مقالات مختارة

"كفرنا بالديمقراطية "!

1300x600
ضمن المفارقات التي قرأتها في التعليقات على مقالي أمس، تعليقان على الفقرة الأخيرة تحديداً. إذ تكمن الفكرة الثاوية في محاججة التيار الرسمي الذي يقف ضد الربيع العربي، أو لنقل ضد الولوج إلى عصر الديمقراطية والحرية، في أنّ البديل لن يكون بحال من الأحوال استمرار الصيغة الراهنة للنظام الرسمي العربي؛ فهذه الصيغة انتهت تاريخياً وموضوعياً، وهي المسؤولة عن إنتاج الأزمات والكوارث.

والخلاصة العملية هي القول أنّه كلما تأخر التغيير، ستكون الكلفة الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية أكبر.  وإذا كان ثمة بديل أو طريق أخرى للديمقراطية، فهو ما نراه من فوضى وإرهاصات انفجار العنف والتطرف في المنطقة العربية بأسرها.

وقد وجدت في تعليقات الأمس تحفظين من قارئين.

التحفظ الأول جاء عبر قارئ يتبنّى وجهة نظر تيار إسلامي كفر بالديمقراطية، بعدما رأى أن نتائجها لا تُحترم إذا كانت تأتي بالإسلاميين. وأنّ المطلوب بوضوح هو إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. إذ يقول: "اسمح لي أنك جانبت الصواب.. فالشعوب العربية جربت الديمقراطية في الجزائر وغزة وأخيرا في مصر. وكفرت بها.. وأنت ترى ثوار سورية لا يريدون إلا الإسلام.. نعم الشعوب تريد شرع الله وتكفر بالديمقراطية. وأميركا وأزلامها يريدون منا أن نكون ديمقراطيين. اتق الله وعد إلى رشدك واكفر بالديمقراطية ولا تكون من أبواقها".

على الطرف الآخر تماماً، قارئ آخر يكفر بالربيع العربي، ويرى بأنّ الأنظمة الراهنة العلمانية مهما كانت سيئاتها، أفضل من البديل التكفيري؛ فيقول: "القضية ليست قضية حرية وكرامة. هذه إحدى أكاذيب ما سمي بالربيع العربي، وما هو إلا جحيم بكل المعاني. نعم، النظام السوري يعاني من فساد مستشر قد يكون أسوأ من الفساد المستشري في بلدان المنطقة، لكنه مهما كان سيئا فلن يكون بسوء من يقتلون باسم الدين وينتهكون الأعراض ويكفرون غيرهم. الإعلام شن هجوما شرسا ومجنونا على نظام سورية، وكلنا نعلم بأن غيره من الأنظمة العربية تعاني الكثير مما يستوجب كشفها، ولكن ماتدفعه من أموال تُخرس الألسنة وتجفف الحبر في الأقلام والدم في العروق إن لزم الأمر"!.

لا تقتصر قيمة هذين "الموقفين" على أنّهما يمثلان وجهات نظر، بل هما يعبّران أيضاً عن اتجاهات مجتمعية وسياسية في المشهد العربي اليوم. فهنالك حالة من النكوص والردّة الواقعية، حتى عند أولئك الذين كانوا يقاتلون من أجل الديمقراطية والحرية؛ مثل مقالات الأديب المصري المعروف علاء الأسواني، في صحيفة الشروق قبل الثورة، والتي مثّلت صداعاً حقيقياً لمبارك وعائلته. حينها، كان الأسواني ينهي مقالاته بعبارة واحد دائماً، هي: "الديمقراطية هي الحل"!.

لكن الأسواني اليوم يقف إلى جانب الانقلاب العسكري، ويبرر كل ما تقوم به مؤسسة الجيش، ويتعرّض هو نفسه لصدام مع الجمهور الغاضب في إحدى الدول الأوروبية.

لا أقول إنّنا لم نعد نعثر على مَنْ يريدون الديمقراطية، ويقاتلون من أجلها، أو يرون فيها الخيار الوحيد لأزماتنا ومشكلاتنا؛ ومَنْ ما يزالون يؤمنون بأنّ الربيع العربي كان لحظة رائعة، تمّ اختطافها من قبل الثورة المضادة، والأجندات المتضاربة.

لمواجهة هذه التطورات القاسية والدامية، التي تكاد تجهض الحلم العربي الديمقراطي، فإنّ المطلوب من هذا التيار إعادة توحيد صفوفه وتطوير خطابه، وتفسير ما يحدث من هذه الزاوية، وتذكير الرأي العام بأنّ الديمقراطية ليست لحظة مفاجئة، بل هي نتاج مخاضات وعملية متراكمة متطورة، تقتضي الصبر والجهاد لترسيخ القيم الإنسانية والديمقراطية والمدنية، حتى لا نفقد البوصلة تماماً، ونستسلم للإحباط واليأس؛ فذلك نفق مظلم قاتم لا أفق له!.

(عن الغد الأردنية)