ملفات وتقارير

ملامح فيدرالية بـ"العقد الاجتماعي" لإدارة شرق الفرات السوري.. ما رأي السويداء المنتفضة؟

لحظة إعلان العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا يوم 13 ديسمبر في مدينة الرقة- الموقع الرسمي للإدارة
لحظة إعلان العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا يوم 13 ديسمبر في مدينة الرقة- الموقع الرسمي للإدارة

منذ يوم 13 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، اعتُمد "عقد اجتماعي" جديد، أشبه بدستور مصغّر، في مناطق شمال شرق سوريا، الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية بشقها الخدمي، ومجلس سوريا الديمقراطية بشقها السياسي، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، صاحبة النفوذ العسكري في تلك الزاوية من الخارطة السورية.

وتألف العقد من 134 مادة، موزعة على 4 أبواب، ترسم القواعد والقوانين التي ستسري عليها المنطقة ذات الغالبية الكردية والعربية والمسيحية، فيما بدا فيه تغيير واضح بهيكلة الإدارة وتسميتها.

"إقليم شمال شرق سوريا"
ونص العقد الاجتماعي الجديد على تسمية "الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا"، وبدلا من الأقاليم السابقة التي قسمت المنطقة إداريا بناء عليها، صارت الإدارة تتكون من إقليم واحد وهو "إقليم شمال وشرقي سوريا"، ويتضمن سبع مقاطعات.

وسارت "الإدارة الذاتية"، غير المعترف بها رسميا، من أي جهة محلية أو دولية لحد الآن، على عقد اجتماعي لأول مرة في عام 2013، ومع تشكيل وقوات قسد ككيان عسكري، صاغت عقدا جديدا قبل سنوات، لكن طالته انتقادات بسبب افتقاره للعديد من المبادئ الأساسية.

وتضمن العقد الجديد، الذي صيغ بعد مناقشات داخلية منذ عام 2020، تغييرات طالت هيكلية البلديات في جميع مناطق سيطرتها شرق نهر الفرات، وأشار في أحد بنوده إلى أن "هيئة البلديات ستتحول إلى تجمع واتحاد للبلديات".

اظهار أخبار متعلقة


وعُدلت تسمية "المجلس العام للإدارة الذاتية" إلى "مجلس شعوب شمال وشرق سوريا"، مع إمكانية إطلاق خطوة لاستحداث بعض المؤسسات وفقا للعقد الاجتماعي الجديد، مثل مؤسسة الرقابة وستكون تابعة لمجلس الشعوب، ومجلس الجامعات.

وتعتبر اللغات العربية، والكردية، والسريانية، هي اللغات الرسمية في مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية"، وفقا للعقد الجديد.

وخصّ في مضمونه، الحفاظ على حقوق "الشعب الكردي، والشعب السرياني، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والحفاظ على الخصائص التاريخية والبنى الديمغرافية الأصيلة للمناطق الكردية، وترفض أي تغيير ديمغرافي في مناطق الشعب السرياني الآشوري".

حول شكل العلاقة مع النظام السوري في دمشق، جاء في المادة 120 من العقد الجديد، الذي اطلعت عليه "عربي21"، أن "شكل العلاقة في جمهورية سوريا الديمقراطية يحدد فيما بين الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال شرقي سوريا مع المركز (دمشق)، والمناطق الأخرى على جميع المستويات وفق دستور ديمقراطي توافقي".

النظام السوري "رفض" العقد الاجتماعي

ويبدو أن تأخير الخطوة الحالية، كان لغرض إمكانية الحصول على موافقة دمشق، عبر مفاوضات سرية بين ممثلي الإدارة والنظام السوري، من أجل إعلان تثبيت دعائم اللامركزية والاعتراف بالحكم الذاتي بشكل شرعي في شرق الفرات، إلا أن تلك الجهود باءت بالفشل.

اظهار أخبار متعلقة


ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي، فريد سعدون، إن "اختيار التوقيت الحالي لإعلان العقد الاجتماعي، سببه هو تعطل المفاوضات بين إدارة شرق الفرات والنظام السوري في دمشق، وانتهت الحوارات بين الطرفين منذ نحو 4 أشهر، وسط حالة من الجفاء بين الطرفين".  

محاولة لإرضاء تركيا
ويضيف سعدون، في حديثه لـ"عربي21" أن "الإدارة ورغم فشل الاتفاق مع دمشق، تسعى من خلال التغييرات الهيكلية في مسد، من أجل الحصول على رضى الجانب التركي، وذلك من خلال إبعاد قيادات تابعين لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا "منظمة إرهابية"، وانتخاب شخصيات من المكون العربي".

وانتخب مجلس سوريا الديمقراطية مؤخرا، للرئاسة المشاركة الجديدة كلاً من المعارض المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية محمود المسلط، والمسؤولة الكردية ليلى قهرمان.

اظهار أخبار متعلقة


أما بخصوص البعد الجيوسياسي للعقد الاجتماعي، أشار سعدون إلى أن "ذلك يعتبر تأكيدا على التقسيم المناطقي للنفوذ بين القوى المؤثرة في سوريا، مثل إيران وتركيا وروسيا، وهو يعني الإبقاء على الخارطة العسكرية الحالية إلى حين إيجاد حل سياسي للمسألة السورية وهو أمر قد يستغرق سنوات طويلة، لذا لا بد أن يكون لكل منطقة إدارة خاصة بها، رغم الرفض الدولي للكيانات الخاصة داخل الأراضي السورية، وفقا لرأيه".

"أحادي الجانب وغير قانوني"
وفي السياق، أبدى المحلل السياسي فريد سعدون، ملاحظات حول العقد الجديد، أوّلها استبعاد المعارضة الكردية لـ"الإدارة الذاتية" المتمثلة بـ"المجلس الوطني الكردي" وكذلك بعض الأطراف العربية والآشورية عن المشاركة في كتابته، مبرزا أنها خطوة "غير قانونية وأحادية الجانب".

لكن في المقابل، لم يستبعد المتحدث نفسه، أن يكون للعقد الجديد أثر إيجابي محليا، لكون المنطقة بحاجة إلى قانون تسري عليه، لافتا في نفس الوقت إلى صعوبة تنفيذ بنوده كاملة خاصة المتعلقة بالسيداة السورية والحريات، عدا عن إمكانية تنفيذ بعض النقاط المرتبطة بالخدمات.

اظهار أخبار متعلقة


ورأى المحلل السياسي، المقيم في مدينة القامشلي الواقعة تحت سيطرة "قسد"، أن العقد الجديد قد يكون "معرقلا" للتفاوض مع دمشق أو أطراف معارضة ضمن مناطق شمال شرق سوريا.

"الإدارة المجتمعية حل مرضي في السويداء لكن بشرط"


من جهة أخرى، رفع متظاهرو السويداء في احتجاجات الجمعة الماضية، لافتات مناهضة للنظام السوري وتطالب باللامركزية، وتطبيق القرار الأممي 2254.

حول رأي المحتجين في السويداء بـ"العقد الاجتماعي" لإدارة شرق الفرات، قال مدير مركز إعلام الانتفاضة، مرهف الشاعر، إنه "لا مناص من القول بأن سوريا أصبحت رهينة للأطماع الدولية بمختلف توجهاتها والتي لعبت دورا سلبيا ارتدت مفاعيله على الشعب بمساعدة من سلطة مستبدة فاسدة تمارس عملا وظيفيا بمنطق مافيوي دون الاكتراث بمصير شعبها".

وبناء عليه، رأى الشاعر في حديثه لـ"عربي21"، أن ذلك "سوف يفسح المجال لتكوين عقود اجتماعية جديدة آمنة وظهور الهويات الكامنة بعد فشل الهوية الوطنية الجامعة".

اظهار أخبار متعلقة


وتابع: "بالنسبة لانتفاضة السويداء، دائما تركز على البعد الإنساني والوطني الجامع الذي يوحد بدل أن يشتت"، مستدركا أنه "قد يكون هذا العقد الجديد يحمل في طياته حلول موضعية بالنسبة لأهالي المنطقة ويعالج كثير من من الأمور الإدارية والمجتمعية الهامة في ظل الاستعصاء السياسي لواقع الحل في سوريا".

فيما إذا كانوا يرونه مشروعا انفصاليا أم سوريا، مضى يقول: "تختلف الآراء وتتباين حول ذلك بين من يدعم الفكرة ويجد في مشروع "مسد" طريقا ثالثا قادرا على الحل، بعد أن فشلت السلطة والمعارضة بالعبور الوطني لبر الأمان، وبين من يراه تكريسا لواقع تجزئة جديد في سوريا واقتسام مناطق النفوذ بين الدول الكبرى".

وأردف الشاعر، أنه "طالما يتبنى (العقد) خيار الدولة السورية ويبحث في شكل الحكم مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية قد يكون مرضيا كأحد نماذج الحل والسيناريوهات المقبلة في حال توافقت الأطراف السورية على شكل الدولة فيدرالي أو لا مركزي".

اظهار أخبار متعلقة


وردا على سؤال "عربي21"، إذ كان من الممكن أن تعمد السويداء إلى خطوات كهذه مستقبلا؟، قال الشاعر: "السويداء تسعى لأن تكون بوابة خلاص لكل الشعب السوري وانتفاضتها المباركة ماهي إلا امتداد لثورة الشعب السوري والتي تؤكد دوما على بناء دولة سوريا الحديثة بلد القانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية والمحافظة على كامل ترابها".

وتابع: ب"منطق السياسة والمظلومية لأبناء السويداء خصوصا، والجنوب عموما قد تكون الإدارة المجتمعية أحد الحلول المبدئية ريثما نشهد تكاتفا سوريا أوسع وتحركا دوليا أكبر لإنهاء المأساة السورية وإخراجها من طي التجميد وإعطائها الأولوية".

وتأسست "الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا" عام 2013 لإدارة المناطق التي سيطرت عليها "وحدات حماية الشعب الكردية"، والتي أصبحت في 2015 العمود الفقري لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والتي تحكم اليوم نحو ثلث مساحة سورية يشكل العرب غالبية سكانه، ويعد الأهم لغناه بالثروات الزراعية والنفطية.

التعليقات (0)