قضايا وآراء

التطرف في محاربة التطرف!

1300x600
لا شك أن محاربة التطرف بات مطلبا ملحا، وعلى جميع الأصعدة، وعلى وجه السرعة، ولكن!!؟

ما يجري حاليا هو محاربة التطرف بالتطرف أيضا، عسكريا مثلا، لا أنكر على الدول هبتها وتجييش الجيوش لمحاربة تنظيم الدولة(داعش)، والذي أصبح إرهابه وإجرامه ينهش الجسد العربي والعالمي، لكن ما أنكره هو "الخيار والفقوس"، في التعامل مع الإرهابيين (أفرادا وحكومات ومنظمات وأحزابا)، فهناك تطرف واضح في محاربة التطرف، تجييش الجيوش لمحاربة إرهاب تنظيم الدولة ... والاحتلال الصهيوني رأس الإرهاب وشيخ القتل ورب الإجرام يفعل الأفاعيل، ويعتبر صديقا حميما بل وله علينا حق الجيرة أيضا !! .. نظام الأسد يقتل السورين على مدار 5 سنوات ولا محاسب ولا محارب !! .... "دواعش الشيعة" حزب الله اللبناني وميليشيا الحشد الشعبي، يسرحون ويمرحون في العراق وسوريا ولبنان ويفتكون بالأبرياء الآمنين، ولا مُنكِر ولا مستنكر!!.


ولا نغفل طريقة التعاطى مع الأحداث الإرهابية، فإن كان مرتكبها مسلما مثلا، هاجت وماجت وسائل الإعلام ،ولا سيما الغربية منها بوصمه بالإرهابي وتأخذ تتحدث عن خطر الإرهاب الإسلامي القادم، أما إن كان أمريكيا مثلا فلا تأخذ حيزا من الإعلام، وتجدهم قد يصفونه بالمختل عقليا مثلا، وخصوصا إن كان أبيض ، فالأسود قد يكون أقرب للإرهاب في نظرهم!!.


إذن ما نراه اليوم هو تطرف في محاربة التطرف ، فلو استمرت الأمور على هذه الشاكلة، لن نقضي على الإرهاب ولن نتخلص من التطرف، بل وببساطة سنزيد من تداعياته وسنبقى ندور في حلقة مفرغة، ونعود إلى المربعات البائسة والمستطيلات الكئيبة ذاتها.

الشاب العربي المحبط اليائس الذي يتعرض للظلم والقتل والتهجير، ويرى أمه أو أخته تقتل أمامه، الأب الذي يذبح أبناءه أمام ناظريه، المرأة التي تفقد زوجها، هؤلاء حتما قد يجدون في التطرف سبيلا لإشباع نهم وفراغ داخلي تعززه سياسات محاربة الإرهاب والتطرف الفاشلة المقيتة.

المقهور في مصر ومع كل هذا القتل والتنكيل بالمعارضين وغياب العدل والمساواه، سينتهي بأن يضع الشخص أمام خيارين، إما انتحار أو تطرف، لا خيار معتدل هنا، إلا السفر مثلا، أو بتعبير أدق .. الهروب.


من يحارب التطرف بكبت الحريات الدينية والشخصية، واتخاذها ذريعة لإغلاق مسجد أو إسكات تيار أو لجم فصيل، فهو كالذي يقول هيا أيها المتطرفون ، أنا أساعدكم لتتطرفوا ومن بعدها سأقتلكم ( مع ضحكة شريرة تتسم بالغباء)، تماما كتلك التي نشاهدها بأفلام الكرتون، لا أدري تلك سذاجة أم منهج استفزازي هدام للمجتمع، مدروس وواضح الخطى!.
 
وعلى الصعيد الفكري، إن بقينا متكبرين ورافضين أن نعترف بخلل في بعض خطابات المشايخ والدعاة أو حتى في بعض الموروثات الفقهية، وإن كابرنا ولم نقر بأن هؤلاء المتطرفين لم ينزلوا علينا من المريخ، بل هناك فتاوى وأقوال يستندون إليها، ولم نسع سعيا جادا حقيقيا مكثفين الجهود في خلق التوعية، ونبذ التطرف والمغالاة بصدق وليس على استحياء، فنحن نحارب التطرف بتطرف أيضا.

مبدأ الخيار والفقوس، ووجود إرهاب مسموح به وآخر لا، وعدم الاعتراف بخلل فكري فقهي موجود ومتجذر، سيجعلنا متطرفين حتى في محاربة التطرف ولن نرى إلا مزيدا من التطرف، وسيبقى يمتد ولن يوقف سيله العارم كل جهود محاربة الإرهاب... والأيام حبلى.