كتاب عربي 21

موقف اليونيسكو من الحرم القدسي

1300x600
أوصى المجلس التنفيذي لليونيسكو (منظمة العلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة) في نيسان/أبريل 2016 بأنه لا حق لليهود في الحرم القدسي الشريف في مدينة القدس، وقالت التوصية إن حائط البراق المقدس لدى المسلمين والذي يسميه اليهود حائط المبكى لا علاقة لليهود به.

وكانت فرنسا من ضمن الدول التي صادقت على هذه التوصية لرفعها إلى مجلس أمناء المنظمة المكون من 58 دولة.

واجتمع مجلس الأمناء في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2016 ليؤكد على التوصية وتصبح قرارا. صوت لصالح القرار 26 دولة، وامتنعت 24 دولة عن التصويت، وتغيبت دولتان وهما تركمنستان وصربيا، وصوتت ست دول ضد القرار وهي أمريكا وبريطانيا ولاتفيا وإستونيا وهولاندا وألمانيا.

الملاحظ أنه لا يوجد دولة أوروبية واحدة صوتت لصالح القرار، حتى فرنسا التي صادقت على التوصية امتنعت عن التصويت بسبب الضغط اليهودي والإسرائيلي عليها.

استنفرت إسرائيل بعد مصادقة المجلس التنفيذي للمنظمة على التوصية في محاولة منها لإقناع الدول بعدم التصويت لصالح التوصية وذلك لأن تمرير القرار من شأنه أن ينسف الجدلية الصهيونية التي تبناها الصهاينة لإقناع العالم بأن فلسطين لهم دون غيرهم. قال الصهاينة وما زالوا يقولون إن الأرض المقدسة التي هي فلسطين أو أرض كنعان ملكهم لأنهم أول من أقام دولة عليها، ولأن الرب قد منحهم إياها لأنهم شعبه المختار.

على الرغم من أن أقوال الصهاينة لا تصمد أمام المنطق العلمي إلا أن دولا كثيرة بخاصة من أهل الغرب كانت ترغب بالتخلص من اليهود ووجدت في أرض فلسطين ضالتها، وقررت أن تتبنى الجدلية اليهودية على الرغم من عفنها ومخالفتها للحقائق التاريخية.

لم تتخذ اليونسكو قرارها اعتباطيا أو إرضاء لأحد، وإنما اتخذته على أسس علمية وبعد دراسة وافية لحجج الصهاينة وحجج العرب الفلسطينيين.

ولم تجد اليونيسكو أدلة وإثباتات على صدق الصهاينة، ولم تعثر على مواد أثرية تؤيد الوجود اليهودي في الحرم القدسي. وهذه نتيجة ليست جديدة بالنسبة للعديد من المؤرخين والباحثين. فمثلا يرفض السامريون الذين يشكلون أحد مذاهب اليهودية أي مكانة مقدسة للقدس، وهم يعتبرونها كأي مدينة أو قرية أخرى في فلسطين.

نص قرار اليونسكو على أن القدس مقدسة للأديان الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية، لكن السامريين لا يؤمنون بهذا الكلام، ويصرون على أنه لا يوجد أي مكان مقدس لهم في القدس. ويضيف السامريون أن مقدسات اليهود موجودة على جبل الطور في مدينة نابلس الواقعة في الضفة الغربية.

على الجبل يقوم مذبح إسحاق حيث افتدى الرب إسحق بكبش عظيم، وهناك تقوم الصخرة التي بُسطت عندما طلب موسى من الرب التكلم معه، وهناك يقوم أيضا هيكل سليمان. أما المؤرخ الأمريكي تومبسون (Thompson) فكتب أنه لا يوجد أثر لبناء هيكل أول لليهود، ولم يتم العثور على أدلة تؤيد ادعاءات اليهود، لكنه أكد أن هناك آثارا للهيكل الثاني، أما المؤرخ العربي كمال الصليبي فأكد أن الأسماء الجغرافية الواردة في التوراة التي بين أيدي اليهود ليست موجودة في فلسطين، وإنما في أحد الأماكن في الجزيرة العربية، ونفى أن يكون لليهود علاقة بفلسطين.  
  
قرار اليونسكو مفيد جدا للجدلية الفلسطينية العربية على الساحة الدولية، ولم يعد العرب بحاجة إلى الكثير من الأدلة والبراهين لإثبات أن فلسطين عربية، ومن حق شعبها الفلسطيني أن يعود إليها. القرار محوري في الحركة الديبلوماسية العربية على الصعيدين الشعبي والرسمي.

تمكن العرب الآن من مواجهة الصهاينة بقرار أممي جديد في المحافل الدولية والمؤتمرات واللقاءات، وبإمكانهم أيضا تعزيز مواقفهم في الأمم المتحدة وانتزاع قرارات جديدة لصالح الفلسطينيين في الجمعية العامة، والتأثير أيضا على أعضاء مجلس الأمن. أما جدلية إسرائيل فتعرضت لضربة قوية بخاصة أن مستوطنيها ما زالوا ينتهكون حرمة المسجد الأقصى مدعين أنه مكان مقدس لهم، وأن الحرم القدسي يقوم على أنقاض هيكل سليمان.

لكن السؤال المطروح دائما: هل يستفيد العرب من القرارات الدولية لتحقيق مصالحهم؟ حتى الآن لم نستفد من القرارات الدولية بخاصة تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية. فهناك مثلا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين والذي أيدته أمريكا والاتحاد السوفييتي في حينه. منذ عام 1948 ونحن نتغنى به دون الاستفادة العملية منه.

وهناك قرار لمحكمة العدل الدولية ينص على عدم شرعية الجدار الذي أقامته إسرائيل حول أغلب مناطق الضفة الغربية، ويبدو أننا نسيناه. وهناك محكمة الجنايات الدولية التي طالما زمجرنا بالعودة إليها لمحاكمة إسرائيل، لكن يبدو أن زمجرتنا مجرد صوت في طبل أجوف.

وعلى الشاكلة ذاتها، لا أظن أننا سنستفيد من قرار اليونيسكو، ومن المحتمل أن ننساه بعد حين. وهنا تظهر مشكلتنا الأساسية وهي أن فلسطين تعاني من غياب قيادات مخلصة للقضية ولديها الاستعداد أن تضحي براحتها ومصالحها من أجل أن يحيا الوطن.