مقابلات

إعلامي مغربي: هناك هامش كبير من الحرية للإعلام في بلادنا

نورالدين مفتاح: لدينا في المغرب هامش كبير من الحرية وهامش كبير من الأخطاء القاتلة (أنترنت)

على الرغم من التحولات الكبرى التي عرفها الإعلام في العالم، ومنه العالم العربي، لازالت أسئلة الحريات تقض مضاجع الإعلاميين لاسيما في عالمنا العربي.

ومع أن المغرب الأقصى قطع أشواطا مهمة في سياق الانفتاح الإعلامي وتحرير القطاع السمعي البصري، وإتاحة هامش معقول من الحرية التي تمكن الإعلامي من الوصول إلى المعلومة وإيصالها للرأي العام، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود تراجعات كشفها تقرير منظمة "مراسلون بلاحدود" للعام الماضي، حول حرية الصحافة، الذي وضع المغرب، في المنطقة "الحمراء" التي تصفها المنظمة بـ"الوضع الصعب". 

كيف ينظر الإعلاميون في المغرب إلى مثل هذه التقارير وإلى وضعهم الداخلي؟ ما الذي استفاده الإعلاميون المغاربة من التحولات السياسية الكبرى التي عرفها المغرب منذ ربيع العام 2011؟

هذه بعض من الأسئلة التي طرحتها "عربي21" على نور الدين مفتاح ناشر أسبوعية "الأيام" و"الأيام 24" والرئيس السابق للفيدرالية المغربية لناشري الصحف ورئيس لجنة المنشأة الصحافية وتأهيل القطاع بالمجلس الوطني للصحافة.

س ـ لنبدأ بفكرة تأسيس المجلس الوطني للصحافة، ماذا يعني هذا المجلس؟


 ـ فكرة تأسيس مجلس وطني للصحافة تعود لعشرين سنة خلت، وكانت تخامرنا كصحافيين وناشري صحف لخلق مؤسسة مستقلة لاحترام أخلاقيات المهنة، فالصحافيون يستمدون شرعيتهم من الجمهور، وبالتالي فهم مطوقون بمسؤولية اجتماعية عبارة عن واجبات حتى لا تكون الحرية المستحقة انزلاقا للمس بالبحث عن الحقيقة أو التعددية أو الكرامة الإنسانية.

وعندما كان المغرب يعالج بطريقته تداعيات "الربيع العربي"، تم التنصيص في دستوره الجديد لسنة 2011 على تشجيع الصحافيين على التنظيم الذاتي في إطار ديموقراطي ومستقل، وبعدها صدر قانون للمجلس الوطني للصحافة في 2016، وخرجت المؤسسة للوجود قبل سنة ونيف، نصفها منتخب من طرف الصحافيين ونصفها منتخب من طرف ناشري الصحف، مع تمثيلية للمجتمع المدني في خمسة أعضاء. وللمجلس الوطني للصحافة اختصاصات واسعة في التأهيل الإعلامي والاهتمام بالجوانب الاقتصادية للإعلام والاجتماعية للصحافيين، ويسلم بطاقة الصحافة ويسهر على الالتزام بميثاق للأخلاقيات المجلس من حرره لينشر في الجريدة الرسمية، كما يختص بالوساطة والتحكيم بين المهنيين أو بينهم وبين الأغيار، وكذا التكوين والتعاون ونشر ثقافة الممارسات الفضلى للصحافة.

س ـ هل نحن إزاء مؤسسة رسمية؟


 ـ لا، نحن لسنا مؤسسة رسمية على الرغم من أن التجربة فريدة مقارنة مع مجالس الصحافة في العالم، بحيث إن لنا شهادة ميلاد بنص تشريعي، ولكن نحن مستقلون بمنطوق الدستور وفي القانون والممارسة أيضا.

س ـ كيف تنظر كإعلامي أولا وكرئيس للمنشأة الصحافية وتأهيل القطاع بالمجلس الوطني للصحافة للواقع الإعلامي المغربي؟


الإعلام المغربي تأثر كغيره بالتحولات العالمية العاصفة التي زادت من هشاشة منشآته الصحافية، فحصرية الدور الذي كان يقوم به الصحافي انتهت، والتعبير الجماهيري أصبح متاحاً للجميع، ومع ضعف القراءة البنيوي نجد أنفسنا في الصحافة في وضع صعب قد نلخصه في حالة الصراع من أجل البقاء، ولذلك نجاهد من أجل إيجاد حلول لتبقى للصحافة المهنية والأخلاقية الكلمة العليا.

س ـ هل ترى بأن المغرب يملك رسميا المنظومة القانونية الكفيلة بالتعامل مع الفتوحات الإعلامية الكبيرة؟


 ـ حصل تقدم ملموس في مدونة الصحافة التي صدرت بعد ماراطون طويل من المفاوضات بين الحكومة والمهنيين، ولكن هذه الترسانة القانونية لا ترقى لطموحاتنا ببساطة لأنها مازالت بعيدة عن المعايير الدولية، وللتمثيل لا الحصر نذكر أنه تم حذف العقوبات الحبسية من قانون الصحافة، ولكن تم ترحيل بعض المتابعات للقانون الجنائي مع الاحتفاظ فيها بالعقوبات الحبسية. هذا التردد غريب في بلد تسبق الممارسة فيه بكثير النص القانوني، والمفروض أن يكون العكس.

س ـ هناك تقارير دولية متعددة تتحدث عن تراجع هامش الحريات الإعلامية بالمغرب، كيف تنظر أنت إلى هذه التقارير؟


 ـ التقارير الدولية لها معايير قد لا تنصف بعض الدول، ونحن مثلا عندما نقارن واقع الممارسة الإعلامية ببلادنا مع ترتيبنا في سلم "مراسلون بلا حدود"، وهو 135، نجد أن هناك حيفا وأن دولا أدنى منّا مرتبة أحسن. ولكن دعني أقول لك إن الذنب ليس ذنب المنظمات الدولية، ولكن ذنب الجهات التي لا تريد أن تحسم في قضية الحرية والقوانين المنسجمة مع المعايير الدولية، وبعض القرارات الطائشة التي لا تخلو منها أي سنة، فنكون كمن يريد أن يملأ سطلا بالماء وهو مثقوب! هناك هامش كبير من الحرية في المغرب، وهامش كبير أيضا من الأخطاء القاتلة في متابعات أو اعتقالات في قضايا تعبير!

س ـ أطلقتم في المجلس الوطني للصحافة منذ عدة أشهر حملة لحث المغاربة على قراءة الصحف المحلية، لماذا هذه الحملة أولا؟ وما هي آفاقها ثانيا؟


 ـ نعم، هذه بداية لعمل نريده عميقا ومؤسسا لدور تأهيلي تحسيسي للمجلس. صحيح للمجلس صلاحيات تأديبية واسعة، ولكن السياسة العامة لفريقنا هي العمل على النهوض بالصحافة والصحافيين أولا، وأحد أبواب هذا التأهيل هو تنمية القراءة في المجتمع. ليس هناك حل آخر لتفادي انهيار الصحافة الاحترافية في العالم إلا القراءة. وكانت البداية بحملة تحسيسية إعلامية وصلنا فيها لـ 77 مليون مشاهدة، وشاركت فيها كل وسائل الإعلام المغربية، بحيث إنها أعطت مساحة إعلانية وصلت قيمتها إلى 2 مليون دولار بالمجان لهذا الهدف النبيل. وقد شارك في الحملة فنانان مرموقان وممثلون للجامعة وللمدرسة، وما كان هذا إلا البداية.

 



المرحلة الثانية سنطلقها بعد شهر، وهي عبارة عن قوافل للقراءة سننقل فيها التحسيس من الإعلام إلى الميدان، وفي كل قافلة سنخصص أسبوعا لكل جهة من الجهات الـ 12 للمملكة، سنقدم فيها دروسا لمحاربة "الفايك نيوز" من جهة وللتعريف بالصحافة من جهة ثانية لتلاميذ المدارس الثانوية، وسنعقد حوارات الفهم والمصارحة مع الطلبة في إطار الصحافة والجامعة، وكذا سنخوض حوارا مع رجال العدالة من محامين وقضاة وموثقين وغيرهم، ومع جمعيات المجتمع المدني وسنعقد شراكات مع مؤسسات خاصة وعامة لتصبح الخطة الوطنية لتنمية قراءة الصحف التي أطلقناها سيرورة تتملكها كل الجهات المعنية وليس المجلس فقط.

س ـ هل انتهى زمن الصحافة المطبوعة بعد ثورة الاتصالات؟


 ـ لا أعتقد أن زمن المطبوع قد انتهى، وفيما ماتت صحف فإن صحفا أخرى عبر العالم تطورت وأخرى تعيش بشكل سلس. إن المطلوب هو أن تستفيد الصحف المطبوعة من هذه الثورة الاتصالاتية بدل أن نجعل منها حائط مبكى، وهذه معركة إبداع وابتكار وإقناع.

 



س ـ الشكل والمضمون في الصحافة المغربية والعربية.. كيف تنظر إليه؟


الصحافة العربية ابنة بيئتها، وعموما هناك مؤسسات وأسماء شرفت هذه الصحافة عبر تاريخها وما تزال، وخاضت معارك الحرية والمهنية وما تزال، بل إن جزءا من هذه الصحافة دخل العالمية، وهناك أسماء عربية لامعة منتشرة في العالم العربي وعبر العالم، وإذا لم نكن قد وصلنا لمستوى الصحافة الغربية فالسبب معروف، فليس لنا نفس التاريخ في الديموقراطية التي هي رئة الإعلام، ولهذا تجد الصحافي العربي الجاد رغما عن أنفه يحمل صفة أخرى، وهي المناضل!