قضايا وآراء

سجون العراق والأمم المتّحدة والعنف والديمقراطيّة!

1300x600
استحدِثت السجون من قبل الدول الظالمة والعادلة منذ مئات السنوات، لتكون المكان الحاجِز والحاجِر والمُصْلِح لكلّ مَنْ لا يَستقيم سلوكه الإنسانيّ مع سلامة المجتمع والناس والكون!

وتُنفق الحكومات الناجحة ملايين الدولارات على السجون لتكون أماكن جزائيّة وتأديبيّة وإصلاحيّة للمجرمين والمخطئين، وليست مجرّد دهاليز تعيسة تتخذها الحكومات الفاشلة للانتقام والتسلّط وتخريب الأفكار والأجسام لمعارضيها!

وهنالك في العراق منذ العام 2003 جُملة من المُفردات السياسيّة والإنسانيّة التي لا وجود لها إلا في التقارير والأوراق التي سُوّدت بها، ومنها الديمقراطيّة والحرّيّة وحقوق الإنسان وغيرها من المصطلحات "الورديّة" التي أُفرغت من محتواها؛ وصارت مُجرّد شواهد شاخصة في مقابر إنسانيّة مليئة بالأحياء وربّما بعضهم في عِداد الأموات!

واستَخْدَمت القوى الداخليّة والخارجيّة تلك المفردات لتكون أسلحة مُخدّرة أو قاتلة للشعوب المَغْلُوبة، وهي أيضا أدوات مليئة بالرعب والعنف تُمارس ضدّ الدول التي لا تنبطح للسياسات التوسّعيّة والتخريبيّة!
جُملة من المُفردات السياسيّة والإنسانيّة التي لا وجود لها إلا في التقارير والأوراق التي سُوّدت بها، ومنها الديمقراطيّة والحرّيّة وحقوق الإنسان وغيرها من المصطلحات "الورديّة" التي أُفرغت من محتواها؛ وصارت مُجرّد شواهد شاخصة في مقابر إنسانيّة مليئة بالأحياء وربّما بعضهم في عِداد الأموات!

ومع احتفال العالم باليوم العالميّ للا عنف في الثاني من تشرين الأوّل/ أكتوبر (ذكرى ميلاد الزعيم الهنديّ المهاتما غاندي قائد المعارضة اللا عنفيّة الحديثة)، يجدر بنا ذكر بعض المشاهد العنفيّة التي وقعت للعراقيّين المعارضين للتواجد الأجنبيّ وثمرته غير المُستساغة (العمليّة السياسيّة)!

والمقاومة اللا عنفيّة (ومنها المظاهرات والعِصيان المدنيّ) وسيلة سلميّة وهادئة، وربّما مدروسة لبيان الرفض والاستنكار والخنوع لحالة سلبيّة قائمة في مكان ما، وتسعى لتحقيق تغيير اجتماعيّ وسياسيّ للمضطهدين.

ويُمكن نشر رسالة اللا عنف النبيلة عن طريق التعليم والتوعية الجماهيريّة عبر وسائل الإعلام الرسميّ والشعبيّ، وبيان أهمّيّة التسامح والتفاهم والأدوات اللا عنفيّة في البناء والإصلاح!

والعراقيّون بعد العام 2003 وجدوا أنفسهم أمام ضغوطات قاتلة استخدمت فيها كافّة الأساليب البربريّة الهادفة لمحو حياتهم وإنسانيّتهم وهويّتهم، ولذلك أجبرتهم تلك الظروف المريرة على الكفاح لتغييرها والتأسيس لمرحلة أفضل وأنضج، وقد استخدموا، منذ سنوات، الأساليب اللا عنفيّة في عشرات المظاهرات الحيويّة، وآخرها مظاهرات بغداد والناصرية وغيرهما بداية تشرين الأوّل/ أكتوبر الحاليّ، للمطالبة بحقوقهم الإنسانيّة البسيطة.

وسارت المظاهرات الأخيرة بطريقة سلميّة، ولاحظنا أنّ المتظاهريّن في ساحة النسور ببغداد عزفوا السلام الوطنيّ، ورفعوا لافتات أمام حواجز الجيش كُتِبَ عليها: "أخي لا تَقْتُلني"!
العراقيّون بعد العام 2003 وجدوا أنفسهم أمام ضغوطات قاتلة استخدمت فيها كافّة الأساليب البربريّة الهادفة لمحو حياتهم وإنسانيّتهم وهويّتهم، ولذلك أجبرتهم تلك الظروف المريرة على الكفاح لتغييرها والتأسيس لمرحلة أفضل وأنضج، وقد استخدموا، منذ سنوات، الأساليب اللا عنفيّة في عشرات المظاهرات الحيويّة

وتأتي مظاهرات تشرين الأخيرة للتذكير بمظاهرات العام 2019، والتي قتل خلالها المئات من شباب العراق السلميّين، وجرح الآلاف خلال حكم رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، الذي لم يُحاسب على جرائم القتل قيد أنملة!

وسياسات العنف (السرّيّة والعلنيّة والرسميّة) في العراق كانت باهظة الثمن، ورغم أنّ العراق قد انضمّ في تمّوز/ يوليو 2011 لاتّفاقيّة مناهضة التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسيّة أو المُهينة لعام 1984، إلا أنّ السجون مليئة بآلاف البائسين والمظلومين الذين تتجاهلهم غالبيّة التقارير المحلّيّة والدوليّة والإعلاميّة!

وبعد عقدين من الغزو والعمليّة السياسيّة نجد أنّ ظروف السجناء غير الإنسانيّة قد تعزّزت في العراق اليوم، رغم كلّ ما يُقال عن تغيّر ظروف السجون والمعتقلات، حيث تستمرّ الإهانات والتعذيب داخل السجون الرسميّة وخارجها!

وقبل ثلاثة أيّام حدّثني صديق اعتقل لشهرين في محافظة قريبة من بغداد، وأكّد أنّ المعتقلين تلقّوا أنواع التعذيب والإهانات النفسيّة والفكريّة والجسديّة، وأنّ الهواتف الخلويّة (الرخيصة) تُباع بألف دولار للسجناء، ثمّ بعد أيّام تتمّ مصادرتها ضمن حملات التفتيش ويُعاد بيعها ثانية، فيما الدقيقة الواحدة لاتصال السجين بذويه تُكلِّف أربعة دولارات!

وأكّد بأنّ المُحقّقين يُهدّدون المعتقل بجلب نساء عائلته إن لم يَعترف، وقد أضطرّ بعضهم، حفاظا على شرفهم، أن يَعْترفوا بجرائم لم يرتكبوها، وأنّ محكمة المدينة فيها أحد أقسى قضاة العراق، وهو لا يعرف الرحمة، ويطبّق أشدّ العقوبات بكراهية وانتقام وألفاظ سوقيّة!
سياسات العنف (السرّيّة والعلنيّة والرسميّة) في العراق كانت باهظة الثمن، ورغم أنّ العراق قد انضمّ في تمّوز/ يوليو 2011 لاتّفاقيّة مناهضة التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسيّة أو المُهينة لعام 1984، إلا أنّ السجون مليئة بآلاف البائسين والمظلومين الذين تتجاهلهم غالبيّة التقارير المحلّيّة والدوليّة والإعلاميّة!

فكيف يُمكن أن تكون هذه دوائر عدليّة وإصلاحيّة؟

هذه الصور المليئة بالظلم القضائيّ والفساد الإداريّ تُعتبر من عوامل تغذية الغضب الجماهيريّ المُتجدّد، وآخرها يوم الاثنين الماضيّ بمدينة الناصريّة الجنوبيّة حيث أحرق عشرات الناقمين البنايات التابعة لمبنى المحافظة.

هذه الفوضى العدليّة والإداريّة والشعبيّة تأتي مع تأكيد معهد "تشاثام هاوس" (Chatham House) البريطانيّ السبت الماضي، أنّ الفساد أهدر 550 مليار دولار من خزينة العراق بين عامي 2006 و2014، (مرحلة حكم نوري المالكي)، وأنّ العراق بلا مياه نظيفة، ومعظم الأدوية بلا صلاحيّة بسبب الفساد!

وكذلك مع شهادة ممثّلة الأمين العامّ للأمم المتّحدة في العراق، جينين بلاسخارت، في إحاطتها أمام الجمعيّة العامّة الثلاثاء الماضي، بأنّ "العراقيّين فقدوا الثقة بقادة البلاد، وأنّ "حمام الدم ما زال قائماً، وخيبة أمل الشعب قد وصلت عنان السماء، وفقد العديد من العراقيّين الثقة بقدرة الطبقة السياسيّة على العمل لصالح البلد وشعبه"، وأنّ "استمرار فقدان الثقة سيؤدّي إلى تفاقم مشاكل العراق"!

ولا ندري هل إحاطة بلا سخارت المهمّة والصريحة تُعدّ البداية لعودة العراق للفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة!

لقد أكّدت التجارب الإنسانيّة أنّ العدل والمساواة من أهمّ أدوات إدارة البلدان بنجاح وهدوء وسلميّة، وأنّ القبضة الحديديّة القاتلة لوحدها لا يُمكنها أن تَحكُم البلاد وإن كانت مليئة بالدم والإرهاب والعنف!

twitter.com/dr_jasemj67