كتاب عربي 21

تداعيات اغتيال "أبو خالد السوري".. رجل القاعدة الخفي

1300x600
أثارت عملية اغتيال أبو خالد السوري الأحد 23 شباط/ فبراير عاصفة من الجدلات والنقاشات الحادة بين فصائل السلفية الجهادية المسلحة في سوريا، كما أثارت جملة واسعة من الاتهامات بين الجهاديين في سوريا وخارجها، فرجل القاعدة الخفي الذي عمل لسنوات طويلة كمنسق عملياتي بين تنيظيم القاعدة المركزي وفروعه الإقليمية وشبكاته الممتدة، دون أن تتمكن أجهزة الاستخبارات الدولية من قتله أو إلقاء القبض عليه، لقي حتفه مع ستة من رفاقه نتيجة عملية انتحارية في مقر حركة أحرار الشام بحي الهلك.

أبو خالد السوري من مواليد مدينة حلب عام 1963، واسمه الحقيقي محمد بهية، وهو من قيادات الجيل الأول لتنظيم القاعدة، وشهد ولادة "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبين" عام 1998، وكان مقربا لأسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وصفه المنظر السلفي الجهادي الكبير أبو مصعب السوري - سلمته باكستان للسلطات السورية وأشيع بأنها أطلقت سراحه لفترة وجيزة في نيسان/ إبريل 2012 ثم أعادت اعتقاله - في كتابه "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية" بقوله: أخي وصديقي ورفيق دربي ومساري  الصابر المصابر المجاهد الشيخ أبو خالد السوري حفظه الله وأمتعنا والأمة به وبأمثاله، وقال: كم كنت أتمنى أن يطلع على هذا الكتاب قبل نشره بالإضافة إلى الشيخ أسامة بن لادن، والدكتور أيمن الظواهري، والشيخ أبو الليث الليبي.

دخل أبو خالد السوري ويعرف أيضا باسم أبو عمير الشامي الأراضي السورية في فترة مبكرة من بدء الحراك الثوري السلمي موفدا من زعيم القاعدة أيمن الظواهري، وعمل على تأسيس جماعات جهادية عديدة تتبع تنظيم القاعدة دون الإعلان عن الانضمام إليها، وكان له الفضل الأكبر في تأسيس "حركة أحرار الشام" التي أعلن عن ظهورها رسميا في 15 آذار/ مارس 2011، وكان خلف تأسيس "الجبهة الإسلامية" في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، والتي تضم إلى جانب الفصيل الأكبر حركة أحرار الشام: ألوية صقور الشام، وجيش الإسلام، ولواء التوحيد، ولواء الحق، وكتائب أنصار الشام، والجبهة الإسلاميّة الكردية.

وساهم أبو خالد السوري في تأسيس "جبهة النصرة" التي عملت دون تسمية عقب انطلاق الثورة السورية، وقد تم الإعلان رسميا عن تأسيس "جبهة النصرة لأهل الشام" في سوريا بتاريخ 24 كانون الثاني/ يناير2012، بزعامة أبو محمد الفاتح الجولاني، بمساعدة تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق"، وبعد نشوب الخلاف بين فرعي القاعدة في العراق وسوريا عقب إعلان أبو بكر البغدادي أمير "الدولة الإسلامية في العراق"  في التاسع من إبريل/ نيسان 2013 ضم "جبهة النصرة" إلى دولته وتدشين قيام "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، وتمرد الفرع العراقي على القيادة المركزية للقاعدة، كلف الظواهري أبو خالد السوري الفصل بين الطرفين حيث أرسل أبو خالد توصياته الحاسمة بإلغاء قرار الضم، الأمر الذي تلقاه الظواهري بالقبول، وإعلان الفصل بين التنظيمين وتحديد الولاية المكانية ببقاء البغدادي في العراق وتثبيت الجولاني في سوريا.

لا جدال حول الأهمية الاستثنائية لشخصية أبو خالد السوري الذي كان يحظى باحترام كبير لدى كافة الفصائل الجهادية على اختلاف توجهاتها، فقد كان حريصا على توحيد الفصائل وعدم الدخول في قضايا فرعية، وعلى الرغم من انتمائه لتنظيم القاعدة من الجيل الأول وقربه من بن لادن الذي كان يثق به ويعتمد عليه في التنسيق بين المركز والفروع، وثقة الظواهري المطلقة برأيه وحسن تدبيره واجتهاده، إلا أنه كان حريصا على عدم الإعلان عن انتمائه للقاعده لإيمانه بصواب منهج العمل الذي وضعه صديقه أبو مصعب السوري كدليل للعمل الجهادي العالمي الذي يستند إلى لا مركزية العمل الجهادي واعتماد استراتيجية تعدد الجماعات والفصائل والخلايا المقاتلة.

ويبدو أن إعلان البغدادي بضم النصرة لدولته قد أغضبه كونه لا يفضل الإعلان عن دولة أو تنظيم في ظل إمارة القتال ومرحلة بناء الشوكة والنكاية، ولا يؤمن بجدوى الإعلان عن قيام دولة أو إمارة قبل مرحلة التمكين، ولعل هذا الموقف هو ما دعا بعض أعضاء وأنصار حركة أحرار الشام والجبهة الإسلامية إلى اتهام الدولة الإسلامية في العراق والشام باغتياله، استنادا إلى البيان الذي أصدره أبو خالد السوري في كانون الثاني/ يناير في إطار مهمة التحكيم، والذي تضمن ما أسماه "نصائح إلى جماعة دولة الإسلام في العراق والشام"، دعا فيه أفراد "الدولة الإسلامية" إلى "التوبة"، معتبرا أن ادعاءهم "الانتساب إلى مشايخ الجهاد" كأسامة بن لادن والظواهري وأبو مصعب الزرقاوي "بعيد كل البعد عن المنهج السوي"، وقد وصف نفسه بأنه "الناصح الذي أمضي عمره مع هؤلاء الأكابر وعرفهم حق المعرفة".

إلا أن أنصار دولة البغدادي يردون على التهمة بالمثل وذلك باتهام  حركة أحرار الشام باغتياله، فبحسب أنصار الدولة أعلن أبو خالد السوري انشقاقه وعدم قتاله للدولة فقتلوه وألصقوا التهمة بالدولة الإسلامية، وبعيدا عن الاتهامات المتبادلة فإن اغتيال أبو خالد السوري يتوج مرحلة جديدة في تاريخ الثورة السورية تشهد مزيدا من الخلاف والاقتتال بين الفصائل المسلحة المعارضة، ويساهم في تقوية النظام وحلفائه ميدانيا وسياسيا، ولا يمكن استبعاد فرضية اغتياله عن طريق حدوث اختراقات داخل فصائل المعارضة المسلحة سواء من أجهزة النظام السوري أو أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية التي باتت تخترق المشهد السوري، وأصبحت تعمل على إضعاف النظام السوري من جهة وتفكيك الجماعات السلفية الجهادية المسلحة من جهة أخرى.