قضايا وآراء

استقرار مصر: وهْم أم حقيقة؟

1300x600
يتكرّر اصطلاح "الاستقرار في مصر" في أحاديث المسؤولين الأوروبيين عند التواصل معهم فيما يخص الانتهاكات المزرية لحقوق الإنسان في مصر، وأن هذا الاستقرار لازم لمصر وللمنطقة، وأحد مبررات التغاضي عن كل أشكال الجرائم المصنفة ضد الإنسانية التي يرتكبها السيسي وكيانه لمواجهة المعارضين والمؤيدين على السواء في الداخل المصري، وهم دائما يقارنون بين وضع مصر ودول مثل العراق وسوريا في حال عدم توفر الاستقرار الضروري.

الاستقرار هدف مرغوب لا ينكره وطني، ويسعى إليه كل مخلص لبلاده، لكن تفسير السلطة الحالية لأسباب هذا الاستقرار وربطه بالقبضة الفولاذية التي تحكم بها البلاد، والمتمثلة في عدم عودة الجيش إلى ثكناته للآن بالرغم من مرور أكثر من خمس سنوات على الانقلاب العسكري، وضراوة قوات الأمن في التعامل مع شرائح شعب مصر، ومنع التظاهر وغلق الميادين واكتظاظ السجون والمعتقلات بالرجال والنساء والأطفال، والمذابح المتكررة، وخطف وقتل الشباب في الشوارع وغرف النوم وأماكن الاحتجاز، والارتفاع الجنوني في أسعار الضروريات والمواصلات، والاستيلاء على الأراضي والممتلكات ومصادرة الأموال والفصل من الوظائف، ومقابلة الاعتراض على الحكم الجائر بالتنكيل، وتهديد -بل وتنفيذ- قائد الانقلاب وعيده لكل من يحاول الاقتراب من كرسي الحكم، مدنيا كان أم عسكريا، والسيطرة الكاملة على الإعلام والقضاء والاقتصاد، والحبس الاحتياطي مفتوح المدة، وتلفيق القضايا، وبناء السجون بدل إنشاء المدارس أو المستشفيات، وغير ذلك من وسائل الحكم الغاشم.. كل هذا قد أعطى الانطباع بأن حالة الخوف والرعب الناتجة هي السبب في هذا الاستقرار الذي يعمّ مصر، ويفخر به الكيان الانقلابي ومَن وراءه من القوى المحلية والإقليمية والدولية، ما يدعمه ويشجعه ويمنحه الغطاء الكافي ضد النقد، ويضفي عليه المناعة في مواجهة المؤاخذة والعقاب.

إن جموع الشعب المصري -في جوهر الأمر- منشغلة بمحاولات توفيق أحوالها وأحوال أُسرها المعيشية؛ في ظل الظروف القاسية المفروضة عليهم من قِبل من لا يراقب فيهم إلاًّ ولا ذمّة، ولديها الصبر وقت المحن والوعي على فهم ما يدور، وتعلم أن باستطاعتها -ولو بتضحيات ملحوظة- استرداد حريتها المخطوفة واكتساح العوائق التي تحول بينها وبين العيش الكريم. وحقيقة الأحداث والشواهد تقول إن أي مواجهة لن تكون لصالح القوة الجبارة والمسلك العنيف المستخدمين ضدها من قبل الكيان الانقلابي. ويسوق المحللون أمثلة واقعية؛ لعل أبرزها عجز قوات الجيش والأمن على حسم الموقف في سيناء، رغم تكرار الوعود وتغيير القيادات والاستعانة بقوات العدو الصهيوني في الاستطلاع وجمع المعلومات وشن الغارات. وما تتقنه القوات هناك هو الاستقواء على أهل سيناء المسالمين بقتل رجالهم ونسائهم وأطفالهم ونسف مساكنهم وتهجير عوائلهم، أو حادثة قتل ستة عشر سائحا مكسيكيا مع أربعة من مواطنينا الأعزاء في وضح النهار بالصحراء الغربية، ما أثبت من الناحية التحليلية انعدام التنسيق وضعف التصويب، بحيث تستمر "معركة" من جانب واحد عدة ساعات.. أو ما حدث منذ عام في البدرشين بمحافظة الجيزة، عندما قام ثلاثة مسلحين بنصب كمين لدورية شرطة أثناء تجوالها لتطبيق الأمن فقتلوا عناصرها جميعا، وعددهم خمسة، واستولوا على أسلحتهم خلال تسعين ثانية فقط.. وغير ذلك من الحوادث.

وعلى هذا، فإن ادعاء الكيان الانقلابي ورئيسه، مع الداعمين له من الدول الأوروبية وغيرها، بأن الاستقرار عائد إلى إجراءات التعامل مع الشعب المصري بالقوة الطارئة والاستثنائية؛ مما نتج عنه عدم مقدرة الجماهير على مواجهة إرهاب الدولة واسترداد حريتها، ما هو إلا زعم باطل لا وجود له. فما هو إذن السبب الحقيقي وراء الاستقرار في مصر وعدم إقدام المصريين على استخدام العنف ضد السيسي وكيانه وقواته وشرطته؟

نعود بالذاكرة إلى الأيام القليلة قبل فض اعتصام رابعة، حينما اعتلى منصة مخاطبة الجماهير المحتشدة في الميدان وقتها والمرئية من قبل الشعب المصري بأجمعه، والمتابَعة من العالم كله، حينما صعد على المنصة الأستاذ الجامعي الدكتور محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين وأطلق نداءه من فوقها: "سلميتنا أقوى من الرصاص". ومن لحظتها، التزمت بهذا المبدأ فصائل الإخوان ومن معها من مناصري الشرعية وحتى وقتنا هذا، على الرغم من تحرّش الانقلابيين بهم بغرض جرّهم لمصادمات، وعلى الرغم من استياء آخرين ومطالبتهم بمواجهة العنف بمثله، إلا أن الجميع متفق على تطبيق المبدأ وتفويت الفرصة على الكيان الانقلابي ومن خلفه، وهذا ما يفسّر سبب الاستقرار في مصر. ويجب على القوى الأجنبية التي تشيد بالسيسي رمزا للاستقرار أن تعي أن الفضل في استقرار مصر يعود للدكتور محمد بديع وتنفيذ أتباعه لندائه؛ فهما منهم وإدراكا للحكمة والعقلانية من ورائه، وأن الانقلاب زائل لا محالة، ويبقى الوطن رغم الصعاب والديون وتخريب العسكريين.

وأين الدكتور محمد بديع الآن؟ منذ أن أطلق عبارته المشهورة وهو قابع منفردا في زنزانة بأتعس سجون الانقلاب، محروما من الزيارة العائلية والطعام الآدمي والعلاج الطبي، ينتهي من المحاكمة في قضية ليدخل في أخرى، لتصل أحكام السجن المشدد عليه إلى 150 عاما، وما تزال قضايا أخرى بانتظاره. وقد وافق الأول من تشرين الأول/ أكتوبر اليوم العالمي للمسنين، فإذا هو يدخل قاعة المحكمة محمولا على نقالة يشكو لقاضي الانقلاب -دون جدوى- سوء المعاملة وآلام الظهر.

إن متزنا حكيما مثل الدكتور محمد بديع لا بد أن يلقى التكريم والتقدير له ولأمثاله من العالم بأكمله. فبالرغم من كل ما يعانيه على أيدي السفاحين وعصاباتهم، ومن جهل وإنكار الآخرين لدوره المباشر في شيوع الاستقرار في مصر، وإصراره وثباته وراء ما نادى به منذ أكثر من خمس سنوات، فالواجب الاعتراف بنظرته الثاقبة، وتكاتف المنصفين والحقوقيين والأحرار والمسؤولين على مكافأته بخطوات وأعمال ملموسة، ومنها: الإفراج العاجل عنه، والمطالبة بمنحه جائزة نوبل للسلام لهذا العام. فقد عمل للسلام والاستقرار، وسعى وأصر على منع الاحتراب، فلا يعقل أن يحصل على جائزة نوبل للسلام ممن وصفوا بمجرمي حرب، مثل بيجين وبيريز، وحاليا "أون سان سو تشي" لدورها في التصفية العرقية للروهينغيا، بل إن نيلسون مانديلا نفسه طالب باستخدام العنف قبل حبسه. وها نحن هنا مع شخصية تضحي بنفسها ووجودها من أجل منع العنف واستمرار الاستقرار في مصر؛ ضد رغبة الكيان العسكري الجاثم على صدر مصر الآن.