صحافة دولية

NYT: ماذا تخبرنا الانتخابات الإيرانية ولماذا فاز المحافظون؟

نيويورك تايمز: الانتخابات في إيران أصبحت مؤشرا ثابتا للعلاقة بين الدولة والمجتمع- تويتر

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا لأستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس، محمد آية الله طبار، يقول فيه إن إيران أجرت انتخاباتها البرلمانية الحادية عشرة منذ إقامة الجمهورية الإسلامية عام 1979، والأولى منذ تجديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العقوبات على إيران وضرب اقتصادها.

 

ويشير طبار في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن نسبة المشاركة، وهي 42.5%، كانت هي الأدنى منذ عام 1979، وفاز تحالف من المرشحين المحافظين، لافتا إلى أنه في طهران، حيث قرر 75% من الناخبين عدم الإدلاء بأصواتهم، فاز المحافظون الموالون لآية الله خامنئي بالمقاعد الثلاثين كاملة.

 

ويقول الكاتب إن "الناخب الإيراني يواجه معضلة دائمة؛ هل يشارك في الانتخابات أم يقاطعها؛ لأن الخيارات بين المرشحين قليلة ومجلس صيانة الدستور -المؤلف من 6 رجال دين و6 قضاة يقومون بالتدقيق في المرشحين- يمنع من يعدون ناقدين للنظام أو يختلفون مع مواقفه".  

 

ويلفت طبار إلى أن مجلس صيانة الدستور رفض أكثر من 7 آلاف مرشح، معظمهم من الإصلاحيين والمعتدلين، بيهم 90 عضوا في البرلمان الحالي؛ بسبب افتقارهم إلى الولاء الأيديولوجي الكافي، وهو ما قلل من مشاركة الناخبين.

 

وينوه الكاتب إلى أن "نسبة المشاركة خارج طهران وفي المدن الصغيرة كانت أكثر، حيث هناك محفزات أكثر للتصويت إن وعد المرشحون بتحسين المدارس والمستشفيات وتحسين الشوارع وشبكة إنترنت أسرع والمزيد من المشاركة الإثنية، وحتى الوعود بالرعاية الفردية، وكون العقوبات الأمريكية دمرت الاقتصاد الإيراني، فإن المشاركة الأكبر في الانتخابات البرلمانية توفر للإيرانيين في المحافظات الخارجية فرصة التفاوض للحصول على نصيب أكبر من الكعكة المتضائلة من طهران".

 

ويجد طبار أنه "في طهران وغيرها من المدن، فإن الانتخابات البرلمانية لا تشير فقط إلى ما يفضله الناخب من فصائل النظام، لكن شرعيتها بشكل عام، ونسبة المشاركة في المدن الرئيسية تتذبذب أكثر وتعكس التنوع السياسي للمرشحين". 

 

ويبين الكاتب أنه "في الانتخابات البرلمانية لعام 2016، مكنت المشاركة الكبيرة الإصلاحيين المعتدلين للحصول على الثلاثين مقعدا في البرلمان، وقاد الفائزين المحافظين في طهران، محمد باقر قاليباف، وهو الرئيس السابق للطيران في الحرس الثوري، الذي يتوقع أن يكون رئيس البرلمان القادم، وفوز أشخاص مثل قاليباف يثبت بأن الحرس الثوري يريد ضمان وجوده وسيطرته في البرلمان أيضا". 

 

ويفيد طبار بأن "امتناع أعداد من الإيرانيين عن التصويت يعد تعبيرا عن الغضب وخيبة أمل في الحرس الثوري الإيراني، الذي قمع المتظاهرين في تشرين الثاني/ نوفمبر، وتغطية الحرس الثوري على إسقاطه لطائرة مدنية بالقرب من طهران في كانون الثاني/ يناير، لكن المشكلة في مقاطعة الانتخابات هي أنها تفتح باب البرلمان أمام الجناح المحافظ في النظام السياسي".

 

ويقول الكاتب إن "المجتمع الإيراني يقف على تقاطع طرق غير مسبوق، فالنظام يقوم بوضع الدولة تحت سيطرة من يعدهم النخبة الأكثر ولاء، ففي بيئة عاصفة اقتصاديا وإقليميا، فإن فعل ذلك سيسمح بانتقال منظم للمرشد الأعلى القادم". 

 

ويشير طبار إلى أن "الرد الوحشي على الاحتجاجات في تشرين الثاني/ نوفمبر في أنحاء إيران، كشف عن استعداد قوات الأمن لإخماد الاضطرابات، بالإضافة إلى أن جيشا متعدد الجنسيات من الوكلاء تحت علم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني يعمل من لبنان إلى سوريا إلى العراق إلى اليمن، أثبت إرادة إيران وفعاليتها في الدفاع عن حيز نفوذها ومكافحة أي تهديد لذلك النفوذ". 

 

ويرى الكاتب أن "تصميم الدستور الإيراني يساعد الجمهورية الإسلامية على أن تكون في موقع الرابح على أي حال، فمشاركة نسبة عالية في الانتخابات تساعد على منح النظام الشرعية، ومقاطعتها تؤدي إلى فوز المحافظين، وتساعد الانتخابات النظام على قياس المشاعر العامة قبل التحول إلى ثورة".

 

ويستدرك طبار بأنه "بالرغم من القيود المؤسساتية، فإن المواطنين الإيرانيين غالبا ما تمكنوا من التفوق على زعاماتهم، وصدموا العالم في استخدام الانتخابات أداة لتنسيق حركات سياسية واجتماعية على مستوى البلد". 

 

ويلفت الكاتب إلى أنه بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني، والتراجع التدريجي للحماس الثوري، فإن التنافس بين أتباع الخميني لم يوفر إلا فرصة سياسية ضيقة للشعب الإيراني.

 

ويجد طبار أنه "من خلال اختيار المرشحين الذين يبدون أبعد ما يكون عن المؤسسة، فإن الإيرانيين كشفوا عن رغبتهم في التغيير الراديكالي، ليس فقط للنخبة الحاكمة، لكن أيضا لبعضهم، وبدلا من أن تقوي النظام، تحولت الانتخابات العامة عادة إلى احتجاجات قومية، معمقة الهوة بين الدولة والمجتمع، وزادت من حالة الاستقطاب في السياسات الفصائلية".

 

ويفيد الكاتب بأن انتفاضة الطلاب عام 1999؛ احتجاجا على قمع الحكومة للإعلام، واحتجاج الحركة الخضراء على ما رآه الملايين انتخابات مزورة أتت بمحمود أحمدي نجاد عام 2009، كانتا نتيجة مباشرة للسياسات الانتخابية والإحباط العام بسبب قمع النظام لنضال الشعب للحصول على الحقوق المدنية".

 

وينوه طبار إلى أن "النخبة الحاكمة استطاعت أن تدير هذه الدورة من انتخابات واحتجاجات على مدى 30 عاما من خلال سلسلة من حملات القمع، والتنازلات ثم المزيد من القمع، وكان المواطنون الذين خابت آمالهم يقاطعون الانتخابات أحيانا ثم يعودون بقوة في المرة القادمة". 

 

ويقول الكاتب إن "الانتخابات في إيران أصبحت مؤشرا ثابتا للعلاقة بين الدولة والمجتمع، فمشاركة نسبة قليلة في انتخابات عام 2004 البرلمانية كانت مؤشرا على خيبة أمل بعد فشل حركة الإصلاح التي بدأت في الانتخابات الرئاسية لعام 1997 لحماية الحقوق المدنية، التي قادت إلى انتخاب أحمدي نجاد رئيسا عام 2005".

 

ويشير طبار إلى أن "نسبة المشاركة العالية في عام 2016 في الانتخابات البرلمانية كانت تأكيدا على شعبية الرئيس حسن روحاني والاتفاقية النووية التي وقعها مع أمريكا وغيرها من القوى العالمية، وأدى ذلك إلى توقع فوزه بأغلبية ساحقة في الانتخابات الرئاسية في العام الذي يليه".

 

ويؤكد الكاتب أن "فوز المحافظين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة يشير إلى أن الإيرانيين محبطون من السياسة الانتخابية التي لا تحقق شيئا، وتمهد الطريق أمام صعود رئيس متشدد في الانتخابات الرئاسية عام 2021 إن استمرت اللامبالاة الشعبية، وغياب الضغط الشعبي ومساومات النخبة سيحدد تعيين مرشد قد يكون أكثر تشددا من المرشد الحالي آية الله خامنئي".

 

ويستدرك طبار بأنه "بعد هذه الدورة الانتخابية قد لا يكون من السهل عودة الناخبين الإيرانيين لصندوق الاقتراع، وقد تكون انتخابات الجمعة بداية وفاة السياسة القائمة على الانتخابات المحدودة، فالإحباطات ضد النظام السياسي عميقة في البلد، وكذلك المخاوف من التهديدات الخارجية لأمن البلد ووحدة أراضيها، ومن غير الواضح إلى أي اتجاه سيتجه المجتمع الإيراني".

 

ويختم الكاتب مقاله بالقول إن "الانتخابات في الماضي حددت الأرضية للتبادل الثقافي والمفاوضات الدبلوماسية والاتفاقية النووية بين إيران وأمريكا، وبعد الأعداد القليلة التي شاركت في الانتخابات الأخيرة وفوز المحافظين، قد نكون نسير نحو مرحلة أكثر اضطرابا بين البلدين".

 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)