مقالات مختارة

إنهم يخططون لليوم التالي بعد الحرب في غزة!

إبراهيم نوار
أرشيفية
أرشيفية
حرب غزة لم تنته بعد، ومع إنها قد تطول، فإن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل تستعجل نهايتها، لأنها كلما طالت زادت تعقيدات تداعياتها. ومن ثم تتجه السياسة الأمريكية إلى محاولة إغراق الحرب بالدبلوماسية، مع تأكيد ما تردده بشأن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وصلابة الالتزام الأمريكي بحمايتها، والعمل على ألا تصبح حربا إقليمية متعددة الجبهات. وهناك اتفاق بين مراكز التفكير الاستراتيجي على أن عنصر الوقت لا يعمل لصالح أي منهما في الشرق الأوسط. ويبدو من تطورات الحشد العسكري والدبلوماسي الأمريكي أن الغرض الرئيسي لسياسة القوة الأمريكية الآن هو محاولة غلق ملف «حرب الإبادة» ضد الفلسطينيين بأسرع ما يمكن، مع تحقيق أكبر قدر ممكن من أهدافها، وقصر التعامل معها على مجرد تخفيف آثارها الإنسانية. وتتكلم سياسة القوة الأمريكية بلسانين في وقت واحد، أولا بتكثيف الحشود العسكرية في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج، وثانيا بتكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع حلفائها في المنطقة. وفي هذا السياق أصبحت القوة العسكرية الأمريكية في شرق البحر المتوسط هي أكبر قوة قتالية في وضع الاستعداد خارج الولايات المتحدة. كما تجاوزت كثافة الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة ما عداها في أماكن الصراع الأخرى، بما في ذلك أوكرانيا ومنطقة المواجهة في بحري الصين الجنوبي والشرقي الممتدة من اليابان وتايوان حتى الفلبين. الهدف من هذا التكثيف العسكري والدبلوماسي هو جمع كل عوامل الضغط من أجل تقصير أمد الحرب، وحماية إسرائيل من التعرض لهزيمة عسكرية مذلة.

لماذا أصبح عامل الوقت حاسما؟

منذ 7 أكتوبر حتى الآن سقطت استراتيجية الردع الإسرائيلية، وكانت النتيجة أن القوة العسكرية الأمريكية الضاربة حلت محلها لحماية إسرائيل، وتقييد احتمالات حصول الفلسطينيين على مساعدات من الخارج، والتدخل إذا لزم الأمر لحمايتها من الهزيمة، لكن بقاء القوات الأمريكية في شرق المتوسط بكثافتها الحالية مدة طويلة يمكن أن يهدد فرص جوزيف بايدن في الانتخابات الرئاسية، فهو حتى إن كسب الصوت الصهيوني؛ فإن ذلك يمكن أن يكلفه أصوات الأغلبية الأمريكية، التي تدفع الثمن الاقتصادي والاجتماعي لبقاء هذه القوات، خصوصا مع الزيادة المتوقعة في الهجمات ضد القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط عموما، وليس في العراق وسوريا فقط. كما أن طول بقاء القوات الأمريكية في شرق المتوسط يجعل الولايات المتحدة شريكا صريحا في حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وما يترتب على ذلك من تداعيات. ومع أن كل العوامل المحيطة بهذه الحرب تتصف بطابع التقلبات وعدم اليقين، فإن متابعة تطوراتها منذ بدأت حتى الآن (33 يوما) تثبت وجود ثلاثة عوامل جوهرية يقينية لم تضطرب، ولم يتسرب إليها الشك، ما تزال هي التي تقرر ملامحها. العامل الأول هو الصمود الفلسطيني، رغم فداحة التضحيات؛ فألسنة الفلسطينيين وقلوبهم ووجدانهم تهتف: «ننزف دما ولن ننزف كرامة». العامل الثاني هو الاستمرار في القدرة على الرد ومواجهة آلة الحرب الإسرائيلية البربرية، لتأكيد سقوط استراتيجية الردع المعتمدة على القوة الغاشمة، وأن إسرائيل ترتكب خطأً فادحا إذا اعتقدت أنها تستطيع إبادة شعب أو حرمانه من حق العيش في وطن آمن، وأن الحل العسكري يتناقض جوهريا مع هدف تحقيق استقرار مستدام. أما العامل الثالث فهو قوة التضامن العالمي. هذا التضامن مع الشعب الفلسطيني أصبح يغطي كل قارات العالم على مستوى الشعوب، كما يظهر في الاحتجاجات المليونية المناهضة للحرب، الداعية إلى وقف إطلاق النار وإحلال السلام، التي تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة ضد الشعب الفلسطيني. كما أن التضامن العالمي يتجلى أيضا على مستوى الحكومات، كما سجله تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية كاسحة (120 ضد 14 منها الولايات المتحدة وإسرائيل). هذا التأييد الذي تحصل عليه المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية يزداد قوة كل يوم، حتى في الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، وحلف الأطلسي، وحتى بين اليهود أنفسهم. هذا تأييد يستحق أن يحتفل به الصمود الفلسطيني، وأن تبذل كل الأطراف الفلسطينية، بما فيها السلطة في رام الله، مجهودا أكبر لتوسيع نطاق حرب البقاء الفلسطينية من مجرد حرب في ميادين المواجهة المسلحة مع إسرائيل إلى مواجهة أيضا في ساحات الدبلوماسية والحوار لمواصلة كسب الرأي العام العالمي بتقديم مشروع واضح للتعايش والسلام مع الشعب اليهودي. هذه العوامل الثلاثة، الصمود، وقوة الإرادة، وتعاظم التضامن العالمي، تمنح الشعب الفلسطيني قوة فوق قوته، وتبشر بطول أجل الحرب التي اعتقدت الحكومة الإسرائيلية أنها ستكون سهلة وقصيرة. إن من يستعيد تصريحات نتنياهو وغالانت وسموتريتش وبن غفير، ومعهم رئيس الأركان حرزي هاليفي، في الأيام الأولى للحرب يدرك الآن إلى أي مدى كانت تقديراتهم خاطئة، وإلى أي حد تتعرض خططهم العسكرية للتغير يوما بعد يوم، وكيف أن تنفيذ هذه الخطط يتعثر الواحد وراء الآخر، وهو ما يتضح في استمرار الضربات الجوية الانتقامية اليائسة ضد المدنيين في المخيمات والأحياء السكنية والمدارس ومعسكرات الإيواء المؤقتة، حتى وصل الأمر إلى قصف الجرحى المدنيين، باستهداف عربات الإسعاف والمستشفيات! استمرار كثافة الضربات الجوية ضد المدنيين يعكس روحا انتقامية يائسة، لم تعد لديها خيارات غير إلقاء أطنان القنابل كل يوم على غزة.

حرب مستمرة أم تغيير نظام؟

يستخلص ميخائيل أيزنستات مدير برنامج الدراسات الأمنية والعسكرية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن تحقيق هدف «تدمير حماس» يحتاج إلى مجهود عسكري طويل ممتد. وقال إنه كلما طال القتال، ستقل قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بحريتها في العمل العسكري كما تشاء، نظرا للتداعيات التي يتركها طول مدة الحرب على جبهات أخرى أقربها الضفة الغربية، والتعقيدات التي يمكن أن تتركها أيضا على مستقبل تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، والأضرار التي قد تتعرض لها المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، إضافة إلى التداعيات السلبية المتوقعة على فرص الاستقرار السياسي في بعض الدول العربية. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت قد أعاد تحديد أهداف الحرب في كلمة أمام الكنيست يوم 20 من الشهر الماضي، مؤكدا ضرورة تحقيق هدفين، الأول هو تدمير كل الإمكانيات العسكرية لحكومة حماس، والثاني هو تدمير مصداقيتها السياسية بالقضاء على أجهزتها الحاكمة وهياكلها الإدارية. وأوضح غالانت أن خطة الحرب تجري على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي حملة جوية نيرانية مركزة، تتبعها عمليات عسكرية على الأرض (برية) هدفها تدمير عناصر حماس والبنية الأساسية العسكرية التي يعتمدون عليها. المرحلة الثانية هي مرحلة انتقالية، تستمر فيها العمليات القتالية، ولكن بكثافة أقل، وذلك بهدف تصفية جيوب المقاومة المتبقية. أما المرحلة الثالثة فإن هدفها هو خلق حقيقة أمنية جديدة للمواطنين الإسرائيليين، بما في ذلك سكان منطقة «غلاف غزة»، تعيد إليهم الثقة في قدرة الحكومة على حمايتهم. وبمقارنة ما يجري على الأرض وفي الجو وفي البحر حتى كتابة هذه السطور، وبعد مرور أكثر من شهر على بدء العمليات القتالية، وبعد إعلان نتنياهو وغالانت أن الحرب دخلت مرحلتها الثانية، فإن إسرائيل ما تزال تواصل الضربات الجوية ضد المدنيين الفلسطينيين، وتحاول تشديد الضغط على غزة من البحر، بينما تتعرض قواتها المدرعة على الأرض إلى خسائر كبيرة. ونتيجة لكل ذلك فإن إسرائيل تعمل على تركيز مجهودها العسكري الرئيسي في توجيه ضربات ساحقة إلى مدينة غزة لتسويتها بالأرض. هذه الأرض لم تعد مسرح عمليات آمنا منذ أن تحولت فتحات الأنفاق إلى ما يشبه «فوهات البراكين» التي تلقي نيرانها على المدرعات المعتدية وأطقم العسكريين في داخلها.

ويعتقد كثيرون في إسرائيل والولايات المتحدة أن إسرائيل يجب أن تعيد صياغة الهدف من الحرب، واختصاره إلى مجرد تغيير نظام الحكم في غزة، أي regime change على غرار ما فعلت الولايات المتحدة في العراق منذ 20 عاما. ونصح الجنرال احتياط عودي ديكل مدير برنامج الدراسات الفلسطينية في معهد جامعة تل أبيب لدراسات الأمن القومي، رئيس الوفد الإسرائيلي في مفاوضات أنابوليس (2007- 2008) بأن تستثمر الحكومة الإسرائيلية قوة التأييد الأمريكي والأوروبي الحالي في إسقاط حكم حماس، وإرساء الشروط الكفيلة بمنع عودتها للحكم مرة أخرى، وتشجيع فكرة تشكيل تحالف دولي للحرب على حماس، وهو ما قد يتضمن وجودا عسكريا دائما لقوات أمريكية وأوروبية، لضمان الرد على أي عدوان من جانب إيران. وهذا يعني من وجهة نظر ديكل أن تستفيد إسرائيل من الالتفاف الغربي حولها، وبالتعاون مع شركائها الإقليميين في إقامة منظومة جديدة لضمان الأمن والحد من التهديدات المحتملة في المستقبل بعد إسقاط حكم حماس.

القدس العربي
التعليقات (0)