كتاب عربي 21

الشعب السوري في أحضان الذئاب

1300x600
المتابع للتطورات السياسية على الساحة السورية، قادر تماماً على ملاحظة التغير الكبير في اللهجة الدولية، وبخاصة الأمريكية منها. 

فنبرة واشطن في خطاباتها الأخيرة المتعلقة بالشأن السوري، تبدو أكثر جدية وقلقاً إزاء إيجاد مخرج سياسي للصراع بين النظام والمعارضة، والهدف الرئيسي حسب ما يبدو، يتلخص في تذليل العقبات كافة، التي تعترض قوات التحالف في مواجهتها تنظيم الدولة.

خلال أيام قليلة ومتتابعة، ظهرت تصريحات لأوباما وهيغل وكيري وديمستورا، فمن الواضح أنه تم أخيراً الخروج بخيار للشعب السوري الذي -وحسب تصريح كيري الأخير- كان معدوم الخيارات في الفترات السابقة، فإما النظام الديكتاتوري المستبد أو تنظيم الدولة الإرهابي، ولكننا لا نتفق مع كيري في هذا إطلاقاً؛ فالشعب السوري كان ومازال لديه العديد من الخيارات والبدائل، ولكنها وبكل وضوح ليست بالمقنعة ولا بالمرضية للجانب الأميركي، والشعب السوري مدرك تماماً لماذا هذه التصريحات وفي هذا التوقيت بالذات، وما الذي تسعى إليه الإدارة الأميركية من أهداف للمرحلة القادمة. 

فتجربة أربع سنوات مع المواقف الأمريكية والدولية، أكثر من كافية ليفهم السوري ويدرك ماذا وراء تصريحاتهم ومبادراتهم ومواقفهم وحتى إغاثاتهم ! وبالتالي يعرف كيف يتخذ المواقف المناسبة منه.
  
فها هو ديمستورا يستعرض مواهبه السياسية في اقتراحات ملونة بمصطلحات الرغبة في السلام والأمن والاستقرار، وإنهاء العنف، والتوصل إلى حل يرضي الشعب السوري المعذب. 

وأما أوباما فيكتشف "أخيراً" أن بقاء الأسد معرقل مهمة القضاء على داعش

و بالنسبة لهيغل الذي كان يبدو متردداً في وقت سابق حول أهمية التدخل ضد النظام السوري، الذي اعتقد قبلاً أن الإطاحة بالأسد لا تعتبر ضمانة لإضعاف التشكيلات الجهادية في سوريا حسب تصريحه لواشنطن تايمز، نراه اليوم يشد على يد أوباما، و يقول إن الأسد هو من خلق الفوضى في سوريا، وهو المستفيد من ضربات التحالف التي تشن ضد داعش على الأراضي السورية. 

وهنا يهمنا التوقف عند قول روبرت فورد: "لقد بتنا نقوم بدور القوات الجوية للأسد". 
 
والسؤال الذي تجاهلت الإدارة الأميركية طرحه على حكمائها ! هل حقاً اقتنع الشعب السوري بأن هذه المهازل من التصريحات المترددة  والمتناقضة، وهذه الاستراتيجيات الناقصة، والمبادرات المجحفة، هي نتيجة الأوضاع المعقدة والصعبة في سوريا، ونتيجة التطورات غير المتوقعة لنتائج ضربات التحالف؟

والأهم من ذلك، هل يجوز لقوات التحالف الدولي شن عملياتها العسكرية على الأراضي السورية دون أن تكون ضامنة للنتائج التي تدخلت لأجلها ؟

من واجب الإدارة الأميركية التوضيح، ومن حق الشعب السوري أن يسأل من سيدفع ويتحمل مسؤولية هذه الاستراتيجيات الفاشلة، التي أدت إلى تعقيد الصراع على أراضيه أكثر؟ 

فتنظيم الدولة يزداد قوة وعنفاً، ويتمدد أكثر وأكثر في الأراضي السورية من جهة، وقوات الأسد تعيد سيطرتها ونفوذها وتستعيد عافيتها شيئاً فشيئاً. كما أدت الاستراتيجية الأمريكية البريئة إلى اختراق قوات الحر وقوات المقاومة الشعبية الوحيدة على الأرض وتجزئتها، بحيث تفقد الكثير من قوتها وتوازنها، مما زاد الصراع سوءاً وتعقيداً، ودموية. 

ونحن بكل تأكيد لا نؤمن بهفوات الإدارة الأمريكية التي تدرك إلى أين ستؤول الأوضاع عندما يتعلق الشأن بالأحوال السورية، وخصوصاً أننا نعلم جيداً بأن حلم طفلتهم المدللة إسرائيل أن تحكم من الفرات إلى النيل. 

من المفيد في هذه المرحلة من الصراع العودة إلى أهم الخطوات التي اعتمدتها الإدارة الأميركية، تمهيداً للتدخل على الأراضي السورية.
 
أولاً: طرح فكرة تمويل المعارضة المعتدلة، الذي كان السبب الأساسي في توتر الأجواء داخل فصائل المعارضة المسلحة التي كانت تحارب نظام الأسد، ولا هم لها إلا تطهير البلاد منه ومن شبيحته وأعوانه. 

ثانياً: دعم بعض الكتائب المسلحة بالكثير من الوعود والأماني، والقليل من الأموال والسلاح لكسب ولائها وخلق الفرقة والفتنة مع أخواتها على الأرض.
 
ثالثاً: القيام بعمليات اغتيال لأكبر القيادات العسكرية وأقواها بين فصائل المعارضة المسلحة، فهي تعلم تمام اليقين أثر غياب القيادات الناضجة في هذه المرحلة من الصراع.
 
رابعاً: تدمير العلاقات بين فصائل وكتائب المعارضة عن طريق إدراج بعض منها ضمن قوائم الإرهاب، مما يجعل أي تعاون معها أو دعم لها، تهمة يمكن أن تؤدي إلى لوائح التنظيمات الداعمة للإرهاب، وبالتالي الكثير من المضايقات والعقوبات الدولية. 

وهنا نود الإشارة إلى أن الأوضاع الميدانية للجبهات المقاتلة، تحتم التعاون بين الفصائل والكتائب المختلفة التوجه والرؤى في كثير من الأوضاع، مثل فتح معابر الإمداد لحماية الحدود وتأمينها، أو لصد هجوم، أو إغاثة المصابين وعلاجهم، أو إدخال المواد الإغاثية للمدنين في المناطق المنكوبة التي تعاني من الحصار. 

خامساً: قرار الإشراف على انتقاء المعارضة المعتدلة، ومن ثم التخلي عن الفصائل كافة، بحجة الانتماء إلى حركات وتنظيمات مشبوهة، ومن ثم البحث عن شباب صغير من المخيمات لتجنيده، بحكم أنهم خارج الشبهات، وأخيراً الخروج بنتيجة أن لامعارضة معتدلة في سوريا يمكن أن تمول!

اليوم: أوباما يصرح ألا تدخل برياً في سوريا، إلا إذا تم التهديد بإمكانية وقوع الكيماوي في أيدي المتطرفين وقوات تنظيم الدولة! 

وكان الأسد قد كشف في وقت سابق، عن وجود سبع منشآت كيماوي لم يتم التصريح عنها لبعثة المفتشين الدوليين، وبالتالي لم تتلف بعد. 

فهل هي عملية تمهيد لإعلان سيطرة تنظيم الدولة على منشآت للكيماوي؟ وبعدها تعلن القنوات الفضائية أنباء من البيت الأبيض تفيد عزم أوباما إلقاء كلمة في الساعات القليلة القادمة، تتضمن مستجدات الصراع في سوريا  وتسريبات تقول عن نيته إرسال قوات برية للقتال داخل الأراضي السورية للقضاء على داعش، ومن ثم تقديم سوريا على طبق من ذهب إلى إسرائيل بحكومة ظاهرها وطني وعقلها صهيوني ؟! 

حقيقة نحن نتوقع هذا السيناريو في المرحلة القادمة. 

ولكننا ندرك تماماً بأن تنظيم الدولة لن يعلن مثل هذه الأنباء، إلى أن يتهيأ أوباما جيداً، وينهي استعداداته للمرحلة القادمة؟