مقالات مختارة

لا يزال العراق يواجه الأخطار نفسها

1300x600
كتب سركيس نعوم: يحتاج اللبنانيون إلى مواقف سياسية من زعمائهم وتياراتهم وأحزابهم تطلعهم على حقيقة الأوضاع في بلادهم والمنطقة. ويحتاجون أيضاً من إعلامييهم على اختلاف "مشاربهم" إلى معلومات دقيقة وصحيحة وغير جزئية، إذا تمكنوا من ذلك، مرفقة بتحليلات لها غير نابعة من هوى وبعيدة من البروباغندا. لكنهم لا يجدون في سياسييهم من يلبي حاجتهم المشار إليها. ولا يجدون من غالبية إعلامييهم من يلبي الحاجة نفسها.

في أي حال، وتلافياً للوقوع في التنظير، يمكن إيراد أمثلة من المواقف السياسية والتحليلات الإعلامية غير الصائبة كي لا نقول المضلِّلة التي تؤكِّد الحاجتين المشار إليهما أعلاه. وأهم ما وقعنا عليه أمس كان الآتي: "ما كان ليعود العراق إلى شيء من وحدة الموقف لإنقاذ الكيان لولا إسقاط ديكتاتورية المالكي القائمة على التعصُّب المذهبي". أما غير الصائب أو غير الصحيح في هذا الموقف فأبرزه الآتي:
1-لا تزال الحكومة التي خلفت حكومة نوري المالكي في مستهل عملها وتشكيلها لم يستكمل بعد، والحقائب غير المشغولة حتى الآن سيادية ومهمة، وهي التي ستؤكد ما إذا كان "شيء من وحدة الموقف لإنقاذ الكيان" العراقي سيتحقق أو يغيب.

2-إن الذي خلف المالكي في رئاسة الحكومة ينتمي إلى "حزب الدعوة" نفسه الذي ينتمي إليه سلفُه. والاتهامات المذهبية في العراق المقسّم طاولت الحزب كله، إذ دعم الذي يُتَّهم اليوم بالديكتاتورية مدة ثماني سنوات، ولم يُلقِ بالاً في صورة عملية لأي مطالبة أو احتجاج من المكوّن العراقي المقتنع بأنه يعيش تحت سيطرة مكوّن آخر مارس حياله كل أنواع الشدة والامتهان، فضلاً عن أن المالكي اليوم هو نائب لرئيس الجمهورية. ولو كان المكوّن الذي ينتمي إليه مقتنعا فعلاً بقسوته واستهتاره ومسؤوليته عن "انفراط العراق" خلال ولايته لكان أبقاه في بيته على الأقل. علماً أن الدول الجدية تعامل من يتحمّل مسؤولية كهذه من مسؤوليها بطريقة مختلفة.

3-أظهرت ردود الفعل على اجتماع جدة لمكافحة الإرهاب "الداعشي"، ثم على التحالف الدولي الذي اجتمع أركانه قبل يومين في باريس، أن العراق لا يزال بعيداً من الاطمئنان والاستقرار. فالسيد مقتدى الصدر لم يعترض على الغارات الجوية لأميركا على "داعش" في العراق، لكنه رفض التحالف معها ونزول قوات لها على أرض بلاده. وسياسيون آخرون، ومعظمهم من مكوّن واحد، شاركوا في انتقاد أميركا ورفضها. وبعض هؤلاء يصرّ على أن يتولى الجيش الذي تسبَّب "داعش" بانهياره وضربه وإخراجه من المنطقة واحتلاله إياها، وهي للمناسبة "كيان" مكوّن عراقي آخر، وحده عملية إخراج "داعش" منها. وهذا أمر يرفضه غالبية أبناء المنطقة لأنه يسمح بتكرار السيطرة المذهبية عليهم بواسطة الجيش، ويطلبون بدلاً منه تشكيل وحدات حرس وطني من أبنائها لحماية أمنهم. وهذا موقف لا يعكس وحدة جدية في المواقف على الأقل داخل العراق. طبعاً قد يكون رئيس الحكومة الجديدة حيدر العبادي "أفضل" كشخص من سلفه المالكي. لكنه ليس الحكومة التي تضم، مع مؤسسة رئاسة الجمهورية ومؤسسة رئاسة مجلس النواب، معظم "طرابيش السياسة السنّية والشيعية والكردية" في العراق.
واختلاف هؤلاء ينهي الحكومة مباشرة ويُعيد أجواء الاقتتال في سرعة.

4-صحيح أن إيران تلقّت ضربة قوية في العراق. لكنها لا تزال قوية فيه وقادرة، بواسطة المكوّن المتحالف معها وربما مع آخرين من أصحاب المصالح، على "عرقلة" ضرب "داعش" رغم خطرها عليها، وذلك بغية إقناع زعيم التحالف أميركا أن من دونها ستصادف الحملة صعوبات كثيرة.

لماذا الاستشهاد بكل ذلك؟
للقول للسياسيين والإعلاميين أصحاب الموقف المُشرَّح أعلاه إن القسم الثاني منه الذي يقول: لا بد من إسقاط بشار الأسد مثلما أُسقِط المالكي بغية الانتصار على "داعش" الذي يربط بين وضعي الرجلين ليس في محله. فإسقاط الأسد ربما يساعد في إنهاء "داعش" وفي إقامة سوريا جديدة طبعاً بعد مخاض صعب. لكن إسقاط المالكي الذي قد يسقط "داعش" لا يساعد في إقامة عراق جديد ومستقر. والاستشهاد هو أيضاً لـ "طمأنة" اللبنانيين أن الأسد قادر على خربطة أوضاع لبنان، وسيستمر في ذلك كلما رأى حاجة له فيه وخصوصاً في ظل اقتناعه بأن مستقبله كنظام لم يعد مضموناً، تماماً مثلما لم يعد مضموناً مستقبل سوريا غير المفككة.