اقتصاد عربي

ماذا وراء عزوف البنوك المحلية عن إقراض الحكومة المصرية؟

طرح البنك المركزي المصري أربعة عطاءات لأذون خزانة بآجال مختلفة- جيتي
تواجه مصر أزمة مالية جديدة تهدد قدرتها على الإنفاق، بعد عزوف البنوك المحلية عن شراء أذون الخزانة التي يطرحها البنك المركزي بالعملة المحلية لآجال مختلفة نيابة عن وزارة المالية ما يشكل ضربة جديدة للاقتصاد المصري الذي يعيش صعوبات حادة.

رصدت مواقع محلية قيام المركزي المصري نهاية الشهر الماضي بطرح أربعة عطاءات لأذون خزانة بآجال مختلفة، بإجمالي يصل إلى 78.5 مليار جنيه (3.17 مليار دولار)، وافق على 5.1 مليار جنيه (210 ملايين دولار) فقط في خطوة تؤشر على القلق المتنامي لدى البنوك المحلية والمستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد المصري.

ويرى خبراء ومحللون اقتصاديون أن العزوف عن شراء أذون الخزانة بالعملة المحلية إما للضغط على البنك المركزي للحصول على فائدة أعلى، أو عدم الرغبة في الاستثمار في هذا الاتجاه في ظل اضطراب أسواق الدين المحلي والعالمي.

قام البنك المركزي، نهاية العام الماضي، برفع أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 300 نقطة أساس، لتصبح عند 16.25 بالمئة، و17.25 بالمئة، و16.75 بالمئة على الترتيب.

ماذا تمثل أذون الخزانة للحكومة؟

أذون الخزانة هي أداة رئيسية لتمويل عجز الموازنة بالعملة المحلية وتغطية الفرق بين المصروفات والإيرادات، وارتفعت الاحتياجات التمويلية للعام المالي 2022-2023 بنسبة 30 بالمئة، وتُقدر الاحتياجات التمويلية عند 1.52 تريليون جنيه (61 مليار دولار)، تتوزع هذه الاحتياجات بين العجز الكلي، وسداد القروض المحلية وسداد القروض الأجنبية.

بحسب البيان المالي لمشروع موازنة العام الحالي فإن من المقرر الحصول على تمويل خارجي بقيمة 146.4 مليار جنيه (5.92 مليار دولار)، وإصدار سندات دولية بقيمة 91.5 مليار جنيه (3.70 مليار دولار)، وإصدار سندات وأذون خزانة محلية بقيمة 1.37 تريليون جنيه (55 مليار دولار).

أزمة تمويل محلي

يرى الخبير الاقتصادي، إبراهيم نوار، أن "عدم قبول المركزي المصري للطلبات ذات العائد الأعلى هو مؤشر على أزمة تمويل محلي تلوح في الأفق، ومع ارتفاع أسعار الفائدة على الأوراق المالية عن تقديرات الحكومة بحوالي 6 نقاط مئوية، فإن هذا يعني إضافة ما يقرب من 200 مليار جنيه (8.09 مليار دولار) على فاتورة الديون الحكومية هذا العام".

وأضاف لـ"عربي21" أن "الحكومة فشلت في الاقتراض من البنوك المحلية لتغطية عجز الموازنة، بعد أن رفعت سعر الفائدة على الجنيه بمقدار 300 نقطة أساسية، لم تقبل سوى نحو 10 بالمئة من 4 عطاءات لبيع أذون خزانة لآجال تتراوح بين 91 و364 يوما".

بشأن تداعيات ذلك على الاقتصاد المصري أشار نوار إلى أن "البنوك المحلية طلبت أسعار فائدة تصل إلى 25%، بينما تراوح متوسط العائد الذي قبلت الحكومة دفعه للبنوك بين 18.088% و 18.974% أي أعلى من سعر الفائدة الجديد بما يقرب من 200 نقطة أساسية، ومعدل زيادة تكلفة الاقتراض المحلي، كانت أسرع كثيرا في الربع الثاني من السنة المالية، وهذا تطور خطير جدا في المالية العامة للدولة، حيث إن مدفوعات الفوائد فقط قد تتجاوز نصف قيمة الميزانية العامة للدولة بينما كنا قبل سنوات نتحدث عن ربعها فقط".

ورأى الخبير الاقتصادي أن "العامل المهم حاليا في سياسات الإقراض لدى البنوك المحلية والخارجية هو مدى قدرة المقترض على السداد، سواء كان حكومة أو قطاعا خاصا أو القطاع العائلي.. في مصر المعادلة تمشي في اتجاه أن عبء الديون يزيد والقدرة على سدادها بمواد حقيقية تقل.. هذا وضع خطير وغير مستدام".

التضخم وتآكل الفائدة

قفز معدل التضخم السنوي الإجمالي في مصر إلى 19.2 بالمئو خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي في أعلى مستوى له منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، طبقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

يأتي ارتفاع التضخم الحاد، مدفوعا بقيام البنك المركزي المصري بتحريك أسعار صرف الجنيه أمام الدولار الأمريكي، ليبلغ متوسط 24 جنيها لكل دولار واحد، مقارنة مع متوسط 18.5 جنيه في تشرين أول/ أكتوبر.

وقررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، للمرة الرابعة هذا العام من بين ثمانية اجتماعات عقدتها، رفع سعر الفائدة 300 نقطة أساس إلى 16.25٪ في حال الإيداع، و17.25٪ على الإقراض، بإجمالي 8 بالمئة وسط توقعات باستمرار رفع الفائدة.

مصدر رئيسي لتمويل العجز والبدائل محدودة 

يقول الخبير الاقتصادي، ممدوح الولي، إن "البنوك المحلية في مصر لا تزال هي المشتري الأول لأدوات الدين الحكومية سواء كانت أذونا أو سندات، حتى وإن انخفضت الكميات، ولكن بعد قيام المركزي المصري برفع الفائدة 3% مؤخرا فالبنوك تنتظر فوائد بعوائد مرتفعة".

وأضاف في تصريحات لـ"عربي21" أن "التضخم وصل إلى 19% وبالتالي فإن العائد على الفائدة مخصوما منه التضخم والضرائب على العائد البالغة 20% يجعل البنوك تطلب فائدة أعلى لتصبح بالموجب وليس بالسالب"، مشيرا إلى أن "عدم تغطية طروحات المركزي المصري مسألة مؤقتة، ويمكن اعتبارها نوعا من الضغط على البنك المركزي لزيادة العائد على الفائدة وسوف يرضخ المركزي في نهاية المطاف لرغبة البنوك المحلية".


وبشأن أهمية أذون الخزانة للحكومة ووجود بدائل لها، أوضح الولي: "في الباب الخامس الخاص بموارد الموازنة المتعلق بالاقتراض تشكل الأذون والسندات ما بين 80% و90% من موارد الحكومة لسد عجز الموازنة السنوي، وبدائل الحكومة باللجوء إلى الاقتراض ليس حلا لأنها تشكل نسبة قليلة مقارنة بالأذون والسندات التي تصدر لآجال مختلفة وهي جزء رئيسي لتمويل عجز الموازنة ولا يمكن الاستغناء عنه أو تجاوزه لأي بدائل أخرى".