قضايا وآراء

حماس والسباحة عكس التيار

1300x600
مع انطلاق الثورة السورية واشتداد قمع النظام السوري للشعب الثائر، اتخذت حماس قرارا رصينا بمغادرة سوريا وقطع العلاقات مع نظام الأسد، وشارك الكثير من كوادرها في دعم الشعب السوري بالخبرات والرجالات. والحقيقة أن موقف حماس هذا لم يكن مستغربا بل متوقعا، إذ لطالما كانت حماس قدوة في تأكيدها التمسك بالأخلاق والمبادئ والانحياز للشعوب، وأنها متدفقة العاطفة مع قضايا المسلمين، شديدة الالتحام بحركات التحرر في كل مكان، وفية المواقف مع الشعوب التي وقفت إلى جانبها وناصرتها، وافرة الحصافة في مواقفها السياسية وتصريحاتها الإعلامية.

وفي الوقت الذي تستمر فيه الثورة السورية، وتتعاظم معاناة الشعب السوري، وتستمر مجازر نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، تتخذ حماس قراراها بإعادة العلاقات مع النظام المجرم في دمشق. وبين تسريب القرار واتخاذه رسميا ثم زيارة قيادات الحركة دمشق، استنفرت الأمة وعلماؤها في محاولة لثني الحركة عن كارثة استراتيجية قادمة، لكن قيادة حماس أصرَّت على قرارها، وعبّر رئيسُ وفدها عن موقفها بتصريحات باردة عن اللقاء الدافئ مع سفاح العصر.

أكذوبة محور المقاومة

لقد كشفت الثورة السورية بما لا يدع مجالا للشك، أن نظام الأسد احتلالٌ حقيقيٌّ لسوريا؛ بل أسوأ، وأنه جسرٌ لاحتلالات أخرى صادرت الأرض وفتكت بالشعب وسرقت الخيرات ومسحت الهوية، وأنه أبرزُ حصون الدفاع عن الكيان الصهيوني، وأشدُّهم ولاء وأذكاهم أداء، وأنه فرَّط بالجولان في مقابل تثبيت حكمه واستمراره في السلطة، وأن كذبة الممانعة التي يدّعيها ليست سوى تجارة قذرة بالقضية الفلسطينية. بل إن هذا النظام كان أكبر المعتدين على أبناء الشعب الفلسطيني المشردين في مخيمات دول الطوق عبر نصف قرن من الزمان، وأنه مارس بحقهم أبشع الجرائم، من مخيم تل الزعتر (1976م) إلى مخيم اليرموك (2011-2018م) فدمّر المخيمات الفلسطينية، وملأ فرع فلسطين بأبناء فلسطين، وقتل منهم -كما وثّقت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا- 4013 لاجئا فلسطينيا خلال سنوات الثورة السورية فقط، منهم 631 تحت التعذيب في أقبية الأفرع الأمنية، و205 بسبب الحصار على مخيم اليرموك، ناهيك عن تهجير عشرات الألوف، منهم 280 ألفا داخل سوريا و160 ألفا خارجها، كما وثَّقت أكثر من 1800 معتقل فلسطيني من بينهم 110 لاجئات فلسطينيات وعشرات الأطفال دون سن 18 عاما.

لقد فضحت الثورة السورية ما يسمى بمحور المقاومة والممانعة؛ الشعار الذي تاجر به النظام السوري وإيران وأذرعها، وتسللوا من خلاله إلى حس الشعوب العربية والمسلمة. إلا أن هذه الخديعة لم تعد تنطلي على الشعوب التي عايشت انخراط هذا المحور المزعوم في قتل وتشريد الشعوب العربية -السنية خاصة-، وتابعت التدخل الإيراني في ساحات الربيع العربي لدعم الطغاة المستبدين في مواجهة الشعوب المضطهدة المطالبة بالحرية والكرامة، لا سيما في سوريا؛ حيث جنّدت إيران عشرات المليشيات الشيعية من إيران ولبنان والعراق وأفغانستان، لتخوض في الدم السوري إلى جانب نظام الأسد المجرم، فهجّرت الكثير من سكان المناطق لتحدث فيها تغييرا ديموغرافيا، وبنت عشرات الحسينيات، وأسست المدارس والجمعيات والمعاهد والجامعات بهدف التشييع، واستقطبت الآلاف من الأطفال والشباب، فقلبت عقائدهم وأفسدت أخلاقهم وجنّدتهم في حرب أبناء بلدهم، حتى تغيّرت معالم هوية الشام التي صارت تستوحش اليوم من ساكنيها.

يا طالب الدبس من قفا النمس!

بالإضافة إلى ذلك، فقد بات النظام السوري عاريا تاما من كل مقومات استمراره، أو على الأقل أدنى متطلبات استقلاله، فسيادته الآن مرتهنة بين المقامر الروسي والمناور الإيراني، وهو عاجز تماما عن إبداء أي نوع من المقاومة في وجه الاستباحة الصهيونية اليومية، فقد بات عاجزا حتى عما كان يجيده من تصريحات الوعيد الجوفاء، أعني: الاحتفاظ بحق الرد!! فقد صار مجرد التصريح بذلك مثارا للسخرية والاستهزاء. ومن المعلوم بالضرورة أن مراكز القوة في الحكومة والجيش والمخابرات، صارت موزعة بين الولاء الروسي والولاء الإيراني!

لذلك لا يقال: قد كانت حماس في دمشق يوما، فلم تعترضوا مع أن النظام هو هو في إجرامه بحق شعبه! لا يقول ذلك عاقل؛ لأن النظام اليوم لم يعد نافعا لتحقيق أدنى مصلحة لحماس وفلسطين، فربما كان للتقارب سابقا مبرراته، وهي لا تعدو كونها اجتهادات بُنيت على تقدير مصالح معينة في ظروف معينة، ولم يترتب عليها آثار تزيد في مظالم الناس ومعاناتهم كما اليوم، ولم يكن هناك رأي عام رافض لهذه العلاقة من أبناء الأمة وعلمائها، ولم يكن الشعب السوري رافضا لذلك، بل كان مرحّبا بوجود صلة مع المقاومة وبوابة لنصرة القدس والأقصى. كذلك لم يكن الطرف الآخر يمارس الجريمة في أثناء هذه العلاقة، وقد كان البعض يسوّق أن سياسات وقناعات الجيل الجديد من سدنة النظام قد تغيرت، فذهاب جيل من الزبانية ومجيء جيل جديد، هو فرصة لتجربة جدية ميل النظام للإصلاح.

بعد كل ذلك، لم يكن متصوَّرا أن تُقدِم حماس على التطبيع مع نظام الأسد، ولا أن تعتذر ولو بشكل غير مباشر عن مواقفها المشرفة، فتجعل من يوم الشؤم هذا يوما تاريخيا مجيدا! -كما عبَّر رئيس وفدها لدمشق- ليت شعري هل يعتذر شريف عن تاريخه المشرّف؟! فكيف إذا كان هذا المعتذَر عنه هو مقاطعة أو مقارعة أعتى طغاة العصر..! واللهِ إن مقاومة هذا النظام شرف وعز وجهاد.. نعم لم يكن متصورا -عقلا ولا شرعا- أن يحدث هذا في الوقت الذي تناضل شعوب الأمة للتخلص من الاستبداد والطغاة.. وفي الوقت الذي يفتي كبار علماء المسلمين بحرمة التطبيع مع نظام الأسد، ويحذرون من تبعاته.. وفي الوقت الذي ما تزال السواطير والسكاكين في أيدي مليشيات إيران تقطر من دماء الأبرياء من أطفال ونساء سوريا واليمن والعراق.. وفي الوقت الذي ما تزال استغاثات المغتصبات من حرائر سوريا، تتردد أصداؤها في أرجاء دمشق.

كيف تسبح حماس بعكس التيار متجاهلةً كل ذلك، ومضحّية بكل تاريخها وحاضنتها وامتدادها؟! كيف تطالب حماس شعوبَ الأرض أن تناصر قضيتها ثم تخذل أقرب الشعوب لها ومن قاسمها وقاسمته الآلام والتضحيات عقودا؟! كيف تستعظم حماس الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتؤيد -ضمنا- الاحتلال الروسي والإيراني لسوريا؟! كيف يرضى مَن شأنه العزة والاستعلاء ذلك الابتذال، وتلك الإهانة التي تناول بها ساسة وإعلاميو النظام الأسدي قضية عودة العلاقات؟!

وإذا كانت الضرورة قد ألجأت حماس لهذه العلاقة، فهي كأكل الميتة كما يقولون، فمن العجيب أن ترى مضطرا يأكل الميتة متلذذا بتناولها أو يقيم عليها الولائم وينظم في مدحها القصائد والأشعار، ويراها ألذ وأطيب من اللحوم المذكاة!! لا بد أن تراه مقتصرا على ما يحفظ حياته، وأن ترى في ملامحه القرف والاستياء!! أقول ذلك لأن بعض أبناء الحركة انتقل خطوة إلى الأمام من حديث الضرورة إلى مديح النظام ونعته بالنظام السني، وتعداد فضائله وأياديه البيضاء على المقاومة. ولا يخفى في كلام البعض الانتقاص من الشعوب الثائرة والطعن بالربيع العربي، وأنه خيار أضرّ بالقضية الفلسطينية، فضلا عما يحويه هذا الخطاب من استهتار بما سُفك من الدماء وأُزهق من الأرواح.

الحقيقة أن القضية الفلسطينية والثورة السورية -بل ثورات الربيع العربي- قضية واحدة، ولا يجوز الفصل في المواقف بينها، فقضية الحرية والتحرر من الاحتلال والاستبداد واحدة، كما لا يمكن تجاهل العلاقة التاريخية بين أهل الشام. فمصائب بلاد الشام عبر التاريخ واحدة، ونضالها واحد، وتحررها واحد؛ فالقدس ودمشق ويافا وحلب وغزة وحماة والخليل وحمص وطرابلس وعكا، إنما هي أحياء في بلد واحد. لا يمكن أن يبكي فلسطيني ولا يمسح دمعه سوري، ولا أن ينزف سوري دون أن يطبب جراحه فلسطيني!! وأملنا أن تتراجع حماس عما أقدمت عليه، وترجع إلى موقعها الطبيعي والتاريخي.

يقال هذا كله في حال كان القرار مستقلا صادرا عن قناعة حقيقية من الحركة، أما أن يكون مسايرة مطلوبة من نظام الملالي أو مطلبا روسيا، فهذه مصيبة أجلّ.. المهم أن هذا النظام الذي كان الحارس الأمين لحدود إسرائيل في مراحل قوته لن يكون حليفا نافعا عند ضعفه في تحرير فلسطين؛ التي لا تحررها إلا الأيادي الطاهرة والجباه الساجدة.

مائة نقطة مقابل صفر

لقد حصل النظام السوري في الجولة الأولى على كل ما يرجوه من تطبيع حماس معه، ولم تحصل حماس على شيء وبتقديري لن تحصل! فقد تمكَّن النظام من ترويج إعادة التطبيع مع حماس على أنه عودة الابن العاق إلى وصاية الأب الشفوق الذي تجاوز عن طيش المراهق، ساعده في ذلك تصريحات الحية في اعتبار ما جرى "فعلا فرديا لم تقرّه قيادة حماس!!". تمكَّن النظام كذلك من شقّ صفّ معسكر الأحرار والمناضلين في وجه الطغاة والمحتلين، بنقل أكبر حركة مقاومة إسلامية معاصرة إلى صفّه إثباتا لنظريته، ونجح بإحداث بلبلة في الصف السنّي علمائيا وشعبيا على مستوى العالم الإسلامي، واستطاع أن يجعل حماس -التي كانت تمثِّل الأخ الأكبر لكل حر وثائر- في مواجهة الشعوب الإسلامية المضطهدة والمكافحة لنيل حريتها، وحصل على صك غفران مزور عن مجازره بحق الفلسطينيين على الأقل، وذلك بطي صفحة الماضي -كما قال الحية-!

كما أنه استطاع إحداث شروخ طولية عميقة في بنية حماس نفسها كما لم يحدث من قبل، وهو ما يهدِّد تماسك الحركة وقدرتها على الصمود في المرحلة القادمة. ولا شك أنه سيوظِّف حماس كورقة في إعادة تأهيل نفسه عربيا ودوليا، ولا أستبعد أبدا أن تكون هذه الخطوة جزءا من خطة صفقة القرن، تستهدف إضعاف حماس وعزلها عن حاضنها الإسلامي وعمقها الشعبي، وتقليل تعاطف الشعوب معها، إذا ما استهدفت غزة في أي معركة حاسمة.

ومن ظن أن نظام الأسد سينصر فلسطين أو سيساند غزة إن تكالبت عليها الأمم، أو سيصطف مع الحركة في أي معركة قادمة، أو سيسمح لمجاهد واحد من الحركة أن يتسلل إلى الأرض المحتلة من مرتفعات الجولان، فهو جاهل بالتاريخ وبطبيعة هذا النظام وبحقيقة عجزه وإفلاسه الحالي!! ومن ظنّ بأن الأسد السفاح سيفتح لحماس دمشق لتكون مأوى للقيادات أو مركزا للتحرّك السياسي، أو ميدانا للتدريب العسكري، فهو ساذج سيئ التقدير!! بل ستكون دمشق محضنا لترويض بعض الشخصيات سياسيا -على الأقل- وفق الوصفة الإيرانية، ومصيدة إسرائيلية لاغتيال بعض الشخصيات التي يمكن أن تشوّش الوصفة الإيرانية، ومسرحا لاستكمال هزلية محور المقاومة كان ينقصها حماس في الكومبارس.

لا تزال معركة الشعوب على طغاتها ومحتليها قائمة ولن تتوقف، وسنة الله جارية في الانتصاف للمظلوم من ظالمه وفي أخذ الطغاة بعد الإمهال، وستنتصر هذه الشعوب حتما بإذن الله. والثورة السورية ما تزال متّقدة ماضية حتى إسقاط الأسد، ونيل الحرية والثأر لدماء الملايين. ليت شعري إذا انقلب السحر على الساحر ودالت الأيام، هل ستعتذر حماس لمن خذلتهم يوما؟ ربما ستغفر الأمة للحركة، لكنها حتما لن تغفر لمن سفح ماء وجهه، ولوّث ماضيه فصافح وسامح.

أقول لقائد حماس الزائر لمناطق سوريا المحتلة من نظام الأسد، التي هُجّر منها عشرات ملايين المظلومين، أقول له وقد صافح وابتسم وطوى صفحات قد غصّت بالظلم والإجرام الذي أطّت منه السماء: في دمشق تمهّل بمشيك فتحت قدميك رفات ملايين الشهداء الذين عُجنت دماؤهم بهذا الأديم، وأصغ السمع قليلا لتسمع أنات مئات الآلاف من الأحياء الأموات من السوريين والفلسطينيين، ما زالوا في أقبية المخابرات ومسالخ الأسد، أصغ جيدا فبين الصرخات بكاء أطفال ورضَّع.. وإذا وصلت مخيم اليرموك والغوطة الشرقية وداريا، فخفف الوطء وأطرق الرأس واخفض الصوت واخلع نعالك.

اخلع نعالك قبل دوس رمالها         فتراب أرضي من رفات رجالها