قضايا وآراء

حَشَرِيَّة المعارف الجزئيَّة

1300x600
لعلَّ أخطر المعارف على الإطلاق هي المعارف الجزئية/ التقنيَّة/ الإجرائية، التي يتم تحصيلها بالتلقين اليومي التدريجي، المباشِر. وذلك لأنها تستقر بعد فترة في أغوار اللاوعي، وتصنع التحيُّزات النفسيَّة والقيميَّة من تفاصيل الحياة اليومية- الماديَّة الصغيرة، التي نؤديها بغير كثير تفكير؛ فتُسهِمُ من ثم في إعادة تشكيل الرؤية الكونية للإنسان.

وقد كانت الطريقة الوحيدة لتلقين مبادئ هذا النوع من المعرفة "السلوكيَّة" هي الأسرة، إذ تتبَّع سلوك أطفالها لتقويمه، حتى ينضبِط السلوك اليومي ويستقيم على منظومة الأسرة القيميَّة. ثم صارت المدارس الحديثة - بأنواعها - شريكاً مُهيمناً في ذلك. وأخيراً، سطا "الإعلام" على هذا الفضاء، واستعمله بكفاءة شديدة لا في التلاعُب بـ"المتلقي" فحسب، وإنما في تغيير رؤاه الكليَّة على المدى الطويل (بتغيير أنماط هذه التفاصيل الصغيرة)؛ مما أفضى إلى مسخ تصورات الإنسان الحديث عن الإله والإنسان والكون بغير أن يشعر.

ومنبع خطورة القصف المعرفي- الإعلامي كونه يَصُبُّ وابلاً من "الحقائق" الجزئيَّة على رأس المتلقي، مع السكوت عن "الحقيقة" الكليَّة المغايرة (الكامنة خلف التفاصيل الجزئيَّة) أول الأمر، وذلك حتى تتم علمنة الرؤى المعرفية الإجرائيَّة والتفاصيل التقنية، ومن ثم يصير الإنسان مُستعداً لقبول تغيُّر الإطار "النظري" الأشمل، والانتقال إلى تبني الرؤية الكليَّة "المناقِضة" لما كان عليه، وذلك بعد أن استبْطَ تفاصيلها عمليّاً بالتكرار الروتيني للجزئيَّات "الجديدة".

إذ أن ترسيخ الكسب المعرفي- السلوكي "الجاهلي" المخالف للفطرة، أو حتى ذلك "التوحيدي" الموافق لها؛ يعتمِدُ - أول أمره - اعتماداً كاملاً على التكرار، وعلى ربط القيم المرغوب بغرسها بتفاصيل الحياة اليومية، وعلى ربطها أحياناً بالمنفعة واللذة الآنيتين، وأخيراً على وصل هذه القيم بـ"قدوة" عمليَّة من نفس النوع (نموذج حي يُجسِّد هذه القيم)؛ بحيث تصير تلك القيم جزءاً لا يتجزأ من الصيرورة "الجديدة"، وهو الجزء الذي لا ينتبه لـ"جدته" المتلقي في غالب الأحيان.

لهذا، كان "الإعلام" الحديث كله (صحافة، إذاعة، تلفاز، إنترنت.. إلخ) أخطر على الإنسانيَّة - بما لا يُقاس - حتى من الأسر الفاشلة أو المنحلَّة، التي تمسخ فطرة أطفالها. إذ أنه لا يُلقنك السوء بصدمة مباشرة، أو يُغذيك بتفاصيله من خلال ضغط واقع اجتماعي بائس قد يدفعك للاشتباك معه؛ وإنما يُفرغ "الحقيقة" الكليَّة من محتواها، وذلك من خلال بث كم هائل من التفاصيل والتقنيات والجزئيات المناقِضة لها. إنه يسقيك المسكِر في جرعات صغيرة لا تنتبه معها لمفعوله إلا بعد فوات الأوان (وأنت ثَمِلٌ!)، وقد لا تنتبه لها أصلاً كما هو حال الغالبية العظمى.

هذه الكارثة قد تغذيها لاحقاً - وتُرسِّخها - الرغبة الشبقيَّة في مطالعة أي شيء وكل شيء، وهو قدر "النضج" الذي يُحققه الضحيَّة في هذه المنظومة. فقد أدَّى تلقيه السلبي للقصف الإعلامي - الذي شمل كل أنواع القذائف - إلى إدمان هذا النوع من القصف المشَوِّه، ومحاولة إشباع احتياجه ذاتيّاً بدرجة أكثر انتظاماً و"عمقاً" من خلال القراءة. وهذه مرحلة "طبيعيَّة" يمُرُّ بها جمهرة كبيرة من الباحثين والمثقفين والقراء، لا المتلقين السلبيين إذ ينضجوا فحسب.

لكن هذا "النضج" الشائع يجب أن يتلوه نُضج آخر أهم - في مرحلة عمريَّة متأخرة نسبيّاً- وذلك بالتوقُّف عمَّا أسميه بـ"التلقي الموسوعي الحشري" لكل معرفة وأي معرفة. هذا النضج الأعلى هو في حقيقته ترويضٌ لما يُسميه أستاذنا عبد الوهاب المسيري -قدس الله روحه - بـ"الذئب الهيغلي المعلوماتي" (نسبة إلى الفيلسوف الألماني هيغل). ففي مرحلة معينة، وبعد الإجابة على الأسئلة الرئيسة والتأسيسية؛ يجب أن تزيد مجال اطلاعك ضيقاً وتحدُّداً وانتقائية، ويتركَّز تحصيلك على ما يزيد إجاباتك تركيبية وعمقاً، وعلى ما يُثري تفاصيل رؤيتك التي تكوَّنت. بهذه الطريقة يُسهِم كل تحصيل في زيادة "مجموعتك" جمالاً وبهاءً، فكأنه صقلٌ حقيقي لما حُزْت. وبهذه الطريقة فقط يتبلور "مشروعك" المتفرِّد بتشكُّل شخصيتك المتفرِّدة.

إنَّه إذا كانت المعرفة الموسوعيَّة مهمة في مرحلة البدايات (وانعدام النُضج)، فإنها تصير شتاتاً حقيقيّاً بعد ذلك. إذ ستتحوَّل بها تدريجيّاً إلى مجرَّد متن جديد؛ "متن بشري" يلوك ما قرأ بغير تفكيك أو تركيب، ولا قدرة على التمثُّل في حياتك، أو التنزيل على واقعك، وهو حال جمهرة "المُثقفين" في بُلداننا العربيَّة المنكوبة، منذ دهمتنا الحداثة الغربيَّة.

إن هذه المعرفة الحشريَّة ستجعلك قادراً على استحضار عشرات النقول، ورصها فوق بعضها؛ بغير قدرة على الربط بينها، أو تحليلها، أو نقدها. والأخطر أن هذا اللغو المهول لا طائل تحته، ولا فائدة من ورائه في حياتك اليوميَّة. إذ تكمُن الخطورة في أمر لا تنتبه له الأكثرية: اتساع نطاق المعرفة عن الحد الإنساني، الحد المنسَجِم مع دورك الفردي في الوجود؛ وهو ما يعني أن المعرفة تصير نظريَّة محضة، ولا علاقة لها بالحياة/ الحركة. بل تصير عائقاً حقيقيّاً يعوق الحركة/ الحياة في الوجود، بصيرورتها عبئاً يُثقِل كاهِل المؤمن/ المستخلَف. وإذا كان الجهل أحد عوائق الحركة؛ فإن الإفراط في المعرفة أيضاً عائق خطير من عوائق الحركة. عائق لا تقل خطورته عن الجهل، بل لعلَّه أخطر عوائق الحركة الإسلامية: حركة المجتمع المسلم بالدعوة إلى الله.

وربما تعيَّن علينا أن نختم ببيان سبب تسميتنا هذه المعارف بـ"الحشرية"، بعد أن أسهبنا في بيان مضار تلقيها بالطرائق الشائعة. وعندنا أن بعض السبب في ذلك هو كونها تصدُر غالباً عن رؤية جُزئيَّة مُعلَّقة بالواقِع، وتُتَداوَل في إطار هذا الواقع الضيق، ولا تتم محاكمتها للأصول الكليَّة إلا نادراً، في عصور الإصلاح والتجديد فحسب؛ فهي أقرب لقصور رؤية الحشرة التي ترى القلم يجري على الورق، ولا ترى اليد الممسكة به، ناهيك عن الجسد الذي تصدُر منه اليد.

كذلك، فإن هذه المعارِف حشريَّة لأنها هي مبلغ الحشرات من المعرفة الغريزيَّة، التي تستعملها لبناء أدواتها ومنازلها ومستعمراتها (أي حضارتها الماديَّة!). لكن على عكس المعارف البشريَّة الجزئيَّة، فإن معرفة الحشرات لا يُمكن تغيير أنماطها ولا تدهور مكوناتها، كما يحدث لمعارف البشر؛ لسببين: أولهما أنها لصيقة بغريزة النوع المفطورة عند الخلق، وثانيها لافتقاد الحشرات لحريَّة الإرادة وانعدام تكليفها. أما معارف الإنسان الحشريَّة، فإن طرائقها تتغيَّر إذا تغيَّرت رؤيته الكليَّة، ولو ضمناً؛ فتتغيَّر أنماط معارفه الحشريَّة وطرائق تنزيلها. بل قد يعمَد القائم بترشيد الواقع إلى تغيير قصدي للرؤى الكليَّة، وذلك من خلال إعادة صياغة الواقع، بالمعارف الحشريَّة التي تُشكله؛ ليُعيد تشكيل الرؤية الكونيَّة الكليَّة كما أسلفنا، في ظل غيبة وعي الإنسان المستَلَب لشهواته.

ولا مخرج من هذه المباءة إلا دوام تجلية المعارِف الكليَّة وإحيائها، وإعادة محاكمة التفاصيل الإجرائيَّة التقنية لها، وهذا ما سنتناوله في مقالنا القادم، إن شاء الله.