صحافة دولية

كريستيان مونيتور: عباس في الثمانين وحماس منقسمة فمن سيخلفه؟

ساينس مونيتور: نصف الشعب الفلسطيني يقولون إن السلطة الوطنية أصبحت عبئا عليهم - عربي21
تساءلت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" عمن سيقود الفلسطينيين بعد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس

وتقول الصحيفة في تقرير أعدته كريستا كيس بريانت من بلدة بيرزيت في الضفة الغربية: "في العام الماضي كان محمود العاروري، وهو طالب هندسة كمبيوتر في سجن السلطة الوطنية الفلسطينية، عندما أجبر على الوقوف على رؤوس أصابعه، ويداه مقيدتان إلى ظهره، ووضعوا كيسا على رأسه. ويتذكر أنه قال لسجانيه، الذين حققوا معه بتهمة القيام بنشاطات باعتباره رئيسا لكتلة الوفاء التابعة لحركة حماس في جامعة بيرزيت: (لقد أنشئت السلطة الوطنية لحمايتنا وليس لضربنا)".

ويشير التقرير، الذي اطلعت عليه "عربي21"، إلى أن العاروري، وهو ابن أخ قيادي في الجناح العسكري لحركة حماس يعيش في المنفى، حاول إقناع السجانين أنهم يخوضون المعركة الخاطئة، ولكنهم لم يجيبوا عن أسئلته، ويقول:"أشعر بأنهم ليسوا الأشخاص الذين سيحررونا".

وتقول بريانت: "يتذوق الآن العاروري طعم فوز كتلة الوفاء، التي هزمت الشهر الماضي منافستها العلمانية في انتخابات اتحاد الطلبة في جامعة بيرزيت ولأول مرة منذ عام 2007. ويحتفل قادة حركة حماس أيضا بالفوز، حيث نظموا مسيرة في قطاع غزة، وطالبوا مباشرة بإجراء انتخابات عامة".

وتضيف الكاتبة أن "الخيبة الانتخابية جاءت في جامعة النخبة، قرب مدينة رام الله الكوزموبوليتية، التي تعد مقر السلطة الوطنية، ولهذا نظرا إليها الكثيرون على أنها علامة على حالة عامة من السخط على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، المعروف أيضا بـ (أبو مازن)، وحركته فتح، التي تسيطر على السلطة الوطنية منذ عام 2007".

وينقل التقرير عن ممثلة حركة حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني في رام الله سميرة حلايقة، قولها: "ما جرى في بيرزيت يجب أن يكون أولا وأخيرا درسا لحركة فتح، قبل أن تكون لحظة فرح لحركة حماس، وتظهر فشلا لسياسة اليد الحديدية لأبي مازن وجماعته".

انتقادات 

وتبين الصحيفة أنه "في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون بأطيافهم كافة ينتقدون إسرائيل، ويحملونها المشكلات كلها، وهم لا يزالون يفعلون هذا، إلا أنهم أصبحوا أكثر نقدا لقادتهم ومؤسساتهم".

وتلفت بريانت إلى أن "الفلسطينيين في أنحاء الأراضي المحتلة كلها في الضفة الغربية وقطاع غزة المحاصر، يطالبون بقيادة قوية ونهاية للانقسام بين حركتي فتح وحماس، فمنذ عام 2007 أثر الانقسام الداخلي على القضية الوطنية في الداخل والخارج. وأضعف يد الفلسطينيين في المفاوضات مع إسرائيل والولايات المتحدة، وعرقل عملية إعادة إعمار غزة، وترك مؤسسات السلطة الوطنية الديمقراطية في حالة من الضمور. ولكن مع هذه المطالب كلها التي يعبر عنها، إلا أن الخيارات من أجل قيادة بديلة تظل قليلة".  

ويورد التقرير أن العاروري يقول، مثل ثلثي الفلسطينيين، إن السلطة يجب أن توقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، وتقول نسبة 86% إن السلطة يجب أن تدفع باتجاه عقاب المحكمة الجنائية الدولية لإسرائيل بسبب استمرارها في التوسع الاستيطاني. وهناك نسبة تصل إلى النصف تدعم عودة الكفاح المسلح، وذلك بحسب استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي يديره خليل الشقاقي.

عباس تجاوز مدته  

وتذكر الصحيفة أن هناك نسبة 49% تقول إن "السلطة الوطنية أصبحت عبئا على الشعب الفلسطيني". ويقول العاروري، الذي أسهم عمه صالح العاروري بتشكيل الجناح العسكري لحركة حماس في الضفة الغربية: "من المفترض أن السلطة الوطنية أنشئت لخدمة الفلسطينيين، وفي حالة عدم قدرتها على تأدية واجبها فيجب أن تختفي".

ويشير التقرير إلى أن حركة حماس، التي تستفيد من حالة الإحباط الشعبي من حركة فتح، تعاني من توترات داخلية، فقد راقبت كيف تراجعت شعبيتها منذ حرب الصيف الماضي. ففي البداية رأت نسبة 70% حركة حماس منتصرة، والآن ترى نسبة 60% أن حركة حماس كسبت الحرب. وفي غزة هبطت نسبة من يؤمنون بهذا الرأي إلى 51%.

وتفيد الكاتبة بأن هناك الكثيرين يتهمون عباس بتأجيل عملية إعمار غزة بشكل مقصود، من أجل الضغط على حركة حماس؛ كي تقدم تنازلات أكثر، بما في ذلك السماح للسلطة بإدارة قطاع غزة بشكل كامل.

وتعلق الصحيفة بأنه "إذا كان هناك شخص استفاد من الانقسام الفلسطيني فسيكون عباس، الذي تجاوز استحقاقه الانتخابي مدة ستة أعوام، وهو في عمر الـ80، ويمثل الحرس القديم الذي لم يعد يحظى بشعبية داخل حزبه، ولكنه ممسك بالسلطة بشكل قوي، وهذا كله بسبب عدم إجراء انتخابات رئاسية منذ عام 2005".

وينقل التقرير عن مدير مركز "مسارات" هاني المصري، قوله: "أصبح أبو مازن في فترة الانقسام شخصا قويا، وهو أمر جيد له، لكنه لا يحقق الأهداف الفلسطينية".

قيادات جديدة

وتقول بريانت إنه عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987، كان طلاب جامعة بيرزيت في مقدمة الانتفاضة، لكن مع تحول حركة فتح من المقاومة الشعبية إلى إدارة السلطة الوطنية، وجد القادة الشباب صعوبة في العثور على دور.

وتنقل الصحيفة عن رياض حرب الريح، وهو طالب علوم سياسية ورئيس كتلة شهيد فتح ياسر عرفات في جامعة بيرزيت، قوله: "إن رام الله راكدة، فماذا سنقدم، لا شيء".

ويذهب التقرير إلى أنه لا يوجد اليوم قيادي فتحاوي تحت سن الخمسين، وهو الأمر الذي يلام عليه عباس. ففي عشرة أعوام من حكمه لم يعين نائبا له، فيما يقول الكثيرون إنه أحاط نفسه برجال يقولون له "نعم"، وأضعفت أو علقت مؤسسات حركة فتح، فيما تم تهميش من ينافسون الرئيس، خاصة محمد دحلان.

ويقول عضو سابق في البرلمان عن حركة فتح علقت عضويته منذ عام 2007، للصحيفة: "تعد بيرزيت ميكروسوما عن صورة حركة فتح الكبيرة، حيث تم تهميش القادة الحقيقيين". ويضيف "يمارس أبو مازن ديكتاتورية داخل حركته... لقد شل مؤسسات فتح، وعليه فإن المؤسسات التابعة لها كلها قد شلت".

حماس منقسمة

وتنوه الكاتبة إلى أن لدى حركة حماس عدة قيادات في الأربعينيات من أعمارهم، بمن فيهم قائد الكتائب محمد ضيف في غزة، وصالح العاروري في تركيا، الذي يتهم بتمويل خلايا حركة حماس والتحضير لاختطاف إسرائيليين. وقال العاروري في صيف العام الماضي إن حركة حماس مسؤولة عن اختطاف ثلاثة إسرائيليين في الضفة الغربية، وهي الحادثة التي كبرت مثل كرة الثلج، وتحولت إلى حرب استمرت 51 يوما.

ويستدرك التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، بأن حركة حماس منقسمة أيضا، وهناك توتر بين جناحها العسكري ومركزه غزة وجناحها السياسي. فبحسب تقرير صدر في 29 إبريل/ نيسان، فقد خطط جناح القسام للقيام بعمليات نوعية واختراق الأنفاق وقتل المدنيين الإسرائيليين، وأسرهم لمبادلتهم بأسرى حركة حماس في إسرائيل. 

وتذكر الصحيفة أن مسؤول المكتب السياسي خالد مشعل خشي من تداعيات الرد الإسرائيلي، وصوّت ضد العملية في اللحظة الأخيرة. وفي الوقت الذي يقبل فيه مشعل بحل الدولتين، إلا أن ضيف، الذي يحظى بشرعية قوية داخل الشارع الفلسطيني، يسعى إلى تطبيق سياسة قاسية ضد إسرائيل.

وتجد بريانت أن هناك عددا قليلا من القادة الفلسطينيين ممن ينظر إليهم على أنهم ورثة محتملون لعباس. فقد وجد استطلاع المركز الفلسطيني للدراسات السياسية والمسحية أن إسماعيل هنية في غزة قد يخسر أمام عباس بنسبة 1% في جولتين من الانتخابات، لكن إسرائيل لن تسمح له بدخول الضفة الغربية.

وتتابع الكاتبة بأن هناك مروان البرغوثي، الذي ينظر إليه البعض على أنه مانديلا فلسطين، ويحظى بدعم واسع. ويظهر استطلاع الشقاقي تفوقه على كل من عباس وهنية، لكن البرغوثي في السجن وحكمت عليه إسرائيل خمسة مؤبدات؛ بسبب دوره في الانتفاضة الثانية، وفي الجناح المسلح لحركة فتح "التنظيم".

دحلان

يبين التقرير أن البعض يشير إلى أن رئيس جهاز الأمن الوقائي السابق في غزة محمد دحلان يحضر للعودة من منفاه في أبو ظبي، ويقوم ببناء علاقات جيدة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقادة دولة الإمارات العربية المتحدة، وحتى حركة حماس؛ لتقوية موقفه. وله قاعدة دعم في غزة وفي مخيمات الضفة الغربية.

وتقول الكاتبة إنه أيا كان الرئيس، فإن المصري من مركز "مسارات" يتحدث عن خطوات ضرورية لتقوية الموقف الفلسطيني، وهي:

- أولا: تطبيق نتائج المصالحة بين حركتي فتح وحماس، والتوافق على مدخل واحد للتفاوض والمقاومة وقيام إسرائيل باعتقال المسؤولين المنتخبين.
- ثانيا: عقد انتخابات برلمانية ورئاسية.
- ثالثا: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي، والتواصل بشكل جيد مع الفلسطينيين.
- رابعا: التحول من الاعتماد الكامل على الدبلوماسية إلى استراتيجية واسعة تشرك القادة العرب، وكذلك 12 مليون فلسطيني لا يزالون يعيشون في الشتات.
- خامسا: استخدام منابر الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية من أجل الحصول على الحقوق الفلسطينية. 

ويقول المصري: "لقد خطا أبو مازن خطوة كبيرة للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولكنه خائف من النتائج. هذه ليست نزهة ولكنها معركة".

إسرائيل مسؤولة

وترى بريانت أنه بالرغم من هذا كله فلا يزال الفلسطينيون يلومون قادة إسرائيل وسياساتهم وتصريحاتهم، على ما يجري لهم، خاصة في مجال السياسة.

ويوضح التقرير أنه بعد الانتفاضة الثانية ووفاة الزعيم التاريخي ياسر عرفات، رهن عباس مستقبله ومستقبل حزبه بالمفاوضات مع إسرائيل، وبعد عقد من الزمان لم يحصل أبو مازن على تسوية. وفي الوقت ذاته نمت المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بنسبة 50%، ما يخفض من الأمل بالمفاوضات حول إنشاء الدولة الفلسطينية.

وتنقل الصحيفة عن المتحدث السابق باسم السلطة الوطنية غسان الخطيب، قوله: "حركة فتح بشكل عام لم تعد مقنعة كما كانت في الماضي، سواء للطلاب أو السكان بشكل عام". ويضيف الخطيب، الذي يعمل مدرسا للدراسات الحديثة في جامعة بيرزيت: "لقد راهنت حركة فتح على العملية السلمية، التي فشلت بتقديم أي شيء بسبب المواقف والممارسات الإسرائيلية".

وتكشف الكاتبة عن أن استطلاع المركز الفلسطيني للدراسات السياسية والمسحية يظهر أن هناك نسبة 51% في الضفة وغزة لا تزال تدعم حل الدولتين، لكن ثلث الفلسطينيين يعتقدون أن المفاوضات هي الطريق الأسلم للحصول على الدولة.

ويفيد التقرير بأن الكثيرين يلقون باللائمة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أدت سياساته إلى إضعاف المعتدلين الفلسطينيين، خاصة إعلانه الأخير أثناء الانتخابات الإسرائيلية في آذار/ مارس أن الدولة الفلسطينية لن تظهر أثناء حكمه. وفي الوقت الذي راجع فيه نتنياهو تصريحاته، وقال إن الوقت لم يحن بعد لهذا التطور، إلا أن الفلسطينيين أخذوا تصريحاته على أنها دليل على أنه يعارض حل  الدولتين.

وتختم "ساينس مونيتور" تقريرها بالإشارة إلى أن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، الذي تحدث للصحافة الأجنبية في القدس بعد انتخابات بيرزيت، قال: "أتمنى على الله أن يقوم بعضكم بدراسة أثر  تصريحات نتنياهو على تفكير الشباب الفلسطينيين". وأضاف: "لن نخسر بيرزيت فقط، ولكننا سنخسر الكثير من الأشياء".