ملفات وتقارير

ماذا وراء الهجرة الجماعية لعمالقة التكنولوجيا من وادي السيليكون؟

إخلاء وادي السيليكون يستحيل أن يحدث قريبا بالنظر إلى البنى التحتية الهائلة التي تجذرت هناك وأنفق عليها مئات المليارات- جيتي

يدور جدل في الولايات المتحدة بشأن ما توصف بأنها هجرة جماعية لشركات التكنولوجيا العملاقة من "وادي السيليكون" الشهير، في ولاية كاليفورنيا.

 

ويضم وادي السيليكون المقار الرئيسية لأكبر الشركات الأمريكية العاملة في قطاع البرمجة والإنترنت والتطوير التقني، ويعد مهدا للكثير من المبادرات الإبداعية التي تحولت إلى مؤسسات عالمية عملاقة.

 

لكن إعلان شركة "تيسلا"، لمالكها المتربع حديثا على قمة الثراء في العالم، إيلون ماسك، عن نقل مقرها إلى "أوستن" في تكساس، برفقة "أوراكل" عملاق قواعد البيانات و"هيوليت باكارد" لتكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية، أثار تساؤلات عن إمكانية تحول المدينة الجنوبية إلى وادي سيليكون جديد.

 

 

لماذا؟

 

وتوضح عدة تقارير اطلعت عليها "عربي21" أن السبب وراء تلك الهجرة، التي يتوقع أن تلتحق بها العديد من الشركات الأخرى، بما فيها غوغل وفيسبوك وأمازون، يعود إلى ارتفاع الضرائب في كاليفورنيا، التي تنتهج سياسات ليبرالية أكثر يسارية.

 

وفي المقابل، فإن تكساس المحافظة تقليديا، تتبنى لوائح أقل تدخلا في عالم الأعمال، ولا تفرض ضرائب على الدخل، باستثناء الضرائب الفيدرالية.

 

وكان الملياردير "ماسك" قد تحدث عن ذلك صراحة، بحسب ما نقل عنه تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قائلا إن شركته باتت آخر من ينتج السيارات والمركبات الفضائية في كاليفورنيا، بسبب سياسات الولاية.

 

وأضاف أنه قام بالفعل بالانتقال إلى تكساس ويجري إنشاء مقار جديدة لشركته في أوستن، منتقدا "التأثير المتزايد على التكنولوجيا" في وادي السيليكون.

 

 

وتفرض كاليفورنيا ضرائب إضافية على الشركات العملاقة، وقواعد صارمة لحماية الموظفين على حساب الشركات.

 

وبحسب تقرير لموقع "ريسماركس" فإن أغلب سكان الولاية يدفعون ضرائب على الدخل بحدود 13.3 بالمئة، فيما يدفع الأثرياء 0.4 بالمئة إضافية، فيما لا توجد ضريبة على الدخل في تكساس نهائيا.

 

اقرأ أيضا: ولايات أمريكية تقاضي فيسبوك بتهمة الاحتكار

 

ويثير ذلك المشهد جدلا بين سكان كاليفورنيا، حول ما إذا كان يتوجب على حكومتهم تقديم تنازلات للأثرياء والشركات العملاقة لإقناعهم بالبقاء في الولاية.

 

وفضلا عن قضية الضرائب، فإن منطقة وادي السيليكون وما حولها في كاليفورنيا باتت من بين الأكثر غلاء في الولايات المتحدة، حيث ترتفع باستمرار تكاليف الإيجارات والمعيشة والخدمات بالنظر إلى الإقبال الكثيف عليها باعتبارها المحطة الرئيسية للأعمال عالية الأجور طوال العقدين الماضيين على الأقل، ما يعقد فرص التوظيف.

 

تعايش مع عالم كورونا.. لا أكثر

 

وفي المقابل، تحدثت تقارير أخرى عن محاولة الشركات العملاقة الاستفادة من بيئة العمل الجديدة التي فرضها فيروس كورونا المستجد.

 

وقللت مجلة "تكساس منثلي" من شأن انتقال شركتي تيسلا وأوراكل إلى أوستن، معتبرة أن الأمر يتعلق بنقل المقار الرئيسية وبعض فروع الإنتاج والتطوير، دون جلب جميع الموظفين من وادي السيليكون.

 

وأوضحت المجلة في تقريرها أن الشركات الجامحة والراغبة بمزيد من الأرباح مقابل نفقات أقل لا يمكنها تقليل أجور موظفيها الذين يعملون من المنازل، لكن بإمكانها صرف رواتبهم من ولاية لا تفرض ضرائب على الدخل، ومن ثم توفير مئات الآلاف وربما ملايين الدولارات.

 

واعتبر التقرير أن من المبالغة الحديث عن وادي سيليكون جديد في أوستن، لا سيما أن المدينة تضم بالفعل العديد من الشركات العملاقة في مجلات تقنية مختلفة.

 

لكن المجلة انتقدت بشدة الشركات العملاقة، معتبرة أن سلوكها تاريخيا تسبب بخراب العديد من المدن الأمريكية، عبر التدفق إليها واستغلالها وتحفيز ساستها على خفض الضرائب على رجال الأعمال وتخفيف القيود عنهم، ما يتسبب بارتفاع المعيشة إلى مستويات جنونية طاردة للسكان، قبل أن تقوم الشركات بإخلاء المنطقة التي ستبدو كمدينة أشباح.

 

ونقلت المجلة عن كاتب من كاليفورنيا، يدعى جو ماثيوس، توجيهه شكرا لتكساس، في مقال، إزاء أخذها إيلون ماسك.

 

ورغم ذلك، فإن الصورة ليست كذلك تماما، حتى اللحظة على الأقل، وفق المجلة، مؤكدة أن اختيار أوستن لم يكن عبثيا، إذ شكلت المدينة بالفعل مهدا للعديد من الشركات التقنية العملاقة، ومن أبرزها "ديل"، فضلا عن فروع كبرى لـ"أبل" و"آي بي أم" و"سامسونغ".

 

ولفت التقرير إلى أن العملاقة "أوراكل" أكدت بالفعل، في بيان، أن الأمر يتعلق بالاستجابة إلى "العادي الجديد"، المتمثل بعمل قطاع كبير من الموظفين في منازلهم.

 

ومن جهة أخرى، فإن انتقالا كبيرا من وادي السيليكون من المستحيل أن يحدث في وقت قصير، وربما لا يحدث حتى على المدى المتوسط، بالنظر إلى البنى التحتية الهائلة التي تجذرت هناك والتي أنفق عليها مئات المليارات على مدار عقود، بحسب التقرير.

 

لكن أمريكيين يناقشون من الآن الانعكاسات السياسية والاجتماعية المتوقعة لانتقال وادي السيليكون إلى تكساس، وسط حديث عن تسبب شركات التكنولوجيا العملاقة بجلب اليد العاملة "الليبرالية" التي ساهمت في جعل كاليفورنيا واحدة من أهم معاقل الحزب الديمقراطي، بحسبهم.