كتاب عربي 21

الدنماركيون على خط التفاهم الديني في الشرق: ما سر الاهتمام وماذا حققوا؟

1300x600
برز مؤخرا تزايد اهتمام المؤسات الدانماركية الرسمية والأهلية والحزبية بدعم مبادرات تفاهم أهل الأديان في المشرق العربي والإسلامي، وتقوم عدة مؤسسات دانماركية بإطلاق ودعم العديد من الأنشطة في هذا الاتجاه، ومن هذه المؤسسات: مؤسسة الشراكة الدانماركية - العربية، ومؤسسة دانيميشن الدانماركية المتخصصة بدعم الحوار والتعارف والتنوع، والكنيسة الدانماركية، ووزارة الخارجية الدانماركية وسفاراتها في عدد من الدول العربية والإسلامية.

وتتعاون هذه المؤسسات مع عدد من المؤسسات العربية ومنها: منتدى التنمية والثقافة والحوار الذي يرأسه القس الدكتور رياض جرجور، ومؤسسة أديان التي يرأسها الأب الدكتور فادي ضو، والمعهد الملكي للدراسات الدينية في الأردن، والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية في مصر، ومعهد الدراسات الإسلامية - المسيحية التابع لجامعة القديس يوسف في بيروت، ومؤسسات أخرى في الوطن العربي.

وخلال السنوات الخمس الأخيرة أقامت هذه المؤسسات سلسلة مبادرات في لبنان والأردن وسوريا والعراق ومصر والدانمارك، وشارك فيها آلاف الأشخاص الفاعلين في مجتمعاتهم، ونفذوا عشرات الأنشطة المتنوعة التي تساعد في تعزيز الحوار والتعاون ونبذ العنف والتطرف.

ومن آخر هذه المبادرات اختتام برنامج "قادة من اجل التفاهم بين أهل الأديان"، والذي جرى تنفيذه خلال السنوات الخمس الماضية، وبمناسبة الاختتام أقيمت سلسلة نشاطات في عدد من المدن اللبنانية، وتم توزيع الشهادات على المشاركين الذين عرضوا لتجاربهم الحوارية، واستمعوا إلى محاضرات حول المصالحة بعد الحرب وكيفية تعزيز الحوار الديني، وعلاقة الدين بالمجال العام.

لكن لماذا يزداد الاهتمام الدانماركي بالعمل لتعزيز التفاهم بين الأديان؟ وما هي أبرز الأطروحات التي قدمت خلال هذه البرامج؟ وهل سينجح الدانماركيون حيث فشلت الهيئات الأخرى في مواجهة العنف والتطرف؟

تقول مصادر مواكبة للحراك الدانماركي بشأن دعم التفاهم بين الديان: "إن الاهتمام الدانماركي بالحوار الديني زاد في السنوات الأخيرة بعد أزمة الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول محمد (ص) عامي 2005 و2006، والتي أدت إلى أزمة قوية بين الدانمارك والعالم العربي والإسلامي، ومن ثم تصاعد هذا الاهتمام بعد الثورات العربية وازدياد عدد اللاجئين إلى أوروبا ومنها إلى الدانمارك، وبروز اتجاهات سلبية في المجتمع الدانماركي ضد المهاجرين من أصول عربية وإسلامية".

وتتميز المبادرات الدانماركية بأنها لا تتوجه فقط للعالم العربي والإسلامي، بل تشمل أيضا المجتمع الدانماركي ومؤسساته وقياداته المجتمعية، ويؤكد المشاركون في هذه البرامج أنها "حققت نجاحات مهمة، سواء في المجتمعات العربية والإسلامية أو داخل المجتمع الدانماركي، وإن كان لا يمكن لكل هذه المبادرات أن تنهي أجواء العنف والتطرف، لكنها أوجدت قيادات فاعلة وميدانية حاملة لهذا المشروع، وهي تتواصل مع العديد من الفئات المتنوعة في هذه المجتمعات".

وخلال اختتام برنامج "قادة من أجل التفاهم بين الأديان"، والذي اختتم الأسبوع الماضي في بيروت، طرح رئيس جامعة القديس يوسف الأب الدكتور سليم دكاش برنامجا من سبع نقاط لاستكمال هذا المشروع، وهذه النقاط هي:

أولا: العمل المستمر على الأرض اضافة للجهد الفكري والتعليمي، لأن النزول إلى الأرض يكرس ثقافة الحوار والتنوع.

ثانيا: التأكيد على أهمية القيم الدينية المشتركة ولا سيما التسامح والرحمة والمحبة والتقوى.

ثالثا: تغليب الوجه الإيجابي على الوجه السلبي في قراءة التاريخ، والتذكير بالمحطات الإيجابية حتى خلال الحروب والصراعات.

رابعا: بناء مفهوم المواطنة في قلب كل إنسان وفكره والتأكيد على أن المواطنة هي التي تحقق المساواة وتأمين الحقوق والواجبات.

خامسا: مراجعة النصوص والمناهج المدرسية وغربلة الموروث الذي يؤدي إلى نشر الثقافة السلبية ضد الآخر، والعمل لنشر ثقافة الوحدة ضمن التنوع.

سادسا: مراجعة البرامج التي تسبب العنف ومواجهة منابع العنف الكثيرة والتي تفوق منابع النفط.

سابعا: التأكيد على دور الإعلام وأهميته، ودراسة كيفية تطوير دور الإعلام في نشر ثقافة الحوار بديلا عن نشر ثقافة العنف، فيما أكد القس الدكتور رياض جرجور على أهمية الاستمرار بهذا البرنامج، وتحول المشاركون فيه إلى سفراء من أجل دعم الحوار والتنوع.

ومن الواضح أن هذه التجربة الدانماركية – العربية الحوارية حققت نتائج إيجابية مهمة، لكنها لا يمكن أن تعالج جذور المشكلة في ظل غياب الديمقراطية ودولة المواطنة حقوق الإنسان والحريات والتنمية في الوطن العربي، وفي المقابل استمرار السياسات الغربية غير المتوازنة تجاه القضايا العربية والإسلامية، ولا سيما القضية الفلسطينية.

لكن رغم هذه الملاحظات، فإنه لا يمكن إلا توجيه التحية لكل مؤسسة أوروبية أو دولية تدعم الحوار الديني في عالمنا العربي والإسلامي، بانتظار مبادرات من المؤسسات العربية والإسلامية لتبني هذا الحوار، وعدم انتظار الدعم الغربي للقيام يمثل هذه الأنشطة المهمة.