صحافة دولية

"الأسلحة البيولوجية" الأمريكية بأوكرانيا.. حقيقة أم مبرر روسي؟

أكد كوناشينكوف أن واشنطن تهدف لنقل الأمراض عن طريق الطيور بين أوكرانيا وروسيا - (CC0)

نشرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية تقريرا تحدثت فيه عن تأكيدات روسية بشأن إنتاج أوكرانيا أسلحة بيولوجية بمساعدة الولايات المتحدة، وسط إصرار أمريكي بأن المختبرات لا تستخدم في صنع الأسلحة، ولكن لتأمين السموم ومسببات الأمراض المهددة للأمن القومي.

وقالت الصحيفة في تقريرها، الذي ترجمته "عربي21"، إن روسيا أكدت أن لديها وثائق تكشف محاولة أوكرانيا محو أدلة لبرامج بيولوجية عسكرية تحظى بتمويل البنتاغون؛ حيث قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا - في 9 آذار/مارس - إن لدى روسيا وثائق تثبت أن وزارة الصحة الأوكرانية أمرت بإتلاف عينات من الطاعون والكوليرا والجمرة الخبيثة ومسببات الأمراض الأخرى في 24 شباط/فبراير، عندما اجتاحت القوات الروسية الأراضي الأوكرانية.

وبحسب الصحيفة، فإن زاخاروفا تؤكد أن التدمير العاجل لمسببات الأمراض الخطيرة كان بهدف التستر على حقيقة أن أوكرانيا والولايات المتحدة انتهكتا المادة 1 من اتفاقية الأسلحة البيولوجية، فيما نقلت الصحيفة عن المتحدث باسم وزارة الدفاع إيغور كوناشينكوف قوله - في حديثه حول مستجدات الصراع في أوكرانيا - حول هذه المسألة: "كان الهدف من هذا البحث البيولوجي الذي يموله البنتاغون في أوكرانيا هو إنشاء آلية للانتشار الخفي لمسببات الأمراض الفتاكة".

وأوضحت أن الصين أرادت، من خلال وزير خارجيتها، إضفاء بعض الاتساق على هذه التصريحات؛ حيث أشار وانغ يي إلى أن "الولايات المتحدة لديها 336 مختبرًا في 30 دولة تحت سيطرتها، بما في ذلك 26 في أوكرانيا وحدها"، وهو ما جعل الكاتبة تتساءل: إلى أي مدى وصل التعاون بين أوكرانيا والولايات المتحدة في مجال البحوث البيولوجية؟ وهل يمكن أن تكون هذه الشراكة قد ولدت أسلحة يحظرها القانون الدولي؟

وأشارت إلى أن وكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، لم تنكر، خلال جلسة استماع برلمانية بتاريخ 8 آذار/مارس، وجود "مرافق أبحاث بيولوجية" في أوكرانيا، غير أنها أعربت عن قلقها من "احتمال أن تحاول القوات الروسية السيطرة عليها"، وهو البيان الذي أثار شكوكًا بشكل سريع على الشبكات الاجتماعية بشأن صحة مزاعم روسيا المتعلقة بوجود مختبرات بيولوجية.

 

اقرأ أيضا: موسكو: واشنطن درست طريقة نقل أمراض "فتاكة" عبر الطيور

جوهر التعاون بين أوكرانيا والولايات المتحدة

ولفتت الصحيفة إلى أن التعاون بين أوكرانيا والولايات المتحدة في مجال البحوث البيولوجية ليس سرًّا؛ حيث قال الباحث المشارك في مؤسسة البحوث الاستراتيجية، والمتخصص في الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، أوليفييه ليبيك، إن "أوكرانيا تشارك في برنامج يعود تاريخه إلى أوائل التسعينيات، يسمى التعاون للحد من التهديد"، وهو البرنامج الذي جاء بمبادرة من الولايات المتحدة دخلت حيز التنفيذ في سنة 1991، وكان الهدف من اتفاقية التعاون هذه عند إطلاقها "تأمين وتفكيك أسلحة الدمار الشامل والبنى التحتية الخاصة بها في دول الاتحاد السوفييتي السابق".

وبينت الصحيفة أن هذا التعاون يوفر التمويل والخبرة لدول الاتحاد السوفييتي السابق، مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان وبيلاروسيا وأوزبكستان وكازاخستان، لإتلاف مخزونات المواد النووية والبيولوجية والكيميائية؛ حيث تم تحويل المختبرات العسكرية السرية، بأعداد كبيرة على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق، إلى مختبرات مدنية، وتساعد هذه المبادرة اليوم في الحماية من أسلحة الدمار الشامل أثناء التنقل، وتعزيز أمن الحدود البرية والبحرية في الاتحاد السوفييتي السابق.

شراكة تمتد لنحو 46 مختبرا

وأكدت الصحيفة أن الولايات المتحدة سعت لتحقيق تلك الأهداف في أوكرانيا من خلال برنامج المشاركة البيولوجية التعاوني الذي كان يُعرف سابقًا باسم برنامج الحد من التهديدات البيولوجية؛ حيث توضح مذكرة 11 آذار/مارس من وزارة الدفاع الأمريكية أن الولايات المتحدة استثمرت 200 مليون دولار في أوكرانيا منذ سنة 2005، ودعمت 46 مختبرًا ومنشأة طبية محلية، ويوجد خمسة منهم في كييف، وفقًا لوثيقة أخرى، موقعة من قبل عالم أمريكي يعمل في مركز أبحاث الكونجرس الأمريكي.

وتنقل الصحيفة من الموقع الإلكتروني لسفارة الولايات المتحدة في أوكرانيا سردًا للعديد من مهام بعثات برنامج الحد من التهديدات البيولوجية في أوكرانيا مثل تحديث أو بناء مختبرات، بما في ذلك اثنتان في عام 2019 في كييف وأوديسا، بالإضافة إلى برنامج إرشادي للكتابة العلمية للأوكرانيين، تم إطلاقه سنة 2016، كما دعمت واشنطن "العديد من المشاريع البحثية التعاونية" بين العلماء الأمريكيين والأوكرانيين. 

 

 


هل هو خطير بما يكفي لصنع سلاح؟

وبحسب الصحيفة؛ فقد أشار المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف، خلال مقابلة أجراها يوم الأربعاء، إلى هذا "المشروع الأمريكي لنقل مسببات الأمراض عن طريق الطيور البرية المهاجرة بين أوكرانيا وروسيا"، في إشارة خاصة إلى "انتشار حمى الخنازير الأفريقية والجمرة الخبيثة".

ونقلت الصحيفة عن الباحثة في الأسلحة البيولوجية والمعلمة في كينجز كوليدج بلندن، فيليبا لينتزوس، تأكيدها أن هذه الاتهامات خاطئة، حيث قالت: "تؤكد جميع المؤشرات التي قدمها باحثون مستقلون ومسؤولون رسميون أن الولايات المتحدة تدعم إلغاء تنشيط العوامل البيولوجية وأن العمل في المختبرات الأوكرانية يهدف إلى منع الأوبئة"، فيما شدد أوليفييه ليبيك على أنه "لتطوير سلاح بيولوجي، لا يكفي وجود سلالة ممرضة، تحتاج أيضًا إلى نموذج لنشره مثل قنبلة، أو رذاذ قادر على حمل العامل الممرض دون قتله"، مضيفًا: "من الواضح أنه يمكن استخدام البحث الطبي في إطار برنامج عسكري، لكن ذلك ليس أمرًا مثيرًا للقلق ولا يقدم أي دليل على التخطيط لتطوير سلاح بيولوجي". 

وذكرت الصحيفة أن الخطورة التي تشكلها هذه المواد تبرر مخاوف الولايات المتحدة؛ حيث حذر أوليفييه ليبيك من أنه "إذا تأثر أحد هذه المختبرات بضربة روسية، فلا يمكننا استبعاد الفرضية القائلة بأن أحد هذه العوامل الممرضة يمكن أن ينتشر في الطبيعة".

ولفتت الصحيفة إلى أنه بات من الواضح أن كييف وواشنطن أبرمتا شراكة تشمل العديد من المختبرات البيولوجية على التربة الأوكرانية، ولكن حتى يثبت العكس، فهي لا تستخدم في صنع الأسلحة، ولكن لتأمين السموم ومسببات الأمراض المهددة للأمن القومي.

وخلصت الصحيفة إلى القول بأنه قد تكون اتهامات موسكو وسيلة لتبرير غزوها لأوكرانيا لاحقًا، فهذه ليست هي المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا هذه الحيلة لزعزعة استقرار خصومها، ففي سنة 2018، اتهمت روسيا الولايات المتحدة بإجراء تجارب بيولوجية سرًّا في مختبر في جورجيا، التي تعد إحدى الجمهوريات السوفييتية السابقة التي كانت تهدف، على غرار أوكرانيا، إلى الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي.