صحافة إسرائيلية

كشف وثائق إسرائيلية عن المفاوضات مع سوريا أوائل التسعينيات

الوثائق قالت إن المفاوضين السوريين لم يصافحوا نظراءهم الإسرائيليين وأصروا على تلقي التزام واضح بانسحاب إسرائيلي كامل من مرتفعات الجولان- جيتي
تواصل دولة الاحتلال كشف المزيد من أرشيفها السري، وآخرها إزاحة النقاب عما شهدته أوائل التسعينيات، حين أجرت وفود إسرائيلية وعربية محادثات صعبة في واشنطن، تضمنتها 637 برقية سرية وصلت رئيس وزراء الاحتلال آنذاك إسحاق رابين ووزير خارجيته شمعون بيريز، عن مضمون المفاوضات مع سوريا بالذات، ففيما أعلن الاحتلال سعيه للتطبيع، أظهرت سوريا إصرارا على انسحاب فوري من الجولان.

إيتمار آيخنر، المراسل السياسي لصحيفة يديعوت أحرونوت، كشف أن "هذه الوثائق السرية أرسلها البروفيسور إيتمار رابينوفيتش رئيس فريق المفاوضات الإسرائيلي مع سوريا ودول عربية أخرى عامي 1992-1993 إلى رابين وبيريس، تكشف عن المحادثات الصعبة والمنفصلة التي أجراها الطرفان في واشنطن أوائل التسعينيات، وتتضمن لمحة نادرة وتقارير مفصلة من مناقشات مجموعات العمل الثنائية بين إسرائيل وسوريا والأردن والفلسطينيين ولبنان، ومعظمها كما ذكر مفاوضات صعبة، خالية من الثقة المتبادلة".

ونقل في تقرير ترجمته "عربي21" عن "رئيس فريق التفاوض السوري موفق علاف، الذي قال إنه بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجولان سنكون مستعدين لشرب القهوة معكم، وقد مرّت ثلاثة عقود منذ ذلك الحين دون تحقق أي من هذه الأمنيات، مع العلم أن الحديث يدور عن مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، واندلاع حرب الخليج الأولى، فيما كان حاكم سوريا هو حافظ الأسد الوالد، وتظهر المراسلات أن السوريين كانوا الأكثر عنادا في المفاوضات، وبدت المحادثات أشبه بحوار الصم". 

وأشار إلى أن "المفاوضين السوريين لم يصافحوا نظراءهم الإسرائيليين، وأصروا على تلقي التزام واضح بانسحاب إسرائيلي كامل من مرتفعات الجولان، وبدا أنهم يعتزمون صياغة جدولين زمنيين أحدهما للتنفيذ المتزامن للانسحاب، وإلغاء حالة الحرب، ومسألة الاعتراف، والثاني تصويت سوري واضح على أن عملية التطبيع التي سيتم الاتفاق عليها، إن وجدت، ستنفذ في جدول زمني لاحق، وبصرف النظر عن الجدول الأول، وبعد مرور بعض الوقت دعا رابينوفيتش نظيره السوري علاف لشرب فنجان قهوة تركية من طراز عيليت أحضرها من إسرائيل".

وأوضح أنه "في إحدى البرقيات قال رابينوفيتش إن المفاوضات دلّت بوضوح على الفجوة بين الطرفين، وأكد علاف أن الخطوط العريضة الإسرائيلية صيغة لانهيار عملية السلام، لأنه يعني انسحابًا تدريجيًا لن يأتي إلا بعد قيامهم بترتيبات أمنية في الميدان، وطالب بتبني لغة تنص على انسحاب كامل إلى خطوط 67، وإخلاء المستوطنات، حيث تطور النقاش حول كيفية تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 242، فالسوريون قالوا أن القرار لا يتضمن إقامة سفارات، ليرد عليهم الإسرائيليون بأن القرار لا يذكر إخلاء المستوطنات، مع تأكيد السوريين أن حقنا في العيش بسلام لا يعني إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل".

ونقل عن "علاف أن الحقائق على الأرض تشير إلى أن إسرائيل ليست معنية حقاً بالانسحاب من جميع الأراضي السورية التي احتلتها، وطالما لم يتم الرد على مطالبة سوريا، فلن يكون من الممكن إرساء أسس إقامة علاقات وثيقة بينهما، وفي 15 ديسمبر 1992 كتب رابينوفيتش إلى رابين أن محادثات حادة جرت مع السوريين بشكل خاص، وأصبحت خلافاتنا الجوهرية حادة للغاية، وسط تأكيد السوريين أن مفهومهم للسلام محدود، ولا يشمل العلاقات الدبلوماسية، وكانوا مقتنعين بحصول تغيير بين سياسات حكومة شامير التي خسرت الانتخابات في أيار / مايو عام 1992، وسياسة حزب العمل الفائز في الانتخابات".

وأوضح أن "موقف سوريا استمر بالتأكيد على أنه لن يكون سلام طالما أن إسرائيل تسيطر على شبر واحد من أراضيها، وأن الأسد لا يستطيع أن يأخذ أقل من الرئيس المصري السادات الذي استلم شبه جزيرة سيناء بالكامل كجزء من اتفاقية كامب ديفيد، لكن الإسرائيليين ردوا بالقول إنه إذا كان لا يريد أن يحصل على أقل من السادات، فعليه أن يعطي ما قدمه في واشنطن، رغم أن رابين كان لديه أفكار أخرى حول اتفاقيات أوسلو، بأن أعطى للإدارة الأمريكية وديعته الشهيرة بشأن الانسحاب من الجولان مقابل السلام على شكل الاتفاق مع مصر".
 
من الواضح أن جواب السوريين خيّب أمل الإسرائيليين، ما دفعهم للتخلي عن الخيار السوري، والذهاب إلى اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير، مع أن البرقيات الإسرائيلية تزعم أنه في وقت لاحق من 1996، عندما استؤنفت المفاوضات، أبدى السوريون مرونة لافتة، وقدموا 23 نقطة للتطبيع، في إطارها كانوا جاهزين للعلاقات الدبلوماسية، وفتح السفارات، والتطبيع الكامل، على حدّ ما جاء في تلك الوثائق.

مع العلم أن الوثائق تتحدث عن لقاء لوفد من الكونغرس في دمشق في 8 نيسان/ أبريل عام 1993 مع وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، الذي أكد لهم أنه رغم المفاوضات مع إسرائيل، فإن الخلافات معها لا يمكن حلها، متهما إياها بخلق عدو وهمي في صورة الإسلام الأصولي، ملمّحا إلى أنه يشتبه في أن الهجوم على برجي نيويورك في 2001 الذي نفذته القاعدة تم تنفيذه بمشاركة إسرائيلية، دون توفر دليل، لكنه المنطق.