مقالات مختارة

الذكرى السنوية الأولى للحرب العبثية ضد الشرعية الليبية

1300x600

"في أثناء وجود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في طرابلس مطلع نيسان/أبريل من العام الماضي، قرر اللواء المتقاعد خليفة حفتر شن حرب على العاصمة طرابلس، حيث مقر حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، متجاهلا المساعي الأممية لتشكيل المؤتمر الوطني الجامع لحل الأزمة الليبية. وحاولت قوات حفتر طوال عام كامل الدخول إلى طرابلس من محاور مختلفة، في ظل اشتباكات طاحنة مع قوات حكومة الوفاق الوطني، التي رفضت في بيانات مع المجلس الأعلى للدولة وبلديات محلية جلها في غرب وجنوب غرب البلاد، إعادة ليبيا من جديد إلى حكم الفرد الشمولي العسكري الديكتاتوري، متمسكة بخيار الدولة المدنية".


هكذا قدمت الجزيرة نت جذور الذكرى السنوية الأولى لهجوم حفتر على العاصمة الليبية والخيبات التي منيت بها مليشياته في كل مغامرة بلهاء يقدم عليها ضد حكومة شرعية متمسكة بالقانون الدولي الذي يتنكر له حفتر، وهو الذي جعل من الإرهابي المطلوب لدى محكمة العدل الدولية بلاهاي محمود الورفلي ذراعه اليمنى، يقتل ويعدم المدنيين الليبيين الأبرياء أمام الكاميرات ويمثل بجثثهم، وحفتر هو الذي أيضا لا يعترف بقانون حرب ولا قانون سلم، وهو الذي جمع أنصاره من دول عربية عرفها العالم مهووسة بالحروب والتدخلات الرهيبة والإخلال بالأمن الدولي، ومن مليشيات شركة أو منظمة فاغنر الروسية ومليشيات بقايا الجنجويد الذين كان الديكتاتور السوداني المعزول عمر البشير يبيعهم، والعياذ بالله من تجار البشر، للدول التي تدفع له 25 مليون دولار وجدت في خزانة بيته ولم ينكرها هو أمام قضاته! والعالم يعرف أن طائرات من دول عربية جارة لليبيا أو بعيدة عنها هي التي تقصف الأسواق والمدارس وبيوت المواطنين، وألقت حكومة الوفاق الشرعية القبض على عديد الضباط والجنود المرتزقة من جهات كثيرة يقاتلون مع حفتر، من أجل استعادة الاستبداد العسكري والقضاء على أي نفس حريات ربيعية في ليبيا.


كنا في المغرب العربي نعاني من فيروس قديم اسمه الصحراء الغربية، أي مشكلة البوليزاريو، وهي العقبة الكأداء التي منعت دول المغرب العربي وشعوبها من التنسيق والاتحاد منذ أواسط السبعينيات ألى اليوم، ولم ينفع معها أي تدخل أممي حتى حين عين مجلس الأمن جامس بيكر وسيطا بين المغرب والجزائر لحل المعضلة، كما فشلت أو أجهضت كل الوساطات الإقليمية لإيجاد حل عادل لهذه المعضلة. واليوم تفتح في المغرب العربي جبهة ثانية أخطر لأنها تهدد بالتدخلات الأجنبية إقليما خلقه الله متجانس التركيبة السكانية، ومتكامل الاقتصادات وموحد المذهب المالكي ومتناسق الجغرافيا، يملك أسباب نهضته ورقيه لو سلمت شعوبه من مغامرات ليبية غير وطنية، ولا شعور لديها بليبيا وسط محيطها الآمن!


نعيد للأذهان ما كانت نبهت إليه مؤسسة التميمي للبحث العلمي في تونس قبل الربيع العربي، في أثناء مؤتمرها الحادي والعشرين حول تكلفة اللامغرب حين طرحت سؤال: ماذا يخسر المغاربيون من غياب الوحدة أو تأجيلها! بمشاركة أساتذة بارزين وأصحاب قرار نافذين من كل بلدان المغرب العربي، تدارسوا أسباب تعثر البناء المغاربي، بينما هو حلم الأجيال التي جاهدت من أجل استقلاله وتأسيس دوله الحديثة، واقترحوا وسائل تحقيق وحدته، وهي الوسائل نفسها التي ما انفك يقترحها المثقفون المغاربيون منذ عقود، ولا مجيب! وفي البيان الختامي عدد المشاركون في المؤتمر أسباب إحباط المشروع الوحدوي المغاربي كالتالي: النزعة السيادية القُطرية المشطة ذات الطابع الانفرادي، وغياب المشاركة الموسعة لمؤسسات المجتمع المدني في القرارات المتخذة، وتغييب الأبعاد المغاربية في التعليم والبحث العلمي والإعلام، وعجز السلطات المغاربية عن إيجاد حلول توفيقية لبعض المعضلات السياسية، وضياع الوقت وإهدار الإمكانيات في عقد اجتماعات ماراطونية لم تنتج سوى الشعور بخيبة الأمل وإعلان الفشل الذريع.


هذه لمحة عن تشريح الإخفاق المغاربي من لدن نخبة متميزة من أبناء المغرب العربي، وضعت أصابعها على أصول الداء واقترحت العلاج السياسي والثقافي الجريء، الذي لا يقتصر على رفع العصا في كل اتجاه بدعوى الحفاظ على الأمن. وعلى هذا الوضع المحتقن بالإضافة إلى فيروس كورونا، تأتي الحرب الأهلية الليبية لتزيد الوضع تأزما وتفتح حدود أوطانه الخمسة لفلول الإرهاب من كل الاتجاهات.
وسبق أن تطرق بيان المؤتمر إلى دقة المتغيرات الجيوسياسية والمعرفية والاقتصادية، وضرورة إعادة ترتيب البيت المغاربي على أساس بناء صرح إقليمي ديمقراطي، منفتح على العولمة والتكنولوجيات وتأمين الحريات المواطنية الأساسية، باعتبار الحرية هي المعيار الصحيح لأي تقدم ولأية تنمية حقيقية.


يا ليتنا نجد في شعوب المغرب العربي رجلا رشيدا يعيد المجد التليد!

 

(الشرق القطرية)