كتاب عربي 21

سياسات التفويض الكاذب في الجمهورية الجديدة.. مفاهيم ملتبسة (61)

هل يسعى السيسي لـ"تفويض" جديد؟- التلفزيون المصري
من المهم في هذا المقام أن نشير في حقل العلوم السياسية إلى جملة من الظواهر والعمليات ترتبط بالفعل السياسي، ومن أهم تلك النظريات التي تتقاطع فيها العلوم بين السياسة والقانون والإدارة العامة وكذا السياسيات العامة؛ مفهوم أساسي يتعلق بالتفويض. وفي هذه السلسلة التي اخترنا لها عنوانا جامعا "مفاهيم ملتبسة" ورغم وضوح المفهوم الذي يتعلق بإدارة السياسات العامة ألا وهو "التفويض"، فإن المستبد لا يفتأ في سياق تشكيل الرضا الكاذب أن يستخدم التفويض كأحد أدواته، حتى يُمكّن لاستبداده ويُكّرس طغيانه (يمكن أن تراجع مفهوم التفويض في مظانه).

ولعل في هذا الشأن يكون مفهوم التفويض مرتبطا بتلويح المستبد بشكل دائم بالفوضى، فهو إن صح هذا التعبير والجمع بينهما يمكن أن نطلق عليه "تفويض الفوضى". ورغم أنها مسألة نظامية أو تنظيمية إلا أنه يستخدم ذلك في إطار ما يمكن تسميته بـ"شرعنة النظام"، أي إضفاء شرعية على باطله. وإذا كان التفويض مفهوما إداريا قد يتعلق بالإدارة اللا مركزية حينما يفوض وظائف وأدوارا، فإن المستبد يستخدم هذا التفويض ملوحا بالفوضى، ومن ثم وجب رد كل الأمر إليه، من غير معقب أو حساب.

هذا الفهم الخطير للتفويض صار ديدنا لهذه "الطبعة السيسية" حينما يجعل هذه المفاهيم محل اختطافه مثلما اختطف كل شيء في الدولة والمجتمع. وهنا لا بد أن نعود إلى ذاكرة التفويض هذا سواء طلب التفويض بشكل مباشر، أو لوح به، ولكنه في كل الأحوال يتلاعب بذلك المفهوم فيجعله في دولابه يستخدمه لتطويع شعبه، وتطبيع استبداده، وتمكين طغيانه، حتى أنه يمكن أن نطلق على ذلك "لعبة التفويض".

يكون مفهوم التفويض مرتبطا بتلويح المستبد بشكل دائم بالفوضى، فهو إن صح هذا التعبير والجمع بينهما يمكن أن نطلق عليه "تفويض الفوضى". ورغم أنها مسألة نظامية أو تنظيمية إلا أنه يستخدم ذلك في إطار ما يمكن تسميته بـ"شرعنة النظام"، أي إضفاء شرعية على باطله
وهنا ونحن مقبلون على انتخابات رئاسية جديدة ضمن تعدياته في تعديلاته الدستورية الأخيرة، فإننا أمام موقف من حال الفشل الزاعق والذي أدى إلى تزايد المطالبات وتراكمها من أطراف مختلفة ضمن ذلك التعبير الذي يتعلق "كفى". ولعل حركة كفاية التي ابتكرت هذا التعبير كانت تعبر عن أنه قد فاض الكيل وافتقد الناس القدرة على التحمل، ومن ثم عبروا بهذا الضيق بكلمة "كفاية"، وتبع تلك الشعارات من مثل "اللهم ارزقنا برئيس حسيس"، أو الدعاوى المتصاعدة التي تطالبه بعدم الترشح مرة ثالثة حتى تكون هناك انتخابات حقيقية.

ولعل هذا الواقع المأزوم التي تشير إليه هذه الحال، حال مركبة من الفشل وانعدام الأمل، وفقد المستقبل، هو الذي يغلف هذه الدعوات، وهنا يقع الطاغية وأجهزته في حرج شديد فدائما ما وجدوا المخرج بالنسبة إلى هذا الضيق والتضييق بالتفويض الكاذب وبالرضا المصطنع، والذي يتخذ أشكالا عدة؛ هل أتاك حديث "الفض المزعوم" لاعتصامي رابعة والنهضة، وطلبه من قبل التفويض الذي يغطي به كل سياساته في قتل خصومه واستهدافهم "أدعو المصريين إلى النزول.. لرفض العنف والإرهاب المحتمل لتفويض الجيش والشرطة لاتخاذ اللازم لمجابهة هذا العنف وهذا الإرهاب.. من فضلكم يا مصريين تحملوا المسؤولية معي ومع جيشنا ومع الشرطة".

ذاكرة التفويض لصيقة بتصورات هذا الشخص وتلك "الطبعة السيسية" التي صارت تقوم بكل ما من شأنه معالجة الأمور بهذه الطريقة، فهو يعمل وفق معادلة "إذا ضُيق عليك فاطلب تفويضا"، وفي جمهوريته الجديدة المزعومة صار ذلك أمرا قابلا للتكرار، ومرشحا للاستمرار.

ولعل هذا المفهوم يعود إلى الكيفية التي يغطي المستبد أفعاله وطغيانه، فهذه الموجة الرافضة يمكن مواجهتها بموجات أخرى داعمة ومساندة، فهذا حزب "حماة وطن" يطالبه بالترشح لفترة ثالثة لإنقاذ مصر، ولديه استعداد لتقديم مرشح من الحزب أو أكثر لاستكمال الشكل الديمقراطي المطلوب. إضافة إلى ذلك وحتى يتحرر من ضيق هذه المطالبات الرافضة، فإنه في هذه المرة يجبر مؤسساته المختطفة بأسرها (مؤسسات إدارية، أو أمنية، أو رقابية) بأن تقوم بأدوارها المرسومة في تفويض المستبد لفترات رئاسية أخرى، إنه "المستبد الخالد" الذي يبحث عن خلوده في حال من الطلب المستمر لذلك التفويض الزائف.

ذاكرة التفويض لصيقة بتصورات هذا الشخص وتلك "الطبعة السيسية" التي صارت تقوم بكل ما من شأنه معالجة الأمور بهذه الطريقة، فهو يعمل وفق معادلة "إذا ضُيق عليك فاطلب تفويضا"، وفي جمهوريته الجديدة المزعومة صار ذلك أمرا قابلا للتكرار، ومرشحا للاستمرار
ونلفت إلى أشار إليه الأستاذ بلال فضل في هذا المقام ضمن سلسلة التفويض؛ التي يحاول المستبد الإبقاء عليها كمخرج من مطالبته بالانسحاب أو الرحيل، فقد كشف عن حساب على موقع التواصل "واتساب" باسم "البرنامج الرئاسي 2"، في تعريفه أنه "تلبية لدعوة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي بفتح حوار وطني.. وقد توصلنا بالفعل للوسيلة التي يهدف إليها.. وما عيلنا سوى صناعة رأي عام بالموافقة عليها بطبعها ونشرها للتوقيع عليها وجمعها". وتم تصدير الوثيقة بعبارة "أبايع أنا /.... السيد الرئيس عبد الفتاح.. لفترة رئاسية ثالثة، متمنيا لمصرنا الحبيبة الأمن والأمان.. فإنني أفوض سيادتك بإنشاء المجلس الأعلى للتخطيط والإدارة سلطة سياسية رابعة..".

ومن المهم في هذا المقام أن نشير إلى تشكيل عملية "التفويض المتلاعب" في مسرحية مستدامة تتعلق بحكم العسكر والطاغية، "مسرحية لعبة الشعب" التي تعرض فصولها فصلا بعد فصل، وزمنا بعد زمن، وتتجسد في أشكال وأوعية. تختلف وتنتشر صناعة التفويض تلك، ويقوم بها المستبد وفق تصوره للشعب والدستور والدولة.

أما الشعب فقد ذكرنا آنفا في مقال سابق عن تصور الجمهورية الجديدة للشعب المرغوب في هذه الجمهورية المزعومة؛ ضمن مواصفات معينة تربط بين مفاهيم الوطن والوطنية والمواطنة، وفي مقابل ذلك تربط بين شخص المستبد والدولة.. "أنا الدولة والدولة أنا".. و"متسمعوش حد غيري". ومن ثم تبدو الدولة في هذا السياق مرة "شبة الدولة" ومرة أخرى يتحدث هذا المستبد ويطالب بأنه لا بد وأن يتعلم الناس "ما هي الدولة"، مؤكدا على أهمية كلامه بقوله "ففهمناها سليمان".. هذا الفقيه الطغياني الخطير صار يتحدث في الفهم والفقه، وفي الدولة والسياسة، وهو القائل بأنه لا شأن له بالسياسة، وفي حقيقة الأمر هو اغتصب السياسة وقتلها.
نشير إلى تشكيل عملية "التفويض المتلاعب" في مسرحية مستدامة تتعلق بحكم العسكر والطاغية، "مسرحية لعبة الشعب" التي تعرض فصولها فصلا بعد فصل، وزمنا بعد زمن، وتتجسد في أشكال وأوعية. تختلف وتنتشر صناعة التفويض تلك، ويقوم بها المستبد وفق تصوره للشعب والدستور والدولة

أما مفهوم الوطنية الحاكم على الوطن والمواطنة، فيعني أن تكون في الفريق الداعم للمستبد؛ تسبح بحمده، وتؤكد على إنجازاته الزائفة، وأحلامه البائسة، وكل ما يتعلق بهذا الشأن.

أما الدستور فيقول المستبد نحن من نصنعه ولا يصنعنا، وأن دستورا صيغ بحسن نوايا لا يصلح لأهواء ورغبات المستبد فلا يكون من الطاغية إلا أن يدوسه ليل نهار بالأقدام، ولا يستحي أن يقوم بكل ذلك، وهو يتلفظ بأن الدولة تنعم بالدستور والحرية، مثلما ورد في خطابه الذي يشكل خطابا زائفا وقناعا يغطي حقيقة هذا النظام. فلو أردت أن تفهم خطاب السيسي الطاغية، فعليك أن تقرأه بالمقلوب، فكل شيء أكد عليه هو مستخف به، وكل شيء ذكره في الإنجازات لم يكن إلا زيفا محضا، وكل أمر يتعلق بحقوق الإنسان لم يكن إلا انتهاكا وقتلا لإنسانيته وآدميته وكرامته، ومن ثم نرى أنه في خطابه يؤكد على ديمغرافية الدولة المصرية ومكانتها، ويتحدث عن التنمية والإنجازات ومعدلات النمو، وبناء الإنسان المصري.

وملاحظتنا على ذلك الخطاب أن المستبد هو من يحدد شكل الخطاب وأسلوبه، فيصدر خطابا بشكل معين يتسم بالقصر، ورغم أن هذا الخطاب كتب بعناية، وتخّير من كَتَبه المفردات والكلمات، بل وحرص على تشكيل الخطاب وضبط حركته، فإن الطاغية يخطئ كثيرا في استعراض خطابه، ويكذب كثيرا في كل ما يتضمنه الخطاب، ويجعل من خطاب الكذب الزائف هذا ما يريده من خطاب عام في الدعم والمساندة والتفويض، وينتهي بالمطالبة، ولكنه في كل الأحوال يجعل من مفهوم "التفويض المتلاعب" ركنا ركينا في صياغة خطاباته الطغيانية، وسياساته الاستبدادية.

ظل هذا التفكيك المتوالي ليُنتج في النهاية والمحصلة "دولة مفتقدة، وشعبا مذعورا، ومجتمعا واهما" يوفر القابليات للاستبداد ويمده دائما بمدد جديد، فيطيل عمر الاستبداد والمستبد، وكل يقوم بدوره في هذه الشبكة الاستبدادية والفسادية والإفسادية والطغيانية
ولعل هؤلاء الذين رفعوا الأصوات أخيرا، رغم أنهم ساروا في ركاب العسكر كثيرا وبرروا لهم من كل سياساتهم الأمر الخطير وفي مواقفهم الخسيس منها والحقير، فبعضهم يتحدث الآن عن تفكيك الدولة، وقد قلنا ذلك بشكل مبكر عند مطالبات بانتخابات رئاسية جديدة إبان عهد "الرئيس الشهيد محمد مرسي، وأكدنا أن ذلك المسار سيقود من التلويح من المستبد بالفوضى إلى طلب التفويض لإدارتها -أي الفوضى- وهو تطور خطير جدا لو تأملنا المعنى السياسي والمغزى المجتمعي الذي يرتبط به، لأنه لا يرتبط في حقيقة الأمر بتفكيك السياسة وقواها، ولكنه يقصد به تفكيك الدولة وعراها، وتمزيق أوصال المجتمعات ووشائجها.

إنها مسألة خطيرة تقع في إطار المستبد الذي يدير حالة خراب عامة مثلما أكد على ذلك ابن خلدون من أن "الظلم مؤذن بخراب العمران"، ومثلما ورد في الحديث "الظلم ظلمات". ويظل هذا التفكيك المتوالي ليُنتج في النهاية والمحصلة "دولة مفتقدة، وشعبا مذعورا، ومجتمعا واهما" يوفر القابليات للاستبداد ويمده دائما بمدد جديد، فيطيل عمر الاستبداد والمستبد، وكل يقوم بدوره في هذه الشبكة الاستبدادية والفسادية والإفسادية والطغيانية.

twitter.com/Saif_abdelfatah