سياسة عربية

"لم الشمل" في الجزائر.. هل تنهي الخلاف بين النظام ومعارضيه؟

التحايل السياسي على الشعب مرة أخرى، يحمل معه مخاطر على السلطة نفسها - الأناضول
قلل الكاتب والمحلل السياسي الجزائري سعد بوعقبة من الرهان على مبادرة "لم الشمل" التي أطلقها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، من أجل إقناع المعارضة بمختلف أطيافها في الداخل والخارج، بالدخول في حوار سياسي يمهد الطريق لمصالحة وطنية.

واعتبر بوعقبة، في مقال له نشرها بصحيفة "مدارتيفي" الإلكترونية، أن "مبادرة لم الشمل، تأتي في وقت تتعرض فيه الجزائر "لتهديد جدي في وحدتها بعد تراكم المصاعب في تسيير الشأن العام أمنيا، وسياسيا، واقتصاديا!"

وأضاف: "القول بأن البلاد في حاجة إلى لم الشمل الوطني، لا يمكن أن يكون إلا هروبا إلى الأمام من السلطة، لتفادي مصيرها المحتوم في مواجهة الشعب".

وأشار إلى أن "كل الناس تلاحظ أن الحراك توقف في الشارع، لكنه لم يتوقف في أجهزة الدولة التي تمثلها السلطة، فالكل يتآمر على الكل، والكل يمارس العنف ضد الكل في السلطة! ولم يعد سجن البعض للبعض الآخر في السلطة يشفي غليل الشعب، بل أصبح الشعب يطالب برحيل الجميع إلى السجن!؟"

ورأى بوعقبة أن "الفساد لم يعد قادرا على تأمين نفسه بالاستبداد، كما كان الحال قبل سنتين! والشعب بات متأكدا من أن السكوت عما يحدث، يزيد من مصاعبه وهمومه، ولا يضمن له الأمن والأمان!".

وأكد أن "مقدرات البلاد تُصرف على خيار الكل الأمني، الذي أصبح لا يضمن الأمن حتى للسلطة نفسها، ناهيك عن أمن البلاد والشعب!".

ونبه إلى أن "تأجيل مسألة الشرعية ودولة القانون، واستبدالها بسياسة الكل الأمني، لم يعد مقبولا لدى السلطة نفسها؛ لأنه أصبح لا يضمن لها الأمن والأمان! كما أن تأجيل التنمية، لم يعد أمرا مقبولا يمكن السكوت عنه؛ لأنه أخذ منحى خطيرا، وصل إلى التهديد الجدي بتفكيك البلاد".

وتابع: "القول بأن لم الشمل، يمكن أن يعطي للسلطة متنفسا جديدا، يجنبها المخاطر التي تواجهها الآن، لا معنى له؛ لأن السلطة تفكر في تحايل جديد على الشعب! والحل ليس في تجديد التحايل السياسي، بل هو في ترك الحيل التي مارستها السلطة حتى الآن، ولم تنته إلى ما يضمن لها سلامة البقاء في السلطة."

وأكد بوعقبة أنه "لكي تنجح سياسة "لم الشمل" علينا الاتجاه مباشرة إلى أم المشكلة، وهي حل مسألة الشرعية! وهذا لن يكون بالتحايل على الشعب مرة أخرى، من أجل تمرير عهدة ثانية للرئيس الحالي، بدون مشروع سياسي جدي وجديد، يخرج البلاد من خطر الانشطار والتمزق! والسلطة الفعلية تعرف جيدا بأن أمر تهديد الوحدة الوطنية، أصبح قاب قوسين أو أقرب، ولا يمكن السكوت عنه!؟ كما أن سوء تسيير البلاد وصل إلى حدود لا تطاق، ولا يمكن صرف النظر عنه!".

وأضاف: "لهذا، فإن التحايل السياسي على الشعب مرة أخرى، يحمل معه مخاطر على السلطة نفسها، أقل من مخاطر ذهابها إلى تغيير جذري وفعلي، يتجاوز ما هو قائم من استبداد وتمزيق لهذا الوطن"، وفق تعبيره.

اقرأ أيضا: الجزائر تحيي ذكرى ميثاق السلم والمصالحة الوطنية


وكانت السلطات الجزائرية قد كشفت النقاب عن ملامح مشروع مصالحة تحت عنوان "لمّ الشّمل"، مع نشطاء معارضين من "أجل صفحة جديدة"، بمناسبة ستينية الاستقلال التي سيحتفل بها في 5 تموز/يوليو المقبل.

ونشرت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، الثلاثاء الماضي، خبرا بعنوان "عبد المجيد تبون، رئيس جامع للشمل"، قالت فيه: "الرئيس تبون، الذي انتخب من قبل كل الجزائريين الذين يتطلعون إلى جزائر جديدة، هو رئيس جامع للشمل حيث نجح في توحيد الشباب والمجتمع المدني خلال حملته الانتخابية، ليشكل انتخابه أول تداول ديمقراطي في تاريخ البلاد".

وأضافت: "يد السيد عبد المجيد تبون، وهو رئيس لطالما اهتم بالنقاش السائد في المجتمع ممدودة للجميع، بشكل دائم، ما عدا للذين تجاوزوا الخطوط الحمراء وأولئك الذين أداروا ظهرهم لوطنهم. فهو ليس من دعاة التفرقة، بل بالعكس تماما".

وتابعت: "يجب أن يعرف أولئك الذين لم ينخرطوا في المسعى أو الذين يشعرون بالتهميش، أن الجزائر الجديدة تفتح لهم ذراعيها من اجل صفحة جديدة. فكلمة إقصاء لا وجود لها في قاموس رئيس الجمهورية، الذي يسخر كل حكمته للم شمل الأشخاص والأطراف التي لم تكن تتفق في الماضي"، وفق تعبير الوكالة.


وفي بريطانيا أكد الخبير الأمني المنشق عن النظام الجزائري كريم مولاي، أنه تلقى اتصالات متعددة من جهات محسوبة على النظام في الجزائر تعرض عليه العودة إلى البلاد، وضمان العمل السياسي من الداخل.

وأكد مولاي في حديث مع "عربي21"، أنه "استمع لتفاصيل مبادرة لم الشمل التي يشرف عليها ديوان الرئيس عبد المجيد تبون، وأنها مبادرة شبيهة بتلك التي كان الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة قد طرحها تحت عنوان قانون الوئام المدني، الذي كان قد وضع دعائمه الرئيس الأسبق اليامين زروال، ثم جسده بوتفليقة في العام 2000 ثم طوره إلى خطة للمصالحة الوطنية عام 2005".

لكن مولاي أعرب عن عدم ثقته في المبادرة، وقال: "على الرغم من أن الوسطاء الذين تحدثوا لي بإسهاب عن مبادرة لم الشمل، وكان على رأسهم مستشار شخصي للرئيس، قد أكدوا أن المبادرة تهدف لطي صفحة الخلاف مع المعارضة، إلا أنها تظل كلاما لا معنى له على الأرض، ولا ترقى إلى الثقة، حيث فقدنا قبل أيام الناشط الحقوقي المعروف حكيم دبازي وقبله كان محمد تامالت، وكمال الدين فخار، وآخرون هم الآن تحت التعذيب".

وأضاف: "شخصيا أعرف مئات الملفات العالقة منذ تسعينيات القرن الماضي، لم تستطع الحكومات المتعاقبة إنهاءها بالكامل، بل إن مئات الجزائريين مازالوا ينتظرون أي معلومة عن أشخاص منهم اختفوا في الحرب القذرة، ولا يعرفون مصيرهم حتى الآن".

وأكد مولاي، أنه "لن يكون ضحية أخرى تضاف إلى ضحايا الاستبداد الذي مازال يحكم الجزائر، ولا يبدي أي مرونة في حلحلة الملفات العالقة، والإقدام على تغيير سياسي حقيقي وجدي، عبر حوار وطني شفاف تشرف عليه قيادة وطنية منتخبة من الشعب مباشرة"، على حد تعبيره.