قضايا وآراء

هل تكون سوريا جسرا لعلاقات استراتيجية بين تركيا وإيران؟

1300x600
يرى كثير من المحلّلين أنّ لقاءات أستانا، وما نجم عنها من اتفاقات خفض التّصعيد (مناطق خفض التّوتر)، تُمهد لتحالف استراتيجي بين تركيا وإيران، لا سيما أنّ العوامل الاقتصاديّة والأمنيّة والظّروف السّياسيّة الإقليميّة والدّوليّة تدفع نحو هذا التّحالف، ولا يغيب هنا دفع الرّوس للطّرفين للمضي في هذا التّحالف؛ لما يترتّب عليه من منافع تلحقه باعتباره محور هذا التّحالف.

فقد تزايدت وتيرة العلاقات الاقتصاديّة بين البلدين، وتعهد البلدان منذ فترة على التّبادل التّجاري البيني بالعملة المحليّة، إضافة لاتفاقات الطّاقة (خط الغاز) وشراء تركيا النّفط الإيراني. وتمثل القضيّة الكرديّة هاجسا أمنيّا للطرفين، وإن اختلفت الدّرجة.

وتسهم حالة التّوتر القائمة بين الغرب وتركيا بتوجُّه تركيا نحو المعسكر الإيراني الرّوسي، ولا سيما أنّ عددا من الدّول العربيّة تأخذ مواقف غير وديّة نحو الأتراك، ما يزيد في دفع تركيا نحو البحث عن بديل توفّره إيران.

يبدو للوهلة الأولى صوابيّة هذا الرّأي، وخاصّة أنّ النّظامين يستندان لمرجعية إسلاميّة في وجودهما، لكنّ المتعمّق في هذه المعطيات يجدها تفرّق أكثر ممّا تجمع، بدءا من ملف سوريا وليس انتهاء بالملف الكردي. فنقاط التّقارب بين البلدين في ما يخصّ الملف السّوري وهميّة، سرعان ما تزول أمام عمق الموقف التّركي من الأزمة السّوريّة. فالدّور الإيراني في تفاهمات أستانا ثانوي وتابع للإرادة الرّوسية. أمّا في ما يخصّ تركيا، فهو يندرج ضمن فنّ الممكن والضّرورة، بعد أن تخلى معظم الدّاعمين عن الثّورة السّوريّة. فالخلافات بين الطّرفين عميقة جدا ولا يوجد خيط واحد يربط بينهما، وإن تعددت القمم. فبعد نزوح أهالي الغوطة هدّد مستشار المرشد علي أكبر ولايتي أهالي إدلب، عند زيارته للغوطة، وعدّها الخطوة التّاليةـ في حين تعهد الرّئيس التركي أردوغان، أكثر من مرّة، بنشر الأمن في إدلب، وقبل ذلك عارضت إيران عمليّة "غصن الزّيتون" التي أيدها الرّوس ضمنا، بل وصرّح الإيرانيون على مختلف المستويات بأنّ الوجود التّركي غير شرعي، ويلزم تركيا الخروج من سوريا.

ورغم اتّفاق الطّرفين على منع قيام إقليم كردي، إلّا أنّ إيران تدعم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في سوريا، وتحاول شراء ذمم كثير من الأكراد لتنفيذ أجندتها. وتصبُّ زيارة ما يسمى مجلس العشائر الكرديّة لإيران في هذا الإطار.

ولعل التّنافر بين البلدين رغم "الخلفيّة الإسلاميّة" يكمُن في هذه الخلفيّة، فالأجندة الإيرانيّة ذات أبعاد طائفيّة، ولعلّ حالة العراق تقدم أنموذجا آخر للخلاف بين البلدين.

وفيما يخصُّ حالة التّوتر بين الأتراك والغرب، فإنّها مرحليّة سرعان ما تزول. فتركيا عضو فاعل في حلف النيتو، وتخوض مفاوضات شاقّة للانضمام للاتحاد الأوروبي، والواقعيّة الاقتصاديّة والسّياسيّة تمنع تركيا الدّخول في تحالف استراتيجي مع الرّوس والإيرانيين؛ لأنّ ذلك يعني عداء للغرب لا تستطيع تركيا دفع فاتورته، ويتجنّب الغرب في الوقت عينه تصعيد الموقف. فالولايات المتّحدة تتفاوض مع تركيا وتمنّيها بالوعود في ما يخصّ منبج وغير منبج، وانخفاض قيمة الليرة التّركيّة مؤشر بسيط لما يمكن أن تدفعه تركيا في حال مضت في هذا الحلف الاستراتيجي.

إنّ العلاقات التّركيّة الإيرانيّة ضرورة فرضتها الظّروف المرحليّة، وتكتيك يجيد الأتراك اللعب به لتجاوز المرحلة، ومحال أن ترقى لدرجة العلاقات الاستراتيجيّة؛ لأنّ تحولها لصفة "استراتيجي" يعني بداية النّهاية للانطلاقة الاقتصاديّة لتركيا الجديدة. كما أنّ هامش الحريّة السياسيّة في تركيا يختلف عنه في إيران، حيث يمارس المرشد حكما مطلقا (ولاية الفقيه) يمكنه من إبرام الصّفقات مع من يشاء كيفما يشاء. فالمناخ السّياسي مهما كان مؤيدا لحكومة العدالة والتّنمية، فإنّ المعارضة التّركيّة رافضة لهذا الحلف، وقادرة - بمعيّة الغرب - على زعزعة الدّاخل التّركي، وهذا ما لا يريده عاقل في تركيا.