ببلوغرافيا

ناجي صبحة.. شاعر فلسطيني شَغَلهُ بناء الأجيال عن تشييد الأحلام

الشاعر ناجي صبحة أَحبَّ الشعر منذ صغره، وبدأ ينظمه في خمسينيات القرن الماضي..
لطالما تحدثنا عن شعراء إسلاميين تزامنوا مع شعراء الأرض المحتلة وشعراء المَدّ الثوري، إلا أنهم لم يحظوا بالاهتمام الكافي ليظهرَهم كتيارٍ شعريٍّ موازٍ للتيار اليساري العلمانيِّ في النهضة الأدبية الفلسطينية تحت الاحتلال.

ولكننا لم نتحدَّث عن شعراء، استنكفوا عن جمعِ شعرِهِم واتخاذِ صفةِ الشاعرِ، في سبيلِ صفةِ الداعيةِ والمربّي. وترك شهرة الشعراء من أجل العمل على تأطير وتحضير الأجواء لتيار إسلامي في الداخل الفلسطيني، وتحديداً في جبل النار نابلس وجوارها.

وأكاد أجزم بأن شاعرنا ناجي صبحة المولود عام 1937 (أصغر من توفيق زياد وحنا أبو حنا وأكبر من درويش والقاسم وراشد حسين وجبران) لو أراد الاهتمام بالتجديد والتحديث والترميز، لترافق مع هؤلاء الشعراء في الشهرة.. إلى أنه انصرف إلى التربية والبناء والتثقيف والتعبئة الدينية والوطنية، بحيث بنى بيديه وليس بشعره جيلاً رافضاً للاحتلال وانتهاكاته. وجسد بنفسه دور "المثقف العضوي" ونظريته التي هي في الأصل صدرت عن مفكر ماركسي هو أنطونيو غرامشي، ولكن بصفة "المثقف الداعية".. فيما انصرفت مجموعة الشعراء الآخرين إلى تبني القضايا الوطنية بقصائدهم، وهذا أمر جيد أيضاً، لكنه لا يرقى إلى دور من ترك الشعر ليربي ويبني ويحرك ويحرض..

ولن تجد الكثير مما كُتب عنه كشاعر، إلا ما كتبه حسني أدهم جرار في كتابه "أدباء من جبل النار"، ثم ما كتبه بعض أصدقائه وأبنائه عنه وعن شعره بعد وفاته.

فمن هو شاعرنا؟

هو أديبٌ وشاعرٌ، وداعية ومربٍ، ومجاهدٌ التزم الإسلام منهجاً وعقيدةً وسلوكاً.. كان داعية بصمت، عاملاً بإخلاص، مصلحاً بإتقان، ترك بصمات على جيل كامل قاد المجتمع وصنع الانتفاضات الفلسطينية ضارباً المثل بين الشعوب للدلالة على أهمية تربية الأجيال والاستثمار فيها من أجل فلسطين.

ولد ناجي مصطفى عبد الله صبحة في بلدة عنبتا لواء طولكرم (ضمّت هذه السلسلة نحو عشرة شعراء من هذه القرية كتبتُ عنهم هنا) عام 1937، ونشأ نشأة ريفية متديّنة. تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة القرية، ودرس المرحلة الثانوية في المدرسة الفاضلية التي تخرج منها بالشهادة الثانوية عام 1955، عمل بعدها مدرّساً في عدد من مدارس فلسطين، ثم انتقل إلى دمشق ودرس البكالوريوس في جامعتها وتخرّج عام 1966. والتحق ببرنامج الماجستير في الجامعة الأردنية، لكن حرب 1967 حالت دون وصوله وتواصله مع الجامعة. فاضطر للعودة إلى التعليم في فلسطين، حتى التحق ببرنامج الماجستير في جامعة النجاح وهو في عمر 60 عاماً. وحصل على الماجستير عام 1999.

كان الأستاذ صبحة رحمه الله متزوجاً وله عشرة من الأبناء والبنات. درّس في عدد من المدارس منها مدرسة تل الثانوية (1955)، والاتحاد الثانوية في بيت إيبا (1963)، وطولكرم الثانوية، والفاضلية الثانوية، وعمل مديرًا لكلية النهضة الوطنية في طولكرم لمدة ست سنوات، وافتتح مكتبة دار الفكر في عنبتا لبيع الكتب والقرطاسية ونشر الوعي. ثمّ عمل أميناً لمكتبة جامعة النجاح منذ عام 1982، ومحاضراً في الجامعة حتى عام 2002.

انتمى في بواكير شبابه إلى جماعة الإخوان المسلمين. واختارته الجماعة للانخراط  في منظمة التحرير، لكنَّ اعتقاله من قبل الاحتلال حال دون ذلك، وساهم في توحيد الجماعة في الضفة والقطاع تحت الاحتلال، وشارك في نشر فكرها بين الفلسطينيين في الداخل، وكان له دور بارز في تأسيس العديد من المؤسسات الدينية والاجتماعية التربوية والخيرية.

تعسّف الاحتلال في التعامل معه، فمنعه من السفر منذ عام 1967، وفصله من عمله في التدريس عام 1970، وداهم بيته وفتّشه عدة مرات، واعتقله سبع مرات بين الأعوام (1968 -1996)، وأصيب في إحداها بالشلل النصفي جراء قساوة التحقيق والتعذيب. وفيها قال:

القيد أدمى معصمي       ..        والضرب آلمَ أضلعي
والكفر والشتمُ البذيء     ..       تَردَّدا في مسمعي
والشَّبْحُ في جوفِ الظلام  ..       طغى فأقلقَ مضجعي
والنومُ غابَ عن العيون     ..       وقد رَنوتُ لمهجعي
وتورّمت قدمايَ من         ..       قيدٍ وضربٍ موجِعٍ
وحُرمتُ شُربَ الماء           ..      من حرٍّ شديدٍ مفجعٍ

وفُرضت عليه الإقامة الجبرية عام 1971، واعتقلت زوجته، كما اعتقل الاحتلال أبناءه الخمسة لسنوات طويلة في سجون الاحتلال.. واعتقلته مع بعض أبنائه أيضاً الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

مُنع من السفر لتلقي العلاج من مرضه الذي تُوفي بسببه في يوم السبت الواقع في 29 أيار (مايو) 2004، وشيّع في جامعة النجاح ثم انتقل الموكب إلى قريته عنبتا، متخطياً الحواجز الإسرائيلية وقتها، ثم وُوري في ثرى مقبرة البلدة.

شعرُهُ

أَحبَّ الشعر منذ صغره، وبدأ ينظمه في خمسينيات القرن الماضي، ويلقيه في المناسبات الوطنية والدينية، محدداً هدفه من هذا الشعر، ليكون في خدمة العقيدة والوطن والإنسان.

نشر بعض قصائده في المجلات الوطنية والإسلامية في أواخر الخمسينيات. وكان لوطنه فلسطين الحصة الأكبر من شعره، فوصف النكبات التي حلت بشعبها وطريق الخلاص، وحث النفوس على التضحية مشيداً بالشباب الفلسطيني الذي وقف يقاوم من أجل بلاده وحريتها.

مؤلفاته

ألّف صبحة عدداً من الكتب المهمة والعملية في التاريخ الإسلامي، بدءاً من رسالة الماجستير بعنوان "الواقع التاريخي للقضاء في صدر الإسلام"، كتاب "مفكرة الأيام الإسلامية" عام 1980، وهي عبارة عن "أجندة" تتضمن كل الأحداث المهمة في التاريخ الإسلامي على مدى أيام السنة الهجرية، كتاب "صفحات من التاريخ الإسلامي"، كتاب "شهداء الصحابة وأعلامهم في فلسطين" (1997)، كتاب "أضواء على الدولة الإسلامية"، ديوان شعر عنوان "جراحات".

وترك عدداً من الكتب المخطوطة الكاملة، وبعضها لم يكمله، وعدداً كبيراً من المحاضرات المنهجية الجامعية والمحاضرات التي ألقاها في المناسبات الدينية والشعبية.

نماذج من شعره

نورٌ في قلب العتمة

الطَّعـمُ الـمـرُّ ألِفْنـــاهُ                 ..           والطَّعـمُ الـحـلـوُ نسـيـنـاهُ
والشّوكُ القـاسـي أَدمـانــا        ..           والصَّخرُ الصُّلْبُ مَضغْنــاهُ
والقفصُ الضـيِّقُ مأوانـا            ..           والـوقتُ الصَّعبُ قضـيـنـاهُ
والظّلـمةُ صــارتْ دائمةً             ..           والنّورُ نسِيـنـا أسْنـاهُ
لـولا القــرآنُ نرتِّلُهُ                      ..            آنًا أو نسمعُ معـناهُ
أو نقـرأُ وِرْداً فـي غَسَقٍ            ..            لفقـدْنـا الـدّربَ وتُهـنـاهُ


وقد افتتح شاعرنا ديوان "جراحات" بإهدائه إلى "سرب النسور"، وهي افتتاحية تدل على مدى التزام شاعرنا بقضيته الوطنية وهويته الفلسطينية:

أقدّمُ شعري لسرب النسور    ..            وقد فرّقتْه اليدُ الغادرة
فَنِسرٌ يعيشُ بقيدِ الحديدِ       ..             يقاومُ حقدَ القوى الفاجرة
ونِسرٌ يطاردُهُ الظالمونَ         ..             وتقتصُّ منه القوى الماكرة
وآخرُ باقٍ بنفس المحيط       ..             يرى البغيَ والقهرَ والهاجرة
وباقي النسورِ وراءَ الحدود   ِ..             بعيدونَ عن مركزِ الدائرة
وأمُّ النسورِ تطوفُ عليهم    ..            وتمنحُ أنفاسها الطاهرة
أقدّمها من صميم الفؤاد   ..            ومن خفقة القلب والآصرة


أما قصيدته "حنين للقدس" فتستحق أن نسميها "نهج البردة المقدسية"، ويقول في مطلعها:

يُتاحُ للناس من غرب ومن عجمِ       ..       أن ينزلوا القدس في صُبحٍ في ظُلمٍ
يدنسون ثراها في تهتُّكهم              ..        بلا رقيبٍ على الأخلاق والشيمِ
ويعبثون بمبناها وصورتها            ..       ويفسدون جمال الشكل بالورمِ
أما المحبون للأقصى وحرمته        ..        والعاشقون لأرض القدس والحرمِ
والقارئون كتاب الله من سورٍ         ..       كآل عمران والإسراء والقلم
والمؤمنون بمن شدَّ الرحال له        ..       من أرض مكةَ في ليلٍ من الحرمِ
والباذلون سخِياً من دمائهمُ           ..        والحافظون لعهد الله والقيم
فدون رغبتهم خرط القتاد أذىً      ..          ودون بُغيَتِهم عمرٌ من الألمِ