بورتريه

رجل "سيئ السمعة" قد يضع دولا خليجية بمرمى النيران (بورتريه)

جورج نادر - عربي21

يلف الغموض شخصيته فهو بلا أجندة سياسية أو أيديولوجية واضحة. 

يراه البعض مجرد باحث عن فرص لجمع المال عن طريق شبكة العلاقات التي أقامها في الشرق الأوسط والولايات المتحدة.

ناشط ضمن جماعات الضغط (اللوبيات)، ومجرم جنس مع الأطفال مُدان قضائيا. 

يعمل كحلقة اتصال غير رسمية بين نخب و"لوبيات" واشنطن ومسؤولي الشرق الأوسط وبعض دول الخليج العربي.

بارع في الاختباء والتخفي، واستطاع أن يبعد نفسه عن دائرة الحدث طوال سنوات، وكأنه يرتدي "طاقية الإخفاء" لكن المحقق روبرت مولر، وبشكل مفاجئ وضعه على مسرح الأحداث رغما عنه في التحقيق الذي أجراه حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016.

جورج نادر، المولود في عام 1959 في لبنان، انتقل إلى الولايات المتحدة وهو في سن المراهقة، وانضم إلى جامعة "ولاية كليفلاند" لكنه فشل في الاستمرار فترك الجامعة في عام 1980 ليتجه بعدها نحو قطاع الإعلام.

ركز نادر جهوده الإعلامية على شؤون الشرق الأوسط، فاستقطبت أخباره النخبة الأمريكية بعد أن أطلق عام 1981 دورية إعلامية حملت اسم "Middle East Insight"، التي أصبحت ذات وزن كبير عند صناع القرار في الولايات المتحدة والشرق الأوسط، ففيها نشرت مقابلات مع كبار قادة الشرق الأوسط آنذاك من وزن: الملك الحسين بن طلال، وياسر عرفات، وإسحاق رابين، ومعمر القذافي، وحسني مبارك، والوليد بن طلال، وتوقفت الدورية عن الصدور في عام 2002.

 

اقرأ أيضاتحقيق موقع AP عن صفقات نادر وبرويدي مع الرياض وأبو ظبي

على هامش صفته الإعلامية، كان يلعب دورا خفيا كوسيط ومفاوض حين ساعد إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في عملية تحرير الرهائن الأمريكيين في لبنان بعد قضية "إيران- كونترا"، لكنه فشل أثناء إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في التوسط في اتفاق "سلام" إسرائيلي سوري. 

قضى بعدها معظم وقته في الشرق الأوسط، وخاصة في العراق بعد غزو الولايات المتحدة الأمريكية للبلاد عام 2003، ومنذ ذلك الحين، تطوع نادر ليكون "دبلوماسي الظل" و"همزة الوصل" بين النخب و"اللوبيات" الأمريكية ومسؤولي الشرق الأوسط، ونتيجة لدوره الجديد قام مؤسس شركة "بلاكووتر" الأمنية بتوظيفه للمساعدة في التعاقد مع الحكومة العراقية.

في مسيرته الوظيفية وسيرته الذاتية ثمة ملفان صبغا حياته وكانا على تماس وتقاطع معا، أولهما قيامه بلعب دور الوسيط في الشرق الأوسط وما نتح عنه من استجوبه من قبل فريق المحقق روبرت مولر حول حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتخابية عام 2016. أما الملف الثاني، فكان ضبط أفلام وتسجيلات جنسية تتعلق بأطفال على هاتفه الشخصي.

أثناء حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التقى نادر مع دونالد ترامب الابن في برج ترامب لتقديم المساعدة لحملة والده الرئاسية، وفي تلك الفترة عمل نادر كمبعوث ومستشار معلن يمثل ولي عهد إمارة أبوظبي. 

ومن خلال العمل مع جامع التبرعات "الجمهوري" وأحد أبرز جامعي التبرعات لصالح ترامب، إليوت بروني، قام نادر بتمويل مؤتمر استضافته مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" انتقد من خلاله دولة قطر، وفي ذلك الوقت، كان نادروبروني يدفعان البيت الأبيض لإقالة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون الذي أقيل فيما بعد وحل مكانه مايك بومبيو. 

ووفقا لصحيفة "واشنطن بوست"، فإن نادر تردد كثيرا على البيت الأبيض والتقى بستيفن بانون، وجاريد كوشنر، ومستشار الأمن القومي الأمريكي السابق مايكل فلين، وبحث معهم السياسة الأمريكية تجاه دول الخليج قبل سفر ترامب إلى المملكة العربية السعودية والتي أعلن بعد انتهاء زيارة ترامب عن قطع ثلاث دول خليجية ومصر علاقاتها مع قطر.

وأشارت تقارير صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن مسؤولين خليجيين رتبوا اجتماعا بين مؤسس شركة "بلاك ووتر" وشخصية روسية بهدف فتح خطوط اتصال غير رسمية بين ترامب وروسيا، لكن مؤسس "بلاك ووتر" نفى ذلك في شهادته أمام "الكونغرس" الأمريكي.

 

وأضافت الصحيفة أن التحقيقات تجاوزت التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لتشمل نفوذ دول خليجية لدى إدارة ترامب، مشيرة إلى أن التركيز على نادر يستهدف التحقيق في كيفية تأثير المال القادم من دول عديدة على واشنطن في عهد ترامب.

 

اقرأ أيضاNYT: هكذا عمل نادر للتأثير على ترامب لصالح الرياض وأبو ظبي

وكان الادعاء الخاص بتحقيقات مولر قدم شكوى جنائية سرية ضد نادر في كانون الثاني/ يناير العام الماضي طبقا لوزارة العدل، تم بموجبها لاحقا تفتيش مقتنيات خاصة به، في مطار دالاس في فرجينيا إثر عودته من دولة الإمارات.

وأسفرت عملية التفتيش عن الاستيلاء على أجهزة إلكترونية، تلاها صدور أمر اعتقال بحق نادر في نيسان/ أبريل العام الماضي، لكنه لم ينفذ حينها، حرصا على سرية التحقيقات ولمنعه من الفرار أو العبث بالأدلة، حسب سجلات المحكمة.

وجهت إلى نادر عدة تهم بارتكاب جرائم تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال، وأُدين بالعديد منها. ففي عام 1985، تم إسقاط تهمة استلام مجلات وفيديوهات من هولندا تظهر أولادا أصغر من سن الرشد وهم يمارسون أعمالا جنسية، وذلك بسبب خلل في إجراءات التفتيش.

كما حكمت عليه محكمة اتحادية في فرجينيا عام 1991 بالسجن لمدة ستة أشهر بتهمة ارتكاب جناية تتمثل في نقل أشرطة فيديو إباحية لأولاد تبلغ أعمارهم قرابة 13 أو 14 عاما، لكن القضية وضعت تحت السرية "بسبب الطبيعة الحساسة للغاية لعمله في الشرق الأوسط". بحسب الإدعاء العام الأمريكي.

لكن نادر ما لبث أن أدين في عام 2003، في العاصمة التشيكية براغ بتهمة الاعتداء الجنسي على 10 أطفال وقضى عاما في السجن، وقال متحدث باسم المحكمة للصحافة وقتها إن الجرائم وقعت بين عامي 1999 و2002. 

وقبل أيام، أمرت محكمة فدرالية في نيويورك بترحيله إلى محكمة فدرالية في فرجينا على خلفية تهم تتعلق بحيازة ونقل مواد إباحية وجنسية للأطفال في هاتفه.

وفي حال إدانته قد تصل عقوبة التهمة الموجهة إليه إلى السجن ما بين 15 و40 عاما، وفقا للقانون الأمريكي.

 

اقرأ أيضارفض الإفراج عن مستشار ابن زايد المتهم بجريمة "جنسية"


السجل الأسود، والمخزي والمدان، لنادر لم يمنعه من مواصلة دوره في مجال العلاقات الدولية لأكثر من أربعة عقود، ولم يمنع قادة عربا من الاجتماع والتعاون مع المتحرش بالأطفال، فقد شغله جمع المال وبناء شبكة علاقات واسعة يقيمها بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة، عن أية قيم أخرى، وكان من علاقاته الفارقة التعاون والاتصال بالإسرائيليين، وفي مقدمتها علاقته باللوبي اليهودي في الولايات المتحدة "آيباك" حين عين المسؤول السابق في "آيباك" جوناثان كيسلر مديرا لتحرير دوريته.

شكل نادر مع برويدي "ثنائيا" خطيرا حقق عدة أهداف من بينها الإطاحة بوزير الخارجية تيلرسون، كما دفعت تحركاتهما ترامب لتبني مواقف صدامية ضد إيران.

فيما ارتكز تحقيق أعدته وكالة "أسوشيتد برس" على دور ملايين الدولارات التي قدمت لبرويدي من دول خليجية ووزعت كتبرعات، وكانت في واقع الأمر عبارة عن رشاوي على أعضاء بـ"الكونغرس" لدراسة تشريع يستهدف "تجريم وإدانة" قطر، وحسب الوكالة فقد حول نادر 2.5 مليون دولار لبرويدي عبر شركة كندية عام 2017، وزع منه نحو 600 ألف على أعضاء "جمهوريين" في "الكونغرس"، ولجان سياسية "جمهورية"، كما تمكن برويدي من رعاية مؤتمر في واشنطن يهدف إلى ربط قطر بـ"الإرهاب".

طوال سنوات، قدم نادر الخدمات لمختلف الأنظمة والجهات التي تدفع المبلغ المطلوب، دون أي اعتبار لأجنداتها، أو ماذا تمثل، وأي القيم تحمل أو تقمع. 

ومن غير الواضح ما هي الأدلة التي قدمها نادر للمحققين أثناء استجوابه من مكتب مولر. ويقول موقع "ديلي بيست"، إن نادر سلم مولر معلومات حول دور قادة خليجيين في مساعدة ترامب للفوز بالانتخابات.

وهل من الممكن، من خلال تقرير مولر، إماطة اللثام عن محاولات دول شرق أوسطية للتأثير على السياسة الأمريكية، وهل من الممكن أن ينشر التقرير بشكل علني وكامل حول روسيا، ليأخذ بعدا دوليا؟ 

إذا، بينما كان جزء من فريق مولر يقوم بتوجيه الاتهامات للعملاء الروس والمكلفين بالتضليل في شبكات التواصل الاجتماعي، كان جزء آخر من الفريق يقضي وقته في التركيز على كيفية سعي دول من الشرق الأوسط لضخ الأموال في الدوائر السياسية في واشنطن، في محاولة للتأثير على السياسات الأمريكية في عهد الرئيس ترامب.

إدانة نادر وسجنه قد تضع دولا خليجية في مرمى نيران "الكونغرس" ووسائل الإعلام الأمريكية فهو وسيط سيء السمعة وتاريخه ملطخ بالبقع الداكنة.

اقرأ أيضاالتسلسل الزمني لفضيحة برويدي ونادر في قضية قطر (تفاعلي)