كتاب عربي 21

السيسي رئيسا. . ثم ماذا بعد؟

1300x600
لا جديـد في الأفق يُذكر،  فمجيء السيسي رئيسا ليس حدثا فارقا في صحيفة الانقلاب الذي كان في واجهته "السيسي" كشخص بينما يقف خلف هذا الانقلاب مجهودات فسيفساء كبيرة من دول إقليمية وجماعات المصالح الداخلية وتكتلات الطائفية كما كان الترس الرئيسي في عملية الانقلاب أجهزة الأمن (الدولة الأمنية). .  وهذه الدولة تحكم منذ الثالث من يوليو والسيسي هو الواجهة والممثل لتقاطع مصالح الجميع،  وبالتالي لفهم مستقبل السيسي في السلطة يكفيك مد خطوط مصالح المؤسسين للانقلاب لتعرف أين ستسير به المراكب.  

يعتمد برنامج السيسي الذي هو انعكاس لرغبات الثلاثي (دول الخليج - الغرب - جماعات الداخل) على ثلاث محاور أهمها ( الاقتصاد - الإسلاميون - الدور الإقليمي)،  ومن خلال هذه المحاور يسعى السيسي كونه "سفيرا لهذه المنظومة لتحقيق تطلعات من أتوا به على رأس الدولة،  وهذه هي الفواتير المطلوب سدادها ويعلم السيسي جيدا أنه بدونها يمكن أن يتكرر معه سيناريوا مبارك أو "مرسي"،  كون أن الأجهزة الفاعلة في عملية تباديل وتوافيق الرؤساء في المنطقة أكبر من أن تخضع لسلطة شخص،  ولا يمكن إلا أن يكون الشخص ممثلا لمصالحهم وإلا تم استبداله والجميع في دوائرهم يعي ذلك جيدا ويسعى جاهدا لأن يكون ممثلا جيدا لأحد أطراف القوة كي يضمن استمراريته!. 

أما في الاقتصاد، فالسيسي يعد مبعوثا من البنك الدولي لمصر لإنجاز عملية "التحول الهيكلي" في الاقتصاد المصري والتخلص من بقايا "الاشتراكية" في الدولة لصالح النظام "النيوليبرالي" بشكل كامل مما يعني الرفع الكامل للدعم عن السلع الأساسية والمحروقات وهذا بدأ فعليا في عهد عدلي منصور بقرارات خفض الدعم في الموازنة العامة،  كذلك خفض القدرة التدخلية للدولة في الاقتصاد وتوظيف "الجيش" كونه يملك القطاع الأكبر من أراضي الدولة واقتصادها للعب دور موازي للدولة ومتحرر من رقابتها القانونية والإجرائية لتمرير صفقات بيع كبرى لمسثمرين أجانب ومحليين أغلبهم من منشئي الانقلاب ومموليه سابقا وهذه أحد فواتير السداد التي تنتظر السيسي،  وهذه العملية تعد أحد أهم المسامير في نعش السيسي إذا شابها أخطاء في التنفيذ.  

أما بالنسبة للإسلاميين..  فالسيسي أحد أهم وكلاء التوجه الاستراتيجي الجديد للغرب ووكلائـهم المحليين مثل (الرياض وأبوظبي وعَمَّان ) في اعتبار "الفكر الإسلامي السياسي" وتنظيماته العدو الجديد والخطر الواجب محاربته،  فبعد الاستراتيجية الأولى للولايات المتحدة وحلفائها في تقسيم الإسلاميين إلى معتدلين ومتطرفين وإعلان الحرب على التطرف في حين إتاحة الفرصة لتمكين "المعتدلين" من  حكم دولة كتركيا في بداية الألفية الثانية كانت الحرب على إسلاميي أفغانستان قد بدأت فعليا،  ولكن الاعتقاد الذي ساد لاحقا أن الإسلاميين وإن اختلفوا فهم يشكلون مظلات نمو لبعضهم البعض وبالتالي كان التوجه الجديد هو اجتثاثهم وهو ماحدث في انقلاب مصر ومحاصرة أردوغان وتقليم أظافر النهضة والانقلاب الناعم على حماس مؤخرا ومواجهة إسلاميي ليبيا،  وبالتالي فالسيسي هو أحد أهم الأدوات الإقليمية لهم وهو يضغط شرقا على حماس وغربا يدعم انقلاب حفتر وربما يشارك فيه.  

لكن العملية الأهم والأكبر للسيسي هي تقليم أظافر إسلاميي الداخل،  فأغلب التنظيمات الإسلامية وتصوراتها نشأت من داخل البيئة المصرية وبالتالي يجب على السيسي وفق رؤية داعميه أن ينهي سريعا الوجود "الاجتماعي" و"السياسي" و"الفكري" للإسلاميين عبر مواجهة أمنية وفكرية وسياسية واعلامية يتم فيها عزل وتهميش الإسلاميين ومنعهم من أي دور إجتماعي أو فكري أو سياسي وفق استراتيجية متدرجة. 

أما عن الدور الإقليمي..  فالسيسي كما أسلفنا هو وكيل إقليمي ودولي وبالتالي يضطلع بدور إقليمي في توظيف الجيش المصري في عمليات اشتباك مباشر مع إسلاميي ليبيا أو تدريب لمليشيات تواجههم والقيام بعمليات الدعم اللوجيستي لهم،  كما ستقود مصر عمليات إعادة "التطبيع" في صورتها الجديدة بعد انهاك خصمها الرئيسي "الإسلاميون"، وتدجين خصمها الآخر القوميون تحت لواء معركة "الإرهاب" مما يضعف الممانعة العربية للتطبيع ويُخرج التعاون المُشترك فيها للعلن،  وبالتالي فستقود مصر حملة التطبيع الثانية عبر رعاية شكل من أشكال الحل النهائي في فلسطين والأمر الآخر استمرارية تقليم أظافر الإسلاميين مما يعني إضعاف الممانعة العربية للتطبيع وإيجاد مجال تعاون أمني حقيقي مع الكيان الصهيوني كونه متضرر من الإرهاب الإسلامي كما بقية الدول ! 

لا يعني كل هذا في النهاية إمكانية نجاح المخطط أو حتى حدوثه كون أن تحديات الواقع أصعب بكثير من طوبيا الخطط،  لكن هذه حقيقة التوجهات والتطلعات المعول أن ينجزها الانقلاب وزعيمه !