حقوق وحريات

وفاة مجند بالجيش المصري تفتح ملف الانتهاكات للمجندين‎

توفي أحمد سمير إثر تعرضه لضرب مبرح بعد دخوله مركز التدريب بنصف ساعة فقط
سلط خبر وفاة مجند داخل مركز تدريب تابع لوزارة الداخلية المصرية، أثناء أدائه الخدمة العسكرية، الضوء على معاناة المجندين، التي تصل إلى درجة القتل أو الانتحار؛ بسبب المعاملة المهينة والقاسية من قبل ضباط المركز أو الوحدة العسكرية.

وتوفي المجند الشاب، أحمد سمير (23 عاما)، حاصل على بكالوريوس الفنون التطبيقية بتقدير جيدا جدا مع مرتبة الشرف، إثر تعرضه لضرب مبرح بعد دخوله مركز التدريب بنصف ساعة فقط، سبب له نزيفا داخليا، ومع ذلك تم حبسه لمدة ثمانية أيام، ومنحه علاجات خاطئة أصابته بفشل كلوي وارتفاع في السكر وضغط دم.

في شهادة نادرة، أشارت والدته، سماح سالم، في منشور لها على منصة التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إلى أن مركز التدريب لم يبلغهم بما جرى مع نجلهم إلا وهو في النزع الأخير، محمولا على الأيدي، فاقدا للوعي، وأنها أثبتت كل ذلك في تقارير طبية، وقالت إنها تحتسبه "شهيدا".




موت في الخدمة


في نيسان/ أبريل 2016، نشرت شبكة "بي بي سي" الإخبارية تحقيقا مطولا بعنوان "موت في الخدمة" استمر عامين، توصلت فيه إلى أدلة قوية على تعرّض مجندين في قوى الأمن المركزي المصرية لسوء المعاملة، وربما للقتل على يد ضباطهم.

وأشار التقرير إلى أن عدة حوادث بارزة وقعت في مصر مؤخرا، سَلطت الضوء على المعاملة القاسية التي يلاقيها الناشطون والمعارضون للحكومة والسلطة في البلاد، لكن الحديث عن معاملة الحكومة للمجندين الذين يعملون لصالحها، في صفوف قواتها، حديث شبه معدوم.

وتابع التقرير: "من أهم أسباب ذلك أن تلك المخالفات والجرائم ترتكب داخل معسكرات تدريب عسكرية بعيدة عن أعين العامة. سبب آخر قد يكمن أيضا في أن الضحايا هم دائما أبناء أفقر طبقات المجتمع المصري وأقلها حظا".

يقول مختصون ومعنيون بالشأن العسكري لـ"عربي21"، إن ما يجري مع المجندين بصفة عامة أشبه بالصندوق الأسود في حياتهم، الذي يريد البعض التخلص منه ومن ذكرياته للأبد، ولا يجرؤ أحدهم أو أسرته على الشكوى.

لكن هناك جوانب أخرى أقل ظلمة من القتل أو الانتحار، وهي "السخرية"، التي ظلت لعقود طويلة داخل وحدات الجيش، أو في الأماكن المغلقة، لكن مع تولي رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي السلطة انتشرت صور مجندين إلى جوار "أقفاص" لبيع الخضروات، وبات الأمر معتادا بمرور الوقت.

إعلاء العسكرية وإهدار الآدمية


علق عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب السابق، أسامة سليمان، بالقول: "بالمقارنة مع جيوش عالمية أخرى مصنفة عالميا، يتبين لنا مدى الفارق بين تعامل الجانبين مع جنودهما، يتبين لنا كم الاستعباد الموجود في الحياة العسكرية المصرية، وكيف أن كرامة المواطن المصري وحريته تُهدر أثناء تأدية الخدمة العسكرية كواجب وطني يقتضيه أن يدفعه أي إنسان ينتمي لهذا الوطن". 

وأكد لـ"عربي21" قائلا: "المجند المصري لا يمارس دوره في تعلم العسكرية والجندية، وإذا سألت أي مواطن خدم في الجيش، وسألته ماذا تعلم، فلن تجد النسبة تتجاوز الآحاد من مئة، في المقابل تجده تعلم الكثير من السلبيات من الجيش وعن الجيش، وكوّن فكرة سيئة خلال فترة التجنيد".

وأرجع تغاضي الأسر المصرية عن الانتهاكات التي يتعرض لها أبناؤهم إلى أنها "لا حول ولا قوة لها، وأنه لا بد من الحصول على شهادة أداء الخدمة العسكرية، لذلك تتغاضى عن انتهاكات كثيرة تمارسها القوات المسلحة أو الشرطة بحق المجندين"، مشيرا إلى أنه "بموت المجند يتم طمس أدلة أسباب الوفاة؛ لغياب العدالة، فمن يدينهم وبيدهم كل الدفاتر؟!".

وكشف سليمان أنه "يستثنى من تلك المعاملة أبناء كبار المسؤولين والعائلات، وكنت شاهدا كضابط في الجيش على واقعة تجنيد أحد أبناء مبارك، الذي لم يلتحق بالتدريب ليوم واحد، ولم يحمل "مخلة" الجندي لحظة واحدة، كان يكتب اسمه ضمن أسماء الحضور، مثله مثل آخرين كانوا مسجلين بالاسم فقط، لم أرهم قط ، فكرة الاستثناء ظلم فادح، وتنزع الانتماء".

التجنيد لمآرب أخرى

بدوره، قال الباحث في الشؤون العسكرية، محمود جمال، إن "التجنيد في مصر إجباري وليس اختياريا، يبدأ من سن الـ18، حسب التحصيل العلمي، وأي مجند كما في النظم العسكرية والقمعية يبدأ انضمامه بالالتحاق بمركز للتدريب (45) يوما قبل توزيعه على وحدات الجيش الأخرى، يرى فيهم أصناف الإهانة؛ بهدف كسر كرامته؛ بدعوى فصله من حياة المدنية". 

وأضح في حديثه لـ"عربي21": "خلال تلك الفترة، يكون التركيز على أمرين؛ أولهما الإهانة وإهدار الكرامة، خاصة مع ذوي الشهادات من قبل الصولات وضباط الصف، ثانيهما الطعام، فيقدمون لهم طعاما لا يصلح للآدميين، وكأنهم بذلك يعلمونهم الحياة العسكرية".

وأشار إلى أن "الجيش المصري يتمتع بتسليح جيد، لكن التدريب دون المستوى، والمفارقة أن التدريبات العسكرية للجيش بعد 2013 مع الدول الأخرى لا تشارك فيها الجيوش الرئيسية، بل القوات التي أنشأها السيسي لمكافحة الإرهاب، مثل 777 و888 و999، وهي حركات غير نظامية مسلحة".

وأكد جمال أن "الجيش بعد الانقلاب بات يستقبل كل المتقدمين في سن التجنيد، على الرغم من أنه لا يحتاج سوى 50 بالمئة من المتقدمين من أصل نحو 480 ألف متقدم يحتاجهم بالفعل في المناطق العسكرية، ويتم استغلال الباقي في البيع والخدمة في مشروعات الجيش المختلفة".