كتاب عربي 21

وكان التعلُّم هو الخيار الخطأ

1300x600
سئلت مؤخرا خلال حوار أجرته معي قناة تلفزيونية سؤالا افتراضيا، عما كنت سأفعله لو عادت بي عقارب الزمن إلى مرحلتي الطفولة والشباب، فقلت في ما قلت إنني لا أشتهي العودة إلى مرحلة الطفولة، التي لا أذكر منها سوى الخوف من العقارب والتماسيح، في النيل والجن الذين كانوا يتخذون من أشجار كثيفة قريبة من بيتنا "قيادة قطرية"، وبعبارة أخرى فإذا كان الأمر يتعلق بالعودة إلى الطفولة، فأقول "شكر الله سعيكم، واتركوني في حالي".

أما عن مرحلة الشباب، فهناك أشياء كثيرة كنت سأفعلها لو عادت السنوات القهقرى (لو كان ذلك ممكنا، وهو غير كذلك)، وأولها ترك مقاعد الدارسة وادعاء القداسة! ففي السودان لا سبيل أمامك للحصول على منصب كامل الدسم، ما لم تكن منضويا في تنظيم سياسي، ولكن "الانضواء" وحده لا يكفي لنيل مثل ذلك المنصب، فالأحزاب التي تسيطر على مقاليد الأمور عندنا، يقودها أناس يقال إنهم من ذوي الكرامات والبركات الوراثية، الذين يأتون الخوارق (هذا رغم أن قدراتهم تلك لا تتجلى أبدا عندما يطيح بهم العسكر).

وأعرف من أعماق تجاويف قولوني، أنني ابن عائلة "لا راحت ولا جاءت، ولا تحل ولا تربط"، ولكن من السهل الحصول على خبير في علم النباتات، يزرع شجرة عائلة قد تنتهي بشخص مثلي عند ابن خلدون مثلا، فيصبح في مقدوري الزعم بأنني من سلالة مباركة، وتنفتح أمامي أبواب الوزارات والهيئات شبه المستقلة التي لديها ميزانيات خاصة، لا تخضع للمراقبة المحاسبية، وأرجو من القارئ ألا يتشطر ويصيح: ولكن ابن خلدون لم يزعم أنه من أصحاب البركات أو أن عائلته "مباركة"! هذا صحيح، ولكن المواطن العادي الذي يساق الى صناديق الاقتراع لا يعرف ذلك، بل إن 95% من أبناء عالمنا الثالث عشر هذا يعتبرون كل من مات قبل 500 سنة أو أكثر "مثلاً  أعلى"!!

طيب ولماذا ترك مقعد الدارسة؟ بسيطة: لأن التعليم يعوق الطموح ويقتله، وكما يقول المثل الخليجي "من سبق لبق"! ما حاجتك الى تعليم جامعي وغيرك يترك مقعد الدراسة وهو مسلح بالكاد بشهادة "نحو الأمية"، ويصبح بطلا أولمبيا، يقفز بالزانة من منصب إلى آخر، وعندما تكمل دراستك الجامعية تضطر إلى الوقوف أمامه مستجديا وظيفة، فيعتذر بأدب جم لأنك تفتقر إلى الخبرة والدراية، ولا تستطيع أن تقول له: يا ابن قُراد الخيل، وهل أعجز أنا عن اكتساب الخبرة والدراية التي تحسب أنك تحوزهما؟

وبصراحة فقد شرعت أكثر من مرة في التخطيط لطرح نفسي في الساحة السياسية السودانية بوجه عصري، فطالما أن احتمالات قبولي من قبل الرأي العام ك"سيدي" ضعيفة، لأن ذلك اللقب محتكر لبيوتات معروفة فقد فكرت في دخول المعترك السياسي الطائفي ك "سي. دي. أبو الجعافر"، CD   تقاس بركاته بالميغابايت والغيغابايت.

ولو لم أنجح في استنبات شجرة عائلة مقنعة تكفل لي المنصب والوجاهة، لعملت مطربا، فصباح الشحرورة الراحلة غنت منذ حفل تنصيب هتلر مستشارا لألمانيا، وحتى تنصيب أبوبكر (البغدادي) وسافرت جوا وبرَّا وبحرا من بلد إلى آخر، وفرشوا تحت أقدامها الدولارات، ولو دخلتُ ميدان الغناء (لا قدّر الله) لربما كان البعض يهيم اليوم بجعفور الشحرور (للضرورات الفنية أحكام، واسم جعفر عباس لا يصلح إلا على واجهة مطعم أو دكان حلاقة). وربما لا هذي ولا تلك، فقبل سنوات وقبل أن يشك الغرب في أننا حاملون وناقلون لفيروس الإرهاب، كان من السهل الحصول على حق الإقامة في بلد أوربي، أو  في الولايات المتحدة، ولو كنت أتحلى بأي قدر من بعد النظر لأدركت في سن الشباب أن الجزء الذي أعيش فيه من العالم، يعيش على سنام الذاكرة، وأن من يفعل ذلك يتقدم بالضرورة الى الخلف بخطوات مدروسة، ولهاجرت إلى الغرب ثم عدت خبيرا أجنبيا ذا وزن وحيثية!

طبعا المشكلة التي كانت ستواجهني كخبير أجنبي هي "اللون" و"الاسم"، فالخبير الأجنبي لا يمكن ان يكون من السود، ولا يعقل ان يكون اسمه جعفر، ولكن مشكلة الاسم بسيطة: جيفري قريبة من جعفر. طيب، واللون؟ مايكل جاكسون كان أكثر مني سوادا ثم اكتشف نوعا ممتازا من ورق السنفرة فصار من البيض، واستخدم براية أقلام (مبرأة) وصار أنفه حجازيا، وأذكركم بأنني أول من أثبت أن نظرية داروين المسماة "النشوء والارتقاء"، جاءت مقلوبة، مستشهدا بالتحولات التي مر بها مايكل جاكسون من رجل اسود الى كائن شبه أبيض، لا هو ذكر ولا هو أنثى ومثبتا، ان الناس خلقوا في أحسن تقويم، ثم ارتد بعضهم إلى المرحلة القردية ومن ثم كان اسم نظريتي "النشوز والارتخاء".