كتاب عربي 21

ترميم الرميم بلا زعيم

1300x600
يجتمع اليوم الثلاثاء (24 تموز/ يوليو) بقصر قرطاج، وبدعوة من الرئيس التونسي، لفيف واسع من مكونات حزب نداء تونس؛ لتدارس إمكانيات ترميم الحزب بعد تصدعات كثيرة هزت بنيانه؛ الذي لم يكن قد اكتمل واتخذ شكل المؤسسة السياسية المطابقة لحزب يحكم. وقد بدا الرئيس في عجلة من أمره، كأنه يستدرك موعدا لم يذهب إليه أو يستبق موعد قطار قريب.. لكن ما هي حظوظ ترميم رميم حزب النداء وعودته إلى قوة لحظة التأسيس سنة 2012 وزخمها السياسي؛ الذي انتهى بالباجي رئيسا وبالنداء حزبا حاكما؟

بماذا وبمن سيؤلف الباجي حزبا قويا يعود للحكم بعد انكساره في الانتخابات البلدية؟

ما هي مادة اللصق السياسي الجديدة للمكونات المتنافرة فكريا وسياسيا التي سيستعملها الرئيس، بعد أن تم استعمال الحرب ضد التيار الديني حتى موعد الوصول إلى الحكم؟

ولكن بعيدا عن النداء والرئيس، أين ستذهب مكونات المنظومة القديمة إذا لم تتوحد في النداء من جديد على نفس الأسس التي جمعتها سابقا؟

تداعيات الانتخابات البلدية على النداء وعلى رئيسه

حصل حزب النداء على نصف ما حصل عليه حزب النهضة في المجالس البلدية، رغم أنه رئيس السلطات الثلاث. دق ذلك ناقوس الخطر في بيت الرئيس السياسي، ولكنه دق أيضا في بيته العائلي.. الابن المكلف بالحفاظ على بنيان الحزب وتوسعه محليا ونخبويا فشل فشلا ذريعا. وعليه، فإن الطريق إلى توريث الحكم في العائلة لم تعد سالكة كما أحب الأب (أو الأم والإخوة)، وإن لم يصرح بنيته للتونسيين منذ البداية.

المسار السياسي الحالي سيؤدي إلى عودة حزب النهضة إلى الحكم، ما لم يقع زلزال أو تسونامي (وهما أقرب من احتمال انقلاب عسكري أو أمني بتونس). فلا النداء بقي في سياق المنافسة، ولا المعارضة شكلت بنيانا قادرا على المنافسة والفوز. عودة النهضة أمر غير مقبول في أوساط سياسية ونخبوية كثيرة انكشفت وجوهها زمن حكومة الترويكا، وشكلت أسس بنيان النداء، ويمكن أن تعيد نفس الطريق، وطبعا نحو نفس النتيجة، لكن المعطيات على الأرض تغيرت كثيرا. وسيكون من العسير إعادة استعمال نفس الورقة التجميعية القديمة (التخويف من الخوانجية)؛ لأن فوز النهضة في البلديات كشف أن ورقة التخويف احترقت وأن الناس لا تسلم لخطاب الترهيب.

انكشاف نية التوريث فككت الحزب

أولى المعطيات أن نية التوريث داخل الأسرة انكشفت. ففي بداية التأسيس (2012) لم يكن ابن الرئيس إلا عضوا مجهولا في الصف الثاني من المؤسسين، وقد قبل أخذا بخاطر والده. فالأوساط القريبة من حضر العاصمة وسكان المرسى، حيث يلهو عادة، يعرفون الرجل من غير ذوي العزيمة.

من أجل ذلك، خاض الرئيس معركة شرسة لتمليك الحزب لابنه في أفق جعله شخصية سياسية فاعلة ومتحكمة قادرة على الترشح والفوز، أو على الأقل البقاء في الصف الأول وفرض الاسم والأسلوب.

المعركة كانت في ميدانين: الأول داخل الحزب، فتم إقصاء كل من يعترض على قيادة ابن الرئيس، وقد انفض في ردهات هذه المعركة كثيرون من حول الرئيس، وخاصة شخصيات ونخب تعتقد أنها فكرت للحزب ولمستقبل طويل من الحكم. أما الميدان الثاني، فكان في الحكومة نفسها. فقد اختار الرئيس شخصيتين من غير ذوي الرأي وعيّنهما، لكنهما تجاوزا خطوطا حمراء رسمت لهما، وخاصة منها الاقتراب من بؤر الفساد التي مولت وتمول حزب النداء، ثم إسقاط حكومة الحبيب الصيد في مشهد برلماني مثير للقرف. ويجري الآن إسقاط حكومة الشاهد حتى لا يصنع له زعامة تنافس ابن الرئيس داخل الحزب وداخل الأوساط التي قد تصوت له إذا حان موعد الصندوق.

هذا أهم معطى فكك الحزب، وقد لا يسمح بترميمه إلا بتنازل الرئيس عن ابنه وعن فكرة التوريث، وهذه فيها ورقة واحدة هي إعلان الرئيس فتح المنافسة على مقعد الرئيس داخل الحزب، أو ضم الجميع بأبوية يتقنها تحت جناح ترشحه لفترة ثانية. لكن 2019 ليست 2014.. لقد سال ماء كثير تحت جسور تونسية، بما لا يسمح للحزب بهامش حركة كبيرة أمام التونسيين.

ملف الاستئصال يجمع ويفرق

التخويف من هيمنة "الخوانجية" ورقة استخدمت بقوة في 2012 حتى 2014، وكان الرافد اليساري للنداء قد انحاز للباجي من أجل تحقيق هدف دقيق تصفية التيار الديني (قطع الطريق). لكن معطيات الميدان جعلت النداء غير قادر على الحكم إلا بالنهضة، فكان التوافق السياسي الذي رفضه اليسار (تيار الحداثة عامة)؛ فانقلب على الباجي وكسر كتلة الحزب البرلمانية. وهو ما جعل النداء محتاجا أكثر للنهضة التي قدمت تنازلات ذكية لمزيد توريط النداء في التوافق، فكان النداء كلما أعطى للتوافق مع النهضة كلما ابتعد عن قواعده الحداثية، فلما التفت في 2018 وجد نفسه عاجزا عن الانفصال عنها. هل يمكن استعادة هذه الورقة مرة ثانية لتجميع فلول الحزب الحداثية؟

الأكيد أن هذه الفلول غير مستطيعة سياسيا بنفسها، فقد اشتغلت دوما برافعة التجمع ثم النداء، فهي فئات غير شعبية وغير قادرة على الفوز بالصندوق، ومن علامات ذلك خروج حزب المسار، (الحزب الشيوعي التونسي السابق، وهو أحد مكونات هذه النخبة الرافد) من المشهد السياسي بعد انتخابات 2014.

عجزها في الصندوق أمام التيار الديني (حزب النهضة بالتحديد) يدفعها مرة ثانية نحو النداء (وقد بدأت تتوافد على الاجتماع)، لكن هل يقدر الباجي على ترضيتها بإدخال البلد في معركة استئصال أخرى مماثلة لما قام به ابن علي (وهي لا ترضى بأقل من ذلك)؟ هنا أيضا مر ماء كثير تحت الجسر.. لقد عجز الرئيس عن إنجاز ذلك؛ لا محبة في النهضة، ولكن ذراعه قصرت دونها، فقبل بها ثم خضع لها، وإن لم  يظهر قهره؛ وإلا كان عزل الشاهد وعين حكومته الرابعة.

شتات المنظومة إلى أين؟

هذا سؤال يستشرف الكارثة. في غياب النداء، فإن كل مكونات تيار الحداثة بكل تلويناته لن يقدر على تأليف حزب؛ لأنهم بكل بساطة لم يفكروا في الصندوق وسيلة للحكم. بل كانوا دوما بمثابة القراد الملتصق بذيل الجمل يسافر مجانا ويصل. والآن وقد فرضت التعددية نفسها، وصار للعدو الإسلامي باب نحو الصندوق، اكتشفت هذه الزمرة عجزها وهوانها. فابن علي لم يعد موجودا، والباجي أعجز من ابن علي، والنهضة تتقدم في البلديات وعينها على برلمان 2019، وربما على قصر قرطاج. إذن هم فاعلون؟هم الآن في مرحلة شم جيفة النداء ولا التعطر بمسك النهضة، ولكن إلى حين.

لقد حملوا النقابة التي يسيطرون عليها إلى صف التوريث، فأفقدوها كل مصداقية باقية بعد. ولن يسهل لهم إخراجها من الزاوية المغلقة التي وضعوها فيها إلا بمؤتمر استثنائي، وفي هذا الحالة سيكتشفون أن التصويت القاعدي لم يعد مضمونا. سياسة المقامرة كلعبة الرولات الروسية؛ النجاة منها صدفة وحظ. وهذا التيار يلعب الآن بالمسدس، متجاهلا موضع الرصاصة الأخيرة. أما الباجي ففي ورطة كبيرة؛ لا قدرة له على الوعد بشيء، ولا شجاعة له ليؤلف مع الغنوشي (النهضة) لمستقبل سياسي مختلف؛ ليس فيه توريث وليس فيه إقصاء. لا شك أنه يعيد سماع تصريح الغنوشي، وهو يخرج من الاجتماع الأخير الفاشل لوثيقة "قرطاج 2" (انتهى عصر تنازلات النهضة). هذا الرميم التجمعي يحتاج زعيما ليرممه، ولا زعيم في المكان، بل كائنات غريزية لا ترتوي أبدا.

قال عبد الله غيث (حمزة) في فيلم الرسالة لعمر خلفة (أبو جهل): الزمن والآفات ستأتي عليكم.. إنا نشاهد في تونس على المباشر أثر الزمن والآفات على منظومة حكم لم تحترم أبدا شعبها ولا قدرت تضحياته وشهداءه.