صحافة دولية

بروكينعز: نهج ترامب بالشرق الأوسط يتجاهل الماضي والمستقبل

بروكينغز: المبادئ التي تقوم عليها مقاربة ترامب تورط الولاياتِ المتحدةَ في مسار خاسر- أ ف ب

نشر موقع “معهد بروكينغز" مقالا للزميل غير المقيم في المعهد شبلي تلحمي، تحت عنوان "نهج ترامب للشرق الأوسط يتجاهل الماضي والمستقبل والظرف الإنساني". 

 

ويقول تلحمي في مقاله، الذي نشر المعهد نسخة منه باللغة العربية، إن جارد كوشنر، صهر الرئيس ترامب وكبير مستشاريه حول الشرق الأوسط، اعترض مؤخرا على الاقتراحات بأن تؤجّل خطة "صفقة القرن" المتوقعة للسلام في الشرق الأوسط؛ بسبب مخاوف من أنها ستولد ميتة على الأرجح. 

 

ويشير الكاتب في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن الإدارة الأمريكية أعلنت عن خطط لإقامة "ورشة عمل اقتصادية" في البحرين؛ لمناقشة "الاستثمارات والمبادرات الاقتصادية المحتملة التي يمكن أن تتيحها اتفاقية السلام"، كجزء من عملية الكشف عن هذه الخطة، لافتا إلى أن الفلسطينيين رفضوا الفكرة على الفور، ووصفوها بأنها محاولة "لتعزيز التطبيع الاقتصادي للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين".

 

ويقول تلحمي إن "تفاصيل خطة ترامب لا تزال سرية، مع أننا نعلم المبادئ المثيرة للقلق، التي قامت عليها".

 

ويعلق الباحث قائلا إنه "بعيدا عن التفاصيل، فإن نهج ترامب لا يبتعد عن القانون الدولي والسياسات الأمريكية المعتمدة منذ زمن فحسب، بل إنه يكرس المسؤولية الأمريكية التاريخية في عملية غير عادلة سترتد في نهاية المطاف عكسا على إسرائيل والفلسطينيين والمصالح الأمريكية، فهو يتجاهل اتفاقيات السلام السابقة وقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، ويرتكز على ثلاثة مبادئ خاطئة: (الحقائق) كما هي على الأرض، والاعتماد على التبريرات الإثنية/ الدينية للسيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلّة، والمحفزات الاقتصادية لتلبية التطلعات السياسية الفلسطينية".

 

ويلفت الكاتب إلى أن "المبدأ الأول يتجاهل دور الولايات المتحدة في خلق هذه الحقائق، أما الثاني فيهمل التداعيات الخطيرة للتعامل مع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بصفته نزاعا إثنيا/ دينيا، عوضاً عن إطار قومي، أما المبدأ الثالث، فهو بعيد البعد كله عن طبيعة الكفاح الفلسطيني وعن الحالة الإنسانية على حد سواء."

 

ويقول تلحمي إنه "دون ضغط القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، فإن (الحقائق) على الأرض تميل لصالح إسرائيل: فما يزال الفلسطينيون دون دولة وتحت الاحتلال، وتسيطر إسرائيل بدرجات متفاوتة على الأراضي الفلسطينية كلها، مع مستوطنات إسرائيلية آخذة في التوسع في الضفة الغربية المحتلة، فيما يحظى الفلسطينيون بقوات أمن ومليشيات مسلحة محدودة، ولدى إسرائيل الجيش الأقوى في المنطقة، وناتجها المحلي الإجمالي يفوق ناتج الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية 23 ضعفا".

 

ويرى الكاتب أن هذه الحقائق، أو بعضها، أدت الولايات المتحدة دورا فيه نتيجة للدعم التاريخي لإسرائيل، ولا ينفي تلحمي دور إدارات أمريكية ومحاولتها لمعالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، و"كانت هذه الجهود واعدة أحيانا"، مشيرا إلى أن "الفشل يجب أن يوزع على الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب أيضا، إلا أن التمكين الجوهري الأمريكي لإسرائيل لم يتغير طوال تلك الفترة بالإجمال".

 

ويقول تلحمي: "قد قيل الكثير حول المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل، التي تبلغ 3,8 مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ يفوق مجموع المساعدات الأمريكية الأمنية لباقي العالم كله، لكن المساعدة الكبرى لإسرائيل ليست مالية، فقد حمت ثلاثة عناصر استراتيجية أمريكية إسرائيل من الشعور بأي ضغط إقليمي أو دولي فعلي حيال احتلالها أراضي فلسطينية وتشييدها مستوطنات غير شرعية فيها".

 

ويورد الكاتب هذه العناصر على النحو الآتي:

 

الأول: هو الوساطة الأمريكية لاتفاقية كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر منذ 40 سنة، وبذل نفوذ كبير للمحافظة عليها منذ ذلك الوقت، وقد خدمت هذه الاتفاقية المصالح الإسرائيلية والمصرية والأمريكية، وخفّفت إلى حدّ بعيد من فرصة اندلاع حرب بين إسرائيل ومصر (وهذا حسن)، لكنّها حدّت من النفوذ لصالح المساومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وهذا عكس ما أمل به الرئيس جيمي كارتر، وهو أمْر يعبّر الآن عن بعض من "الندم المتأخّر" حياله.

 

الثاني: لقد حمت الولايات المتحدة إسرائيل في الأمم المتحدة، فمنذ قيام الدولة الإسرائيلية في العام 1948، فإن أكثرية حقوق النقض التي استخدمتها الولايات المتحدة في مجلس التابع للأمم المتحدة كانت لها علاقة بإسرائيل (43 مرة)، لذا فمن المنطقي أن يظنّ المرء أنه لولا التهديد الأمريكي بحقّ النقض لكان المجتمع الدولي فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية.

 

الثالث: يعزى تفوق الجيش الإسرائيلي جزئيا إلى نجاحه في بناء قوة فعالة، ففي غضون بضعة عقود، بنى الإسرائيليون دولة متقدّمة ناجحة ومزدهرة، لكن لا ينخدعن أحد، إذ يأتي هذا التفوّق الذي تتميز به إسرائيل على الجيوش الإقليمية مجتمعة، وربما القوّات الروسية في سوريا، بفضل أمر واحد: الالتزام الأمريكي بمنح إسرائيل التكنولوجيا المتقدمة للحرص على تفوقها العسكري والنوعي.

 

ويبين تلحمي أن "المساعدات جعلت إسرائيل أكثر أمنا، ولطالما خدمت مصالح إسرائيلية وأمريكية مشتركة، لكن إحدى الحجج المستخدمة لتبرير هذا المستوى الفريد من الدعم هي أن إسرائيل آمنة ستكون قادرة أكثر على المساومة، لكن عوضا عن ذلك، ولدت المساعدات المزيد من عدم التناسق، مع تراجع في الحافز الإسرائيلي للانصياع للقانون الدولي وللمساومة".

 

ويقول الكاتب: "يمكن الاستنتاج مما سبق كله أنّ التزام الولايات المتحدة التاريخي مع إسرائيل، الذي يتجلى بالدعم الفريد المقدم لها، يعني أن على الولايات المتحدة مسؤولية التخفيف من الحقائق غير المتناسقة النابعة من هذا الدعم، من خلال اللجوء إلى الجهود العادلة، عوضا عن ذلك، فإن ترامب لا يعد بتكريس عدم المساواة الشديدة فحسب، بل باستخدام قدرات دولة عظمى للتأثير في الجهة الأضعف أيضاً، بما في ذلك حجب المساعدات الإنسانية أداة ضغط سياسي".

 

ويرى تلحمي أن "مقاربة ترامب تعتمد تأطيرا خطيرا يضع الصراع في خانة الصراع الديني/ الإثني، دون بوادر نهاية له، ويلجأ مستشارو ترامب إلى الإيمان والادعاءات التوراتية لتبرير المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والسيادة الإسرائيلية على مدينة القدس الموحدة، وهذا أمر خاطئ وخطير، فهو خاطئ لأنه، حتى لو كان لكل واحد الحق في اختيار إيمانه وخطابه الديني، فإنه لا يمكن أن تكون خطابات دينية كهذه الأساس للسيادة السياسية في زمننا الحاضر، وهو خطير لأنه يضع الخطاب (اليهودي) و(المسيحي) في وجه الخطابات المسلمة/ العربية، ما يحرض بذلك على استمرار الصراع لعقود مع أمل ضئيل بالمساومة".

 

ويؤكد الكاتب أن "الحكومات العربية ستقوم بما يناسبها ويناسب بلدانها دائما، وقد تدفعها أولوياتها إلى السكوت والخضوع، وعلى الرغم من أربعين سنة من السلام الفعال بين إسرائيل ومصر، و24 سنة من السلام بين إسرائيل والأردن، يرفض المصريون والأردنيون (التطبيع) مع إسرائيل، ويعدون إسرائيل عدوتهم إجمالا، وقد يتماهى المصريون والأردنيون (على غرار غيرهم في الدول العربية) مع بلادهم أولاً، لكنهم لن يتخلوا عن عروبتهم وإسلامهم، وهي هويات يتم التشديد عليها، خاصة أن إسرائيل حددت طبيعتها بشكل متزايد من خلال تعابير دينية/ إثنية".

 

ويفيد تلحمي بأنه "في الوقت الذي ينصح فيه كوشنر بالتخلي عن حل الدولتين، فإنه سيرفض بالتأكيد المساواة الكاملة بين الإسرائيليين والفلسطينيين لتكون حلا بديلا". 

 

ويذهب الكاتب إلى أنه" لهذا، فإن المحفزات الاقتصادية التي قد يقدمها ترامب للفلسطينيين كلها لن تؤدي إلى تحقيق تطلعاتهم، ففي التسعينيات المفعمة بالأمل، تم استثمار الكثير في مشاريع طموحة مثل بيت لحم 2000، وعندما انهارت المفاوضات السياسية، اندلع العنف، وذهبت الاستثمارات أدراج الرياح، وتوقع أن يلبي الوعد بالتحسن الاقتصادي التطلّعات الإنسانية العادية لشعب كافح بألم لعقود ينم عن سوء فهم لطبيعة الحالة الإنسانية".

 

ويختم تلحمي مقاله بالقول إن "القادة الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب يتحملون المسؤولية، إلا أن الدور الأمريكي لا مفر منه، فبعيداً عن التفاصيل، فإن المبادئ التي تقوم عليها مقاربة ترامب تورط الولاياتِ المتحدةَ في مسار خاسر، يؤدي إلى المزيد من المتاعب في المستقبل، فما من فائز هنا، بل خاسرون فحسب، وبعضهم خاسر أكبر من غيره".

 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)