كتاب عربي 21

وقائع محاكمة سياسية للثورة

1300x600
لأعترف واقر من البداية وبدون لف أو دوران: قصرنا في تتبع قضايا شهداء الثورة وجرحاها ولم نمارس الضغط المستمر والكافي لنخلق حالة رأي عام موالي يسمح بنهاية منصفة وعادلة. كان الطرف الآخر، منسقو وقادة الثورة المضادة، أكثر تنظيما ونجاحا. لكن عندما شاهدنا جميعا النهاية البائسة للقضية الأخيرة لقتلة شهداء الثورة من خلال أحكام بيضت وجوه وسير ليس المتهمين فحسب بل نظاما كاملا بدت معظم الطبقة السياسية، باستثناء طبعا منهم أصلا في الضفة الأخرى، شبيهة لحالة "أهل الكهف". حالة الدهشة بل الصدمة الفاجعة هيمنت على الجميع. وهكذا حتى ممن كان معارضا لبن علي لكنه اصبح منذ فترة يتهكم على تعبيرات من نوع "الثورة المضادة" و"عودة النظام البائد" على أنها مجرد تعبيرات "ثورية"، قام على الفور بتبنيها وبشكل حماسي. لأن المحاكمة انتهت إلى محاكمة الثورة نفسها واعتبارها ثورة قامت "على وجه الخطأ" تحسس الجميع مسدس بن علي من جديد. 

ما من شك أن النقيصة الأساسية المميزة المحاكمة هي أنها لم تكن في اطار خاص مثلما كانت محاكمات النازية والفاشية والمجازر الجماعية الكبرى مثلما حصل في نورنمبارغ ومحاكمات روندا. كان لبن علي نصيبا من القمع والاغتيالات تحت التعذيب وبالرصاص الحي وحتى قبل الثورة بل حتى قبل تقلده الرئاسة سنة 1987 الذي يؤهله لدخول الأعمال القمعية لنظامه ضمن صنف "جرائم الحشود" (mass crimes). وبلا شك فان قانون العدالة الانتقالية والذي لم يتم إقراره إلا بعد ضغط متواصل وخاصة بعد كشف جزء من أرشيف رئاسة الجمهورية من خلال "الكتاب الأسود" لمنظومة بن علي الإعلامية يوفر هذه الأرضية الخاصة لكنه تأخر كثيرا وبدى خارج الموضوع في اطار المحاكمات القائمة. 
يبقى هذه مناسبة للتأكيد على أنه حتى في اطار المحاكمات القائمة خارج اطار العدالة الانتقالية فإن الأحكام كانت متناقضة وسياسية بالأساس لأنها تسائل الثورة ذاتها وتضع نظام بن علي ممثلا فعليا لدولة قانون ومؤسسات وليس نظاما قمعيا خارج القانون. لندقق في عدد من النقاط للمحاججة على ذلك.

أولا، من الناحية الكرونولجية تعهدت المحكمة العسكرية بقرار من السلطة المؤقتة وغير المنتخبة التي تلت مباشرة الثورة هذه السلطة التي كانت بالأساس استمرارا للمنظومة القديمة. لم يكن واضحا أن كانت الأدلة المختلفة سواء من تم احتجازهم ممن قاموا بأعمال تخريبية مباشرة اثر فرار بن علي والكثير منهم حسب محاضر قدمها الجيش من بين الأمنيين غير النظاميين وتم تسليمهم إلى الداخلية (وصفوا مجازا بالقناصة لكن بكل تأكيد كانوا من صميم المنظومة القمعية التي تورطت دائما وحتى النخاع في القمع الوحشي من صنف "الشبيحة" وخسرت السلطة) بالإضافة إلى محاضر وتسجيلات أخرى تخص قاعة العمليات المركزية في وزارة الداخلية خلال أحداث الثورة، لم يكن واضحا أن كان تم الاحتفاظ بها جميعا. من المهم التذكير هنا أن عديد التعيينات القضائية والاهم المراسيم تم إقرارها في هذه الفترة خاصة منها مرسوم جويلية 2011 والذي اعتبر فيه رئيس الحكومة آنذاك الباجي قائد السبسي (مؤسسة وقائد "حركة نداء تونس" الآن) ولأول مرة في تاريخ تونس أحكام القضاء العسكري أحكاما غير باتة في طورها الابتدائي، حيث أضاف الطورين الاستئنافي والتعقيبي.

وهو ما يعني أن طول المحاكمات يمكن أن يؤدي إلى تطورات مختلفة كلما بلغت طورا جديدا. واذا سلمنا بان الابتعاد عن زمن الثورة وهفوت حرارتها امر طبيعي عبر الوقت فإنه من غير الممكن عدم الربط بين هذا المرسوم الذي يطيل إجراءات محكمة عسكرية يفترض فيها الحسم السريع ورغبة مضمرة في المنظومة القديمة لتبرئة المتهمين ومن ثمة نفسها. أخيرا المحكمة العسكرية هي الأكثر قربا من السلطة التنفيذية ولو أن ذلك لا يعني أنها اكثر فسادا من القضاء المدني العدلي. الخلاصة هنا: محكمة عسكرية من ثمة استثنائية اقل استقلالية في المبدأ لكن بدون عامل الحسم السريع يجعلها تحت ضغط تلاشي بريق الثورة. المطلوب كان محكمة استثنائية مستقلة وحاسمة بشكل سريع.

ثانيا، في الطور الابتدائي، في سياق البريق الثوري، انبنى منطق المحاكمة ببساطة لدى معظم المتدخلين، من نيابة عمومية إلى الدفاع عن عائلات الشهداء بل اغلب محامي المتهمين مرورا بالقاضي، على مسلمة وجود "خطة مركزية" للقمع. هذه نقطة جوهرية وهي توصيف موضوعي للطبيعة السياسية لنظام بن علي وهي انه مبني على الرفض الفوري والمركزي لأي محاولات تمرد سياسي. هناك منظومة معقدة وممنهجة لتنفيذ ذلك مثبتة ومبرهن عليها بالوقائع عبر تاريخ الدولة المعاصرة. بن علي نفسه شاهد مباشر عليها من خلال مباشرتها مثلا في أحداث 26 جانفي 1978 عندما كان مديرا عاما للأمن الوطني، وتم تطبيقها بذات الشراسة الدموية في احدث جانفي 1984.

في الحالتين خلفت مئات القتلى. وتم إعادة تشغيلها في المواجهات مع الاسلاميين مباشرة قبل 1987 وبداية التسعينات. وهي تعني مركزة كاملة للقرار ضمن قيادات مركزية تعوض إلى حد كبير المحلية وتوجيه ضربات بلا رحمة تصل بسرعة إلى استعمال الرصاص الحي والقتل بشكل جماعي سواء بالرصاص بشكل مباشر أو عبر التعذيب في الإيقاف. تكرر ذلك بشكل إقليمي في أحداث الحوض المنجمي سنة 2008. وبلا شك ما حدث بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 كان تكرارا لذلك.
 
ثالثا، حتى قانون 1969 الذي يحدد كيفية التدرج في تطبيق العنف على "تظاهرة غير شرعية" يجعل ضوابط قوية قبل الوصول إلى اطلاق الرصاص الحي والاهم يركز على استهداف مناطق غير حساسة من الجسد. ورغم أن القانون تم التأسيس له ضمن عقلية استبدادية تضيق على حق التظاهر إلا انه حتى هو لم يتم تطبيقه ولا يمكن تطبيقه ضمن منطق "الخطة المركزية" القمعية الدموية التي تستوجب اغتيالا جماعيا حاسما بداعي الردع وإرسال رسالة واضحة عمن يحكم. وفق الوثائق العديدة التي قدمها المحامون في الطورين الابتدائي والثانوي فان "الذخيرة" التي تم التركيز في إرسالها من "المركز" أي العاصمة إلى الإقليم مثل القصرين كانت ذخيرة حية وليس "لينة" (قنابل مسيلة للدموع)

والاهم أن اطلاق الرصاص الجماعي لم يكن على الساقين بقدر ما كان مركزا على الرأس والصدر أي بداعي القتل. هذه قرائن واضحة على أن الاغتيال المباشر كان أداة أساسية في تطبيق "الخطة المركزية". 

رابعا، بناء على ما تقدم أعلاه وأقوال المتهمين التي أقرت بوجود خطة مركزية ومن ثمة ذات إشراف سياسي مركزي للقمع تم إصدار الحكم الابتدائي بالإدانة الواضحة رغم أن الأحكام لم تكن قاسية بما فيه الكفاية إذ لم تصل إلى الإعدام ولم تصل إلى المؤبد إلا في حالات نادرة. لكن ما حدث في الطور الاستئنافي أن المتهمين اصبحوا تحت قيادة واحدة لفريق من المحامين يترأسهم قيادي سياسي في حركة نداء تونس (نفس الحركة التي أسسها رئيس الحكومة الذي اصدر مرسوم جويلية 2011) وكان "محاميا للقصر" حسب تصريحاته زمن بن علي. تغيرت أقوالهم من الإقرار بوجود خطة مركزية إلى حالة تضامن داخلي تبرئ النظام من وجود خطة موحدة للقمع الوحشي وتبرئ فيها نفسهم من أي تورط في هذا الاتجاه. ورغم إصرار النيابة العسكرية على توجهها الذي قامت به في الطور الابتدائي وإعادة تقديم محامي عائلات الشهداء ذات وثائق الإدانة اختارت قاضي المحكمة أعاد "التكييف القانوني" للمحاكمة لينفي وجود خطة مركزية ويعتبر ما حدث ناتج عن أعمال فردية تحت الضغط لأعوان الميدان ومن ثمة أن التهمة الأساسية "القتل على وجه الخطأ". في حين انحصر جرم القيادات في انهم "تعاملوا سلبيا" ولم يبلغوا عما حصل. هذا القرار يحمل بالأساس تعريفا جديدا لنظام بن علي.

وهو انه نظام لا يولي أي اهتمام بالاحتجاجات الشعبية من ناحية القيادات السياسية والمركزية ويتركها للتصرف التلقائي العفوي للقيادات المحلية. وان الأخيرة فقط في اطار "الدفاع الشرعي" عند تهجم المتظاهرين تقوم بردة الفعل. نحن هنا بصدد تقدير سياسي من قبل القاضي يتمثل في اعتبار نظام بن علي نظاما ديمقراطيا لكنه يعتمد على قيادات أمنية محلية ربما غير كفؤة لكنها قامت بالدفاع عن نفسها أمام همجية الثوار. في نهاية الأمر هذه هي الرواية الرسمية لنظام بن علي نفسه عن نفسه. 

خامسا، من مفارقات الأحكام أنها اعتبرت بن علي نفسه مذنبا وأصدرت قرارا بالحكم المؤبد عليه. هذا يعني ببساطة أن بن علي القائد المركزي الأعلى مسؤول عن الرصاص الحي لعون امن محلي قام بشكل تلقائي بالدفاع عن نفسه. بن علي الهارب والذي لن تؤثر أي أحكام بالمؤبد على وضعه المباشر الحالي خاصة بعد أحكام سابقة عديدة ومماثلة يتحمل وحده وليس المتهمين من اعضائه السياسيين والأمنيين القياديين المسؤولين عن القمع ومن جهة أخرى يتحمل وحده عون الأمن المحلي المنفذ لإطلاق النار. نحن هنا، وفي هذه اللحظة اختار عبارات مهذبة تماما، إزاء مهزلة من الناحية التقنية القانونية ليس إلا. 

سادسا، وأخيرا، تزامن كل ذلك مع حملة إعلامية مركزة من قبل وسائل الإعلام خاصة المورطة في المنظومة الإعلامية لبن علي والتي فضحها بالتفاصيل "الكتاب الأسود" تبرؤ نظام بن علي وقياداته من المجزرة وتعتبر ما حصل ناتج عن "مرتزقة" أتوا من الخارج واحيانا أخرى "إرهابيين ملثمين" تسللوا وقاموا بالقتل بدون علم الحشود الأمنية والعسكرية التي تمت في حضورها المجازر.

هذه الكوميديا السوداء ترافقت مع ضغط ممنهج من قبل بعض النقابات الأمنية تدعو صراحة وبوضح إلى اطلاق سراح الأمنيين المورطين في الحكومات وتقوم بذلك في سياق بيانات تهديدية للسلطة السياسية (اهم مثال على ذلك بيان "النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي" بتاريخ 25 أكتوبر 2013). يضاف إلى ?لك ممارسات متواترة يقوم فيها بعض المنتسبين إلى هذه النقابات بالتهجم على محاكم واطلاق سراح منظوريهم بالقوة في حالة ما تم إصدار بطاقات إيداع في حقهم، آخرها حالة تخص عون امن قتل سائق سيارة في حالة هروب وهُرب العون بعد هجوم أعوان امن على المحكمة (محكمة سوسة 2 بين 14 و16 افريل الجاريين). 

الأحكام في نهاية الأمر، الاستئنافية منها المناقضة تماما للابتدائية، تضع الثورة ذاتها في قفص الاتهام وتعتبرها "ثورة على وجه الخطأ". وان المذنب هو الرأس الذي توجه نحو الرصاصات وليس العكس. بهذا المعنى كان بيان الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، منظمة حقوقية دولية اعتبارية، والذي وصف الأحكام بانها "سياسية" تعبيرا دقيقا عما حصل. الأحكام لا تتعلق بتقنيات القانون بل بالسياسة. هي رسالة بالضرورة بان المحاكمة الآن هي للثورة ذاتها. بهذا المعنى وفي هذا السياق فقط نفهم كيف أن اكثر المتشائمين من الخطاب الذي ركز على "الثورة المضادة" منذ عامين يصبح مقبولا منهم أي حتى من قبل من تحالف من المعارضة القديمة لبن علي مع قيادات ورموز المنظومة القديمة وبرر لعدم إقصاء الأخيرة وتجاهل خطرها المحدق على الانتقال الديمقراطي.