مدونات

الثورة اليمنية.. احتجاج على تغول الدولة أم غيابها؟

جمزة المجيدي
 
 يخطئ الكثير من المهتمين بالشأن اليمني في فهم طبيعة وتعقيد المشهد اليمني وإشكالاته الاجتماعية والسياسية، وينعكس هذا بشكل واضح في قراءتهم للثورة اليمنية ومآلاتها، ويعود سبب هذا الإشكال إلى عدم إدراك طبيعة المجتمع والسلطة في اليمن، فاليمن تشكل حالة فريدة من حيث طبيعة الدولة ومنظومة السلطات التي تمتلكها.

لم يكن في اليمن ثمة دولة بالمفهوم الفيبري الحديث، أي الدولة ذات السيادة المطلقة والاستئثارية على الإقليم والشعب والتي كذلك تحتكر العنف -أي السلاح -، حيث نازعتها بل وربما تفوقت عليها أيضا سلطة القبائل في المناطق ذات الطابع القبلي.

وقفت القبيلة حائلا دون بسط الدولة لمنظومة سلطاتها على القطر اليمني، واستطاعت أن تحافظ على سلطاتها وامتيازاتها في مواجهة الدولة بل إنها استطاعت أيضا أن تلعب دورا هاما في تشكيل النظام السياسي من خلال نفوذها في مؤسسات الدولة وفي الجيش على وجه الخصوص.

كل هذه الاعتبارات السابقة التي ذكرناها نريد من خلالها أن نصل إلى نتيجة واقعية، مفادها أن الدولة بالشكل السلطوي الذي تعرفه معظم الدول العربية لم يعرفها اليمنيون ولم يعانوا من تغولها في الشأن العام، وهنا يثور تساؤل هام: اذا لماذا شهدت اليمن ثورة في الأساس؟

من الواضح إذن أن الثورة لم تكن ضد تغول الدولة وسطوتها، بل كانت احتجاجا على غيابها ورغبة في إيجادها وتفعيل دورها ومؤسساتها خاصة بعد ما عاناه الشعب اليمني من ويلات الحروب الأهلية الطاحنة التي شهدتها البلاد في العقود الماضية، ولذلك نـجد أنه في الوقت الذي كان فيه ملايين الشباب العربي يصرخون في دمشق وطرابلس والقاهرة مطالبين بإسقاط الأنظمة السلطوية، كان الشباب اليمني يصرخ "الشعب يريد بناء دولة جديدة"
 
أدت الثورة إلى انهيار ما تبقى من منظومة الدولة المهترئة في الأساس وزوال كل آثارها، وسرعان ما طال هذا الانهيار مؤسسة الجيش، فانقسم الجيش بين مؤيد للثورة ومعارض لها، ولعب الانتماء القبلي دورا بارزا في تحديد الموقف السياسي من الثورة بالنسبة لقادة الجيش، فانحاز بعض قادة الجيش إلى معسكر الثورة فور انحياز قبيلة الأحمر -كبرى القبائل اليمنية- إليها بعد مذبحة الكرامة التي هزت الوجدان القبلي الذي لم يكن ليسمح أبدا بتمرير مثل هذه الجريمة الشنيعة أخلاقيا وعرفيا دونما موقف مبدئي، في حين وقف إلى جانب المخلوع علي عبدالله صالح وحدات الجيش التي يتزعمها أبناؤه وأقاربه كالحرس الجمهوري ونحوه.
 
وإزاء هذا الانقسام الخطير كانت البلاد على شفا حرب أهلية، وكان واضحا حينها أن توازن القوى بين الطرفين فضلا على أن طبيعة العلاقات القبلية التي تسمح بأشكال من التواصل والوساطات القبلية حتى في أشد أوقات القطيعة والخصام بين الأطراف المختلفة، وقفت كعوامل حالت دون الدخول في صراع أهلي عنيف وفتحت الباب أمام المبادرة الخليجية ودخول البلاد لمرحلة انتقالية.
 
وفقا للمبادرة الخليجية انتقلت السلطة من المخلوع إلى نائبه عبد ربه هادي منصور، الأمر الذي يعتبره كثير من المراقبين والحريصين التفافا على الثورة وأهدافها وإعادة لإنتاج النظام السابق، إلا وأنه بالنظر إلى كل ما ذكرناه وأوضحناه أعلاه من طبيعة السلطة في اليمن سواء قبل الثورة ثم التغيرات التي حدثت بعدها وأدت إلى تفكيك ما تبقى من منظومة الدولة فإن هذا القلق والحرص ليس له محل من الإعراب هنا، فمنصب رئيس الجمهورية الحالي الذي يشغله عبد ربه منصور ليس سوى مجرد منصب رمزي جاء ليحول دون وقوع صدام مسلح بين طرفي النزاع ويفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية.
 
تبقى الصعوبات الآن التي يواجهها أبناء اليمن في مدى قدرتهم على إدارة الملفات الشائكة  -التي تراكمت بفعل غياب الدولة في العقود الماضية وما نتج عنه من بروز مراكز قوى في شمال البلاد وجنوبها- عن طريق تفعيل نتائج الحوار التي توصلوا إليها مؤخرا، والحد من التدخلات الخارجية التي تعبث بأمن اليمن واستقراره، وبناء نظام سياسي يحظى على القدر الكافي من المشروعية الشعبية، ويحقق آمال وتطلعات اليمنيين.