قضايا وآراء

حوار مع الإمام حسن البنا على وقع أزمة الإخوان

1300x600

وصرخ البنا في قبره، في غفلة من النوم، وكأنني أقف على قبر الإمام حسن البنا، وكأنني أحدثه ويحدثني.

سألني الإمام: كيف حال الإخوان؟ سكت فترة ليست بالقليلة، ثم نظرت إلى السماء قائلا: يا إمام، الله أعلم بحالهم.

قال الإمام: وكأنك لا تريد أن تخبرني!

قلت: يا إمام وضعت لنا رسائل لو درسناها بحق وطبقناها ما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.

قال الإمام: إلى أين وصلتم؟

قلت: يا إمام كنا نسير نحو بناء الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، وشاءت الظروف أن نندفع نحو حكم الدولة من دون إعداد مكتمل ولا تهيئة جيدة فكان ما كان، ثم اختلفنا وأصبحنا جماعتين باسم الإخوان وكل له كوادره وهيكله، ثم عندما حاولنا التغيير إلى الأفضل وتحريك الماء الراكد اتجهنا نحو الموجة الثانية من الانقسام لنصير ثلاثة بعدما كنا اثنين.. وكل يدعي أنه الإخوان، وأن منهجه هو ما أسسته فضيلتك، ولا تفاهم ولا حوار بينهم.

قال الإمام: وكيف وصلتم إلى ذلك؟ ألم أقل لكم: "أيها الإخوان إني لا أخشى عليكم الدنيا مجتمعة فأنتم بإذن الله أقوى منها، ولكني أخشى عليكم أمرين اثنين: أخشى عليكم أن تنسوا الله فيكلكم إلى أنفسكم، أو أن تنسوا إخوتكم فيصير بأسكم بينكم شديد".

قلت: يا إمام أما أن ننسى الله فاطمئن.. كلنا نهتف بأعلى صوتنا: الله غايتنا في جميع المناسبات نقولها، ومنا من غايته من الدعوة مصلحة خاصة، ومنا مَن يتمسك بمنصب ولا يريد أن يفارقه مدعيا الحفاظ على الدعوة رغم الفشل وعدم الأهلية، ومنا مَن تولى مسؤولية ولا يقرب منه ولا يزكي إلا من يسمع كلامه ولا يخالفه حتى لو أخطأ، فإن خالفه وكان له رأي آخر أو نصيحة تركه جانبا مع أفكاره وآرائه حتى لو كانت فيها مصلحة الدعوة.

نقول الله غايتنا ومنا مَن يرفض أي رأي أو فكرة أو حتى نقد أو مراجعة، تحت مسمى الحفاظ على ثوابت الدعوة، فصار حالنا في جمود وتأخر، وفر أصحاب الأفكار والآراء وحتى المبدعون عن دعوتنا بعد أن أيقنوا أن أصحاب قيود التنظيم لن يسمحوا لهم بحرية الابتكار والتجديد.

سمعت صوت حشرجة بكاء الإمام.

فقلت: وأما عن أخوّتنا فاختلطت فيها المفاهيم، فالأخوّة صارت مع أهل الثقة الذين لا يخالفون ولا ينقدون ولا حتى عن آرائهم يدافعون طالما أن القيادة تريد ذلك حتى وإن جانبها الصواب، ومَن خالف ذلك وخرج ناصحا ومحذرا.. فالتحذير منه أصبح واجبا، والابتعاد عنه صار مطلبا، وتعميم ذلك إلى الصف أصبح مطلبا.

وهنا سمعت صوت نحيب وبكاء الإمام وقال: أين لوائح ضبط أمور الجماعة؟

قلت: يا إمام اللوائح موجودة ولكن لا يعلم بخباياها وتفسيراتها إلا القادة، أما عموم الصف فعلمهم باللوائح كعلمهم بعلم الفلك.

وقد كنت أجلس يا إمام الأسبوع الماضي مع مجموعة من الإخوان أقلهم مضت عليه في الإخوان أربعون عاما، وكلهم إخوان عاملون، وسألت كلا منهم: هل اطلعت على اللائحة التي يتحدثون عنها ودرست ما فيها وعلمت ما لك وما عليك؟

فكان جواب الجميع أنهم لا يعلمون عن اللائحة أي شيء!

فقلت لهم كيف تقبلون أن تكونوا في جماعة كل هذه السنين ولا تعرفون نظامها ولوائحها؟ فنظروا إلي نظرة تعجب عن هذا السؤال وكأنهم يقولون: ألا يكفي ركن الثقة عن كل ذلك؟!

قال الإمام: إلى هذه الحالة وصلنا.. أين المخلصون؟ أين أستاذية العالم؟

قلت: يا إمام لا ننكر وجود المخلصين، ولكنهم إما صامتون أو أن إخلاصهم امتزج بالفهم الذي يريده المسؤولون، وقد علمتنا يا إمام أن الفهم يسبق الإخلاص.

وأما عن أستاذية العالم.. وهنا سكتُ ولم أستطع الحديث.

ولما طال السكوت قلت: يا إمام ألا تنصحنا؟

بكى الإمام وقال: عودوا إلى الله وعودوا إلى إخوتكم، أما ما أنتم عليه الآن فبلغ عني: ما على هذا أردت أن يكون الإخوان.. ما على هذا أردت أن يكون الإخوان.

ثم استيقظت من غفلة نومي وصوت الإمام يصرخ في أذني: ما على هذا أردت أن يكون الإخوان.