قضايا وآراء

بعد حراك سبتمبر.. مصر إلى أين؟

1300x600
بعد عام من الدعوة الأولى للنزول من المقاول والفنان المصري محمد علي في 20 أيلول/ سبتمبر 2019، عاد مرة أخرى للدعوة للنزول في 20 أيلول/ سبتمبر 2020، ولكن الحال في مصر في 2020 ليس هو الحال في مصر 2019، ففي مصر 2020 حالة الغضب والاحتقان وعدم الرضا في الشارع المصري تعتبر غير مسبوقة.

فهدم البيوت وتوقف أعمال وتراخيص البناء، وهو القطاع الذي يعمل به نسبة كبيرة جدا من العمال الذين يعيشون بأجر اليومية، فضلا عن تداعيات كورونا والأثر السلبي على توقف وتراجع أرزاق الكثير من أبناء الشعب المصري مع إحساس المواطن المصري بأن النظام غير مهتم بأحوالهم، بل ويعاند، كل هذا جعل الكثيرين في حالة غير مسبوقة من الغليان.

فكانت الأرض خصبة للتعبير عن حالة عدم الرضا والغضب، وكانت دعوة محمد علي للنزول هي أداة التنفيس التي كان ينتظرها كل من تم هدم بيته أو التعدي على قوت يومه. فالتفاعل مع دعوة محمد علي ليست من وجهة نظري تجاوبا مع شخص محمد علي وقناعاته، ولكنها كانت تعبيرا عن الغضب مما وصل إليه حال المواطن المقهور.

ولم يكن محمد علي موفقا سياسيا عندما دعا الناس للنزول في ميدان التحرير، ولم يتعلم من دعوته للنزول في 25 كانون الثاني/ يناير. فتجاوب وتفاعل المقهورين جعله يشعر أن الناس في انتظار أوامره، مع أن الناس كان يعنيهم في المقام الأول أحوال المعيشة، وليست أحوال الحكم والسياسة.

لذلك، تعلم النظام من درس عدم تجاوب مبارك قبل 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وسارع بالتراجع عن أعمال الهدم، ومد فترة التصالح مع تقليل رسوم التصالح، وتقديم مساعدات مالية لبعض المتضررين، بل وتراجعت لهجة خطاب التحدي إلى خطاب أكثر نعومة وليونة، فكان أثر ذلك مباشرة هو بعض الهدوء وتراجع الحراك بدرجة واضحة.

والآن ماذا بعد؟ ومصر إلى أين؟

نستطيع القول إن الأمور ستكون من بين هذه السيناريوهات المتوقعة:

السيناريو الأول: تفادي الأزمة وتهدئة الشارع لكن مع طحن المعارضة. في هذا السيناريو سيحاول النظام أن يروج للتفريق بين من تأذى من المواطنين وبين من يعارض النظام، وعلى رأسهم طبعا جماعة الإخوان ومحمد علي وغيرهم ممن يعترضون على سياسة النظام من شتى التوجهات. وهنا سيسلك النظام سياسة احتواء طلبات الشارع الخاصة بالأمور الحياتية، وفي نفس الوقت مضاعفة الضغط بشدة وطحن الإخوان والمعارضة.

ولعل هذا يفسر الإسراع الآن بتنفيذ أحكام الإعدام، وستتصاعد هذه السياسة، أي تهدئة في اتجاه وضغط بشدة في الاتجاه الآخر. وهذا السيناريو سيكون من تداعياته التراجع في الحراك مع بقاء حالة الغضب المكبوتة تحت السيطرة. وهذا السيناريو يعني طول مدة الصراع بين النظام والمعارضة.

السيناريو الثاني يعتمد على تكرار مصائب النظام في مصر. فكما صدمنا النظام بمسألة هدم المنازل وإيقاف أعمال وتراخيص البناء وفرض رسوم تصالح باهظة، كانت هذه التصرفات التي تعكس غياب العقل السياسي والقدرة على الإحساس بردود الفعل.

هذا النظام قد يصدمنا مرة أخرى بمثل هذه الكوارث وحينها قد لا ينتظر الناس دعوة من محمد علي أو غيره، ولكن ستتحرك الجماهير بذاتية؛ ليس من أجل أهداف ثورية أو سياسية، ولكن من أجل المعيشة ولقمة العيش. وهذا السيناريو قد يكون هو الأقرب إلى الفوضى التي قد تطيح بالنظام، وهنا سيكون السيناريو السوداني هو الأقرب كحل مطروح، فيكون للجيش دور مؤثر فيه.

السيناريو الثالث: تغيير مفاجئ وغياب رأس النظام بأحداث قدرية ليس لأحد دور فيها، مثل المرض أو الموت. وهنا سيأتي نظام جديد لن يختلف كثيرا، ولكنه بلا شك سيحاول حلحلة الموقف وإحداث حالة من الحريات المحسوبة، وعنده ستكون الحالة أشبه إلى حد كبير بحالة مبارك في الحكم.

ووفقا لهذه السيناريوهات هناك بعض الاستنتاجات الهامة:

أولا: ليس للمعارضة دور قوى ومؤثر على الشارع، وكذلك الشارع لا يعول كثيرا على هذه الكيانات الصورية المتعددة باستثناء الحالة الإعلامية لقناتي الشرق ومكملين.

ثانيا: على المعارضة أن تقدر وزنها الحقيقي بدقة، وأن تراجع مخزون أفكارها، وأن تعمل على تطوير ذاتها وقدرتها على القيام بدورها، وإبراز قيادة واعية ومدركة ومقبولة، والتواضع وعدم التكبر مع دراسة الحالة الجيوسياسية في المنطقة، وأثر حلف التطبيع وتوسعاته على المشهد والقرار المصري، فكل ذلك له تأثير هام ومباشر على المعادلة المصرية.

ثالثا: أهم من تكوين كيانات جديدة للمعارضة هو تحديد الرؤية والتوجهات وفق قراءة جيدة للواقع، مع إحداث حالة من التغيير في الخطاب، والقيام بعمل حوارات متعددة يُستمع فيها لأصحاب التصورات والأفكار وخاصة من الشباب، كل ذلك قبل صياغة رؤية جامعة أو تشكيل كيان جديد.

ويتبقى سؤال أخير: هل تمتلك المعارضة، كيانات وأفرادا، الإرادة والوعي والقدرة على تفعيل ما ذكرناه؟.. نتمنى ذلك ولن نيأس.