءه الطوارق في شمال مالي. ويتوقع أكرم خريف، الخبير الأمني ومؤسس موقع "مينا ديفينس"، أنه "على أقل تقدير، يمكن للجزائر أن تتخلى عن المتمردين الشماليين الذين وقّعوا على اتفاقية الجزائر الذي أحجمت عنه حتى الآن".

ونقلت الصحيفة عن أحد قادة المتمردين الطوارق، أن "استئناف الحرب ضد الجيش المالي أمر لا مفر منه مع العودة إلى مطلبنا باستقلال أزواد [شمال مالي]، ونأسف لعدم تقديم الجزائر حتى الآن أي دعم لنضالنا". ويبقى أيضا أن نلاحظ موقف الجزائر تجاه إياد حاج غالي، زعيم التنظيم الجهادي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، حيث تؤكد بعض الأجهزة الغربية على روابطها طويلة الأمد مع دوائر السلطة الجزائرية.

وفي ظل عدم الاستقرار المتزايد، يقول السيد رؤوف فرح: "ستعمل الجزائر على زيادة عسكرة حدودها مع خطر التأثير على السكان عبر الحدود المعتادين على التنقل بحرية والعيش على البضائع المهربة.

ولخص بقوله: "الجيش الجزائري سيجد نفسه تحت الضغط". وذكر السفير السابق عبد العزيز رحابي: "لم نكن بحاجة إلى هذه الجبهة الساخنة الجديدة".

للاطلاع إلى النص الأصلي (هنا)


التعليقات (0)