كتاب عربي 21

الوقوف مع ما تبقى من الدولة في ليبيا هو الحد الأدنى من الحياد الديبلوماسي

1300x600
أجرى رئيس الجمهورية محمد المنصف المرزوقي يوم 19 مايو الجاري مكالمة هاتفية مع رئيس المؤتمر الوطني العام الليبي نوري ابو سهمين.

تلى ذلك بلاغ تضمن أول موقف رسمي تونسي مما يجري في ليبيا كان كما يلي: "أكد رئيس الجمهورية في هذه المكالمة وقوف تونس إلى جانب الشعب الليبي في وجه كل التهديدات الموجهة ضد مؤسساته الشرعية، مجددا دعوته لكل الفرقاء لحوار وطني يحفظ إرادة الشعب الليبي ويقوده إلى إنجاز اهدافه في الأمن والاستقرار والتنمية والديمقراطية".

في سياق الحملة الروتينية عليه، اتهم البعض الرئيس بأنه "تسرع"، وبأنه لم يكن "على الحياد" و"دعم أطرافا دون أخرى"، وبأنه "انحاز للميليشيات".

بالنسبة لهذا الطرح فإن المؤسسات المنبثقة عن آخر انتخابات حرة ونزيهة أي المؤتمر الوطني العام والحكومة المنبثقة عنه بما في ذلك رئاسة أركان الجيش ليست إلا "طرفا"، ولا تمثل الدولة الليبية.

بالنسبة لهذا الطرح، فإنه إذا قرر لواء ليبي متقاعد في بنغازي، خليفة حفتر، أن يقود ميليشيات مسلحة لعملية عسكرية فيها ذلك كاف أن يجعله "طرفا" على قدم المساواة مع المؤسسات الوحيدة المنبثقة عن انتخابات. بالنسبة لهذا الطرح، أيضا، فإنه إذا سمى الأخير ميليشياته "الجيش الوطني الليبي"، فإن ذلك كاف لاعتباره فعلا كذلك، وأن "الشرعية" في امتلاك السلاح مستمدة ليس من صفته المؤسساتية بل من أجندته السياسية، مادام يحارب اسلاميين فذلك كاف لمنحه "الشرعية".

الجدال التونسي في حقيقة الأمر حول الوضع في ليبيا هو امتداد للجدال الداخلي. في الجوهر هو امتداد للجدال حول الشرعية المؤسساتية في المرحلة الانتقالية، ليس في ليبيا، بقدر ما في تونس. وهو جدال في الأساس وفي النهاية حول أنه إذا كان هناك وجود لأي نوع من الإسلاميين في الدولة فإن ذلك ينزع عنها آليا شرعيتها، بمعزل عن حصول الانتخابات من عدمه، وأن الجريمة هي وجود إسلاميين في العملية السياسية ذاتها.

وفي النسخة اليسارية الاستئصالية من هذا السيناريو، إضافة جمل من نوع أن "الإخوان" هم "عملاء الصهيونية والامبريالية"، وأدوات تنفيذ المؤامرة "القطرية-التركية"، وهذه التوصيفات وحدها تنزع عنهم أي شرعية من أي نوع بما في ذلك شرعية الوجود ذاته.

وبشكل عام ما يهلل له بعض التونسيين في ليبيا هو ما أرادوا أن يحققوا حتى بعضه في تونس، لكن لم تساعدهم موازين القوى في ذلك.

لنبدأ ببعض الأبجديات، لتفكيك حالة التزوير في تحليل الوضع الليبي عموما من زاوية بعض النخبة السياسية والاعلامية في تونس.

أولا، بالنسبة للبعض "لا توجد في ليبيا دولة" وهذه حجة مركزية للدفاع عن اي محاولة انقلاب عسكري فيها، فسلطة عسكرية افضل من اللاسلطة نظريا.

هذه مبالغة بلاغية مقبولة، لكنها طبعا بعيدة عن الدقة. هناك معايير واضحة لـ"الدولة الفاشلة"، والصومال على سبيل الذكر لا الحصر تجسيد بين لها. في ليبيا الدولة ضعيفة فعلا لكنها لم تصبح بعد دولة فاشلة: هناك عاملين في الاخيرة غير متوفرين بعد، الفش الكامل في تقديم الخدمات العامة والعجز عن تمثيل الدولة في المجموعة الدولية.

في المقابل ليبيا يمكن ان تتحول الى دولة فاشلة اذا استمر الوضع الحالي وتفاقم خاصة في عدم سيطرة الدولة على اراضيها واحتراب ميليشيات مسلحة فيها.

ثانيا، الصراع في ليبيا ليس بين "الميليشيات" ممثلة للاسلاميين و"الجيش الوطني" ممثلا للعلمانيين.

ذلك اسقاط مصري-تونسي رديئ. سوق "الميليشيات" من الوان مختلفة، فيها "الاسلامي"، فيها "الجهادي" والارهابي، وفيها "العلماني" و"الوطني". هي سوق متنوعة.

من المهم هنا التذكير بامر اساسي وهو ان الوضع الراهن ليس مسؤولية حكامها الجدد راسا بل ميراث مباشر عن نظام القذافي. اذ من اكبر الاوهام الراهنة ان "الجيش الوطني" تفكك مع سقوط النظام وقدوم الاسلاميين. القذافي اقام نظامه على تفكيك المؤسسات، وعندما حارب ثورة 17 فبراير قرر ان يفعل ذلك من خلال "كتائب" يقودها ابناؤه على اساس تحالف قبلي. الثورة في ليبيا لم تقم بتحويل الدولة الي ميليشيات، هي ببساطة تأقلمت مع وضع قائم للدولة-الميليشيا.

محاولة بناء جيش رسمي بدأت سنة 2012 اي عندما كان على رأس الحكومة علماني، وعليه تشكلت رئاسة اركان. الكتلة الاساسية للجيش صغيرة وفي محاولة لدمج "الميليشيات" او قوات "الثوار" فيه اتت فكرة "قوات درع ليبيا".

من الواضح ان هذه الخطة لم تنجح. وللتلخيص الصراع الان هو في جزء كبير منه بين هاته الاجنحة. من جهة اولى هناك النواة المحترفة المرتبطة مباشرة بوزارة الدفاع وممثلة في "رئاسة الاركان العامة للجيش الليبي" وهي قيادة متكونة من عسكريين محترفين، لا يعرف عنهم انهم اسلاميون، اصدرت بيانا تلاه رئيس الاركان في 18 ماي الجاري عبد السلام جاد الله العبيدي عارضت فيه الانقلاب بقدر ما عبرت عن عزمها مقاومة الارهاب.

من جهة اخرى فان الاجنحة الممثلة لـ"لقوات الدرع" والتي تتلقى اجورها من وزارة الدفاع منقسمة. "الميليشيات" التي يقودها اللواء المتقاعد حفتر في بنغازي انضمت اليها "القوات الخاصة" المعروفة باسم "الصاعقة" المتمركزة في المدينة مع القوات الجوية فيها.

بالاضافة الى ذلك انضمت اليها قوات تتبع "الزنتان" ("القعقاع" و"الصواعق" و"المدني") والمتركزة بين الجيب الجنوبي لطرابلس تحديدا حول وفي المطار الدولي، ومدينة الزنتان.

في المقابل فإن بقية القوات التابعة للدروع، في بنغازي وطرابلس مثل كتيبة 17 فبراير وغرفة الثوار، أو خاصة الدروع الوسطى الاقوى عددا وتسليحا ممثلة لعدد من مدن الوسط اهمها مصراتة، فهي تقف مع شرعية المؤتمر الوطني العام.

الملخص هنا ان الحديث على أن حفتر يقود "الجيش الوطني" ليس امر وهمي بل ايضا يخفي ان حفتر نفسه على راس "ميليشيات" بعضها منشق عن وزارة الدفاع وبعضها خارجها اصلا.

ثالثا، الجماعات "السلفية الجهادية" من "أنصار الشريعة" في بنغازي خاصة و"مجلس شورى المجاهدين" في درنة وغيرها هي غير معنية بالعملية السياسية اصلا وهي معادية للمسار الانتقالي الديمقراطي، والمؤتمر الوطني العام بما في حزب العدالة والبناء الاسلامي، وحفتر، وبالتأكيد التيار "الليبرالي".

باختصار معادية للجميع. ومما لا شكل فيه ان احد الاسباب الرئيسية للجاذبية النسبية التي لقيها اللواء حفتر في محاولته الثانية للانقلاب (اثر الانقلاب التلفزيوني في فيفري) هو ضعف اداء الدولة في مواجهتها، وربما عدم عزمها الحسم معها.

ومن المتوقع ان يجد حفتر دعما ضمنيا، خاصة امريكيا مثلما هو واضح من تصريحات السفيرة الامريكية، بما ان هذه الجماعات مسؤولة مباشرة عن استهداف الولايات المتحدة، خاصة بعد اغتتيال السفير الامريكي في سبتمبر 2012. بيد ان ما يعقد خصوصية وضع هذا النوع من التنظيمات في ليبيا انها لم تطرأ عليها بعد الثورة بل انها ساهمت في الاطاحة بالقذافي وهذا يجعلها في موقع قوي في بعض المناطق ليس من السهل مواجهتها.

رابعا، الاطراف الاقليمية والدولية المؤثرة في الوضع في ليبيا لا تتوقف عند المحور "القطري-التركي". هي تمتد ايضا للمحور "الاماراتي-السعودي"، ومما لا شك فيه فإن الجار المصري والذي يجسم نموذج انقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي موجود بقوة. باللاضافة الى الاطراف الدولية بما في ذلك الثلاثي الامريكي-البرريطاني-الفرنسي. ضعف الدولة في ليبيا يجعلها بلا شك مجال تأثير وتجاذب اقليمي ودولي من أكثر من جانب، وليس هناك "ميليشيات" ترفض الدعم الاجنبي "وطنية" واخرى "لاوطنية".

ان الخلاصة العامة من الثلاث نقاط اعلاه هي الاتية. الدولة ضعيفة وربما تسير الى حالة الفشل لكن ما تبقى منها وحده يمكن ان يكون نقطة انطلاق مسار اعادة بنائها. من الواضح ان القوات الموالية لحفتر غير قادرة على الحسم العسكري في بنغازي ذاتها، اين يوجد مركز ثقله، ولهذا توقفت المواجهات. والامر اكثر وضوحا في طرابلس حيث ان الدعم الذي يتلقاه متوقف الان على "الزنتان" في الطرف الجنوبي المعزول خاصة بعد دخول قوات "الدرع الاوسط".

السيناريو المصري مستحيل في ليبيا، والقذافي مسؤول عن ذلك من خلال تفكيكه لمؤسسة الجيش. وعليه فإن التمسك بالشرعية القائمة ودعمها بحد ادنى من التوافق السياسي من خلال حوار وطني هو الموقف الواقعي الوحيد. وهو الحد الادنى للحياد الديبلوماسي بالنسبة لتونس التي لا يمكن على كل حال ان تتفرج من بعيد. اذ لا نبالغ عندما نقول ان الشأن الليبي شأن داخلي بالنسبة لتونس، خاصة مع وجود حوالي المليوني ليبي على الاراضي التونسية.

لن أذيع سرا هنا إذا قلت أن رئاسة الجمهورية بادرت منذ أكثر من شهر بمساع في أكثر من اتجاه لإطلاق حوار وطني، وذلك بالتحديد لاستشراف الخطر الحالي وتدهور الأوضاع في ليبيا. أحيانا تكون الأزمة فرصة.

خاصة عندما يعي أطراف الأزمة عجزهم عن الحسم العسكري. سيأخذون وقتا للوعي بذلك ولكنهم عندما ينتهون إلى الوعي به لن يبق أمامهم إلا التوافق على قواعد اللعبة السياسية.

وبعدها فقط يمكن إجراء انتخابات. وعليه فإن إعلان تاريخ الانتخابات في 25 جوان بهدف تجديد الشرعية عبر الصناديق، لا يمكن أن يكون حلا إذا لم يحصل عليه توافق بين الأطراف الوازنة في الميدان. عدى ذلك فإننا أمام حالة صراع عقيمة وطويلة.