مقالات مختارة

"المتروّسون" العرب

1300x600
كتب عبد العزيز محمد قاسم: يتفهم المرء وهو يقرأ لبعض الكتبة في الخليج والوطن العربي وقوفهم ضد التيارات المتطرفة كداعش، وكلنا في هذا الخندق. 

ونتفهم أيضا تجديفهم بحق التيارات الدينية الأخرى التي تجاهد في الشام، حتى لو كانت معتدلة، بسبب موقف هؤلاء الكتبة الأيديولوجي المسبق، ولكن ما لا يمكن فهمه واستيعابه هي تلك الحفاوة التي غشيتهم ووصلت للدعاء لبوتين والروس بالنصر في الشام، وكلمات الثناء التي أدلقوها على هذا القيصر الأحمق الذي لم يأت لأعين أهل الشام وأعين هؤلاء الكتبة التي سُملت بالتعصب والهوى ضد كل ما هو إسلامي.

فجعت وأنا أقرأ ما غرد به كاتب إماراتي على حسابه في موقع "تويتر" مؤيدا التدخل العسكري الروسي في سوريا، وقد دعا الله أن ينصر بوتين قائلا: "اللهم انصر بوتين على داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام، نصراً مبيناً وعزاً مكيناً.. اللهم انصر إخواننا الروس على أعداء الإنسانية يا رب العالمين".

مصادمة جماهير الأمة التي تتعاطف مع الشعب السوري بهذه الطريقة أمر مؤلم، وكوننا ضد داعش أو غيره من التنظيمات المتطرفة، لا يعطينا الحق أن ندعو لهذا القيصر الذي أتى بمباركة كنيسته الأرثوذكسية التي لم تنس ولم ننس حروبنا الطويلة معها في القرن الفارط، إبان الدولة العثمانية، وهو – مرة أخرى - لم يأت لأعين أهل الشام، بل للحفاظ على مصالح روسيا في البحر الأبيض المتوسط.

"المتروسون" العرب هؤلاء، سيكتشفون قريبا خطأهم الكبير الذي وقعوا فيه، عندما يرون أن الروس المحتفى بهم لا يلتزمون بحقوق إنسان، ولا يعرفون الرحمة، بل ليست لديهم منظمات حقوقية فاعلة ترفع عقائرها احتجاجا، فبوتين وجنده سيطأون ببساطيرهم القذرة وطائرات الموت التي جاءوا بها على كل معنى للإنسانية، وما أمّل به هؤلاء "المتروّسون" وبشّروا به في كتاباتهم من أن الروس أتوا لمحو أعداء الإنسانية، سيكتشفون بأن هؤلاء العسكر الصفر ألدّ أعدائها، وليت هؤلاء المراهنين يعودون للتاريخ ويقرأون ما استعمله الروس في أفغانستان وكيف قمعوا شعوب البلقان وأوروبا الشرقية.

تعجب من بني جلدتنا هؤلاء الذين بسبب عدائهم للتيارات الإسلامية، ولكل ما يمت لهوية هذه الأرض، ينحازون لكل عدو للأمة، ولو كان الشيطان بعينه، ضاربين بعرض الحائط أي معنى للرجولة والكرامة. بيد أنهم سرعان ما يطويهم التاريخ ويرميهم في مزبلته، ونتذكر إخوتهم في الضفة الأخرى "الليبراليين الجدد" قبل عقد من السنوات، وتصدرهم وقتذاك شاكر النابلسي والعفيف الأخضر وغيرهما ممن جدفوا في تراث الأمة، وصادموها في دينها، بل واستعدوا الغرب علينا، وهم الذين هللوا لغزو الولايات المتحدة للعراق، وبشروا بالشرق الأوسط الكبير، وأتذكر ما قاله النابلسي وقتها: "الليبراليون هم فدائيو الحرية، فهم الذين أيدوا غزو العراق منذ اللحظة الأولى"اهـ. (سجون بلا قضبان ص32).

"المتروّسون العرب" هم الوجه الآخر للصهاينة العرب أيضا، الذين أصمّوا آذاننا قبل خمس سنوات، مهتبلين الصدام الخليجي مع إيران، وطالبوا وقتها بإقامة علاقات كاملة مع الكيان الصهيوني، وفتح سفارات في الرياض وكل الدول العربية، وقد داسوا على جراح الفلسطينيين وكل تاريخهم في جهاد الصهاينة، والحمد لله، خفتت أصواتهم بمجيء سلمان الحزم، يحفظه الله.

برأيي أن كل الدعوات النشاز التي تصادم عقيدة الجماهير العربية والمسلمة سيطويها التاريخ، وستتلاشى مع تغير الظروف التي أنتجتها، ولا تبقى سوى تلك الأصوات التي تلتحم مع هوية هذه الأمة ودينها، وإلا فقد دعم الغرب أولئك الليبراليين الجدد، وفتحت لهم كبريات الصحف العربية صفحاتها، وامتطوا منابر الفضائيات، وهم يبشرون بقائد العرب الجديد، فقد كانوا يمنون أنفسهم بقائد كبير كأتاتورك، وكتب النابلسي حينها: "الليبرالية في العالم تنتظر الآن قائداً سياسياً شجاعاً، كالخليفة المأمون.. وكمال أتاتورك والحبيب بورقيبة ليأخذ بيدها ويتقدم بها الصفوف" اهـ. (العرب بين الليبرالية والأصولية ص84). فيما قام رفيقه العفيف الأخضر بتحريض القوى الغربية ضد حكام بعض دول الخليج بشأن تطبيق الإسلام، وقد قال: "في نظري إستراتيجياً أنصار المشروع الحداثي الديمقراطي يجب أن تركز بالتعاون بين المجتمع المدني العالمي ومع الإعلام العالمي وأيضاً مع الدبلوماسية الدولية، على منع النخب العربية والإسلامية من ممارسة الإسلاموية دون إسلاميين، أي من سرقة مشروع الأصولية لتطبيقه بالنيابة عنها لمجرد أن تبقى في الحكم". 

الطريف أن الساسة الغرب كانوا يعرفون تماما الحجم المجهري لهؤلاء، وأنهم لا يمثلون إلا بضعة نفر يعدون على الأصابع، وأن جماهير الأمة لا تسمع لهم ولا تأبه، بمثل ما ستفعل اليوم مع هؤلاء "المتروّسين"، يقول جون بي آلترمان (مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والإستراتيجية الأمريكي) في مقال له محذرا الغربيين من الرهان على الليبراليين العرب: "إن الناظر إلى حال الليبراليين العرب يجد أن السواد الأعظم منهم ينتظر أن تأتي الولايات المتحدة لتسلمهم مفاتيح البلاد التي يعيشون فيها، في الوقت الذي تقوم فيه الجماعات المحافظة بعمل برامج نشطة إبداعية مبهرة يقدمون من خلالها مجموعة من الخدمات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. مع هذا، فإن كثيراً من الليبراليين يعتقدون حتى الآن أن دورهم ينتهي بمجرد كتابة مقالة".

هذا الفرق بين مثقف يكتب من شرفة قصره والسيجار الكوبي على فمه، وبين داعية يختلط مع جماهير الأمة والعرق يتصبب منه.

"المتروّسون" العرب ربما كانوا بقايا يسار بائد، يحنون لعهد مضى ببؤسه، وسيفجعهم بوتين بحمقه.

(عن صحيفة الشرق القطرية- 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2015)