ملفات وتقارير

مركز دراسات إيطالي يتساءل: هل بدأت المرحلة الأصعب في العراق؟

لأكثر من أربعة أشهر شهد العراق موجة قوية من الاحتجاجات ضد البطالة والفساد والافتقار إلى الخدمات الأساسية- جيتي

نشر المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية تقريرا، سلط فيه الضوء على الأوضاع في العراق، ورحلة البحث عن الاستقرار المنشود، والمخاطر التي تهدد البلاد.

وقال المعهد، في تقريره الذي ترجمته "عربي21"، إن الفشل في تحقيق الاستقرار لا يعزى فقط إلى الديناميات الداخلية، وإنما أيضا إلى الديناميات الإقليمية. فبعد أن أدت التوترات المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران إلى تهديد التوازن الداخلي المحفوف بالمخاطر، زادت معارضة السكان للتدخل الأجنبي في البلاد.

وأوضح المعهد أنه رغم العلامات الضعيفة على التعافي، يبدو أن العراق غير قادر حتى الآن على تحقيق الاستقرار الذي طال انتظاره، ورأب الصدع بين السكان والطبقة السياسية العراقية.

 

لأكثر من أربعة أشهر، شهد العراق موجة قوية من الاحتجاجات ضد البطالة والفساد، والافتقار إلى الخدمات الأساسية. وقد تسبب القمع الوحشي الذي تمارسه قوات الأمن العراقية في مقتل المئات، وسقوط آلاف الجرحى. وأدى إصرار المتظاهرين إلى استقالة رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، في بداية شهر كانون الأول/ ديسمبر.

الإطار الداخلي


اعتبر المعهد أن الإطار السياسي العراقي الداخلي تأثر بقوة بموجة الاحتجاجات الكبيرة. وكان للركود المؤسسي؛ بسبب الصعوبات التي تواجهها الطبقة الحاكمة العراقية في تشكيل حكومة جديدة بعد استقالة عبد المهدي، إلى جانب التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وإيران، تأثير سلبي قوي على توازنات البلاد الهشة.

بعد المرحلة الأولى من المظاهرات (1-9 تشرين الأول/ أكتوبر 2019)، وعلى خلفية قرار إقالة الجنرال عبد الوهاب الساعدي من قيادة قوات مكافحة الإرهاب، خرج العراقيون إلى الشوارع مرة أخرى في 25 تشرين الأول/ أكتوبر، وهذه المرة بدعم أوسع من المجتمع المدني. وسرعان ما انتشرت موجة الاحتجاجات على نطاق وطني لتشمل المدن الرئيسية في 11 محافظة في جنوب ووسط العراق.

تعود أسباب استياء الشعب العراقي في المقام الأول إلى فساد الطبقة الحاكمة، والنسبة المقلقة لبطالة الشباب، وارتفاع تكاليف المعيشة، ونقص الخدمات الأساسية، والتقسيم الطائفي للسلطة، بالإضافة إلى التدخل الأجنبي المستمر في الشؤون الداخلية للبلاد. وتميزت الاحتجاجات بمشاركة واسعة لجميع الأطياف في البلاد، مع هيمنة قوية من الشباب دون سن 30، الذين أعلنوا استقلالهم عن أي فصيل سياسي أو ديني.

وأفاد المعهد بأن عواقب الاحتجاجات المطولة لأشهر، وعلى النطاق الوطني، كانت جسيمة. فمن ناحية، أدى التصعيد التدريجي لأعمال الشغب إلى توليد دوامة من العنف. ومن ناحية أخرى، أدى القمع العنيف الذي مارسته قوات الأمن إلى زيادة استفزاز حركة الاحتجاج ضد الحكومة العراقية غير القادرة على تنفيذ الإصلاحات.

في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، حث المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني البرلمان على سحب الثقة من الحكومة. وبعد بضعة أيام، استقال رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي. بعد فترة من الفراغ المؤسسي، كلف الرئيس العراقي برهم صالح في 1 شباط/ فبراير محمد توفيق علاوي بتشكيل الحكومة.

ويرى المعهد أن اختيار رئيس الوزراء الجديد من المرجح أن يتورط في المنافسة المعتادة بين الأحزاب السياسية الرئيسية. وفي الوقت نفسه، لا تظهر الاحتجاجات أي علامة على التراجع، ومن الواضح أن العودة إلى التعايش السلمي تخضع لقدرة الحكومة على تلبية (على الأقل جزئيا) مطالب الساحات.

ونوه المعهد بأنه فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي، فإن التوقعات بالنسبة للنصف الأول من سنة 2020 بالنسبة للعراق إيجابية بشكل عام. وعلى الرغم من الأزمة المؤسسية، واستياء السكان العراقيين على نطاق واسع، يقدر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي العراقي بـ4.7 بالمئة، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير للزيادة في أسعار النفط الخام.

العلاقات الخارجية


أورد المعهد أن العراق على المستوى الدولي تبنى منذ فترة طويلة موقفا براغماتيا ومتوازنا، قادرا على ضمان وضعه كوسيط في رقعة الشطرنج الإقليمية متزايدة التوتر. ومن منظور مماثل، دعت بغداد إلى موقف محايد تجاه شركائها الدوليين الرئيسيين والولايات المتحدة ودول الخليج من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع ذلك، قُوضت هذه السياسة بسبب التصعيد الأخير للأزمة بين واشنطن وطهران، التي امتدت آثارها أيضا إلى الأراضي العراقية.

كانت النتيجة الأولى الواضحة للأعمال العدائية المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران تعزيز تصور هذه الجهات الأجنبية الفاعلة تهديدا بين المجتمعات العراقية المختلفة، خاصة إيران. منذ بداية الاحتجاجات، أظهرت المربعات بوضوح أنها لا تقدر التدخل الإيراني، الذي يُنظر إليه على أنه فاعَل بشكل متزايد التدخلات في السياسة الداخلية. وفي أكثر من مناسبة، استهدف المتظاهرون البعثات الدبلوماسية لطهران، وأضرموا النار في القنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء.

 

اقرأ أيضا: MEE: أمريكا مستعدة لتقليص الوجود بالعراق.. لديها "خط أحمر"

وبيّن المعهد أن الوضع يزداد تعقيدا؛ بسبب تجدد النشاط من الجانب المناهض للولايات المتحدة، ما يخاطر بشكل جدّي بسحب العراق إلى قلب النزاع بين واشنطن وطهران. وفي نهاية سنة 2019، أصبحت العديد من القواعد العراقية التي تستضيف القوات الأمريكية هدفا للهجمات التي تشنها المليشيات العراقية المدعومة من طهران.

في 31 كانون الأول/ ديسمبر، اقتحمت كتائب حزب الله وبعض القوات المتحالفة معها السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد، واجتاحت المحيط الخارجي، وحاصرت المجمع حتى اليوم التالي. ووصل التوتر بين البلدين إلى ذروته خلال عملية المخابرات الأمريكية التي أدت إلى مقتل الجنرال قاسم سليماني والضابط المسؤول عن كتائب حزب الله في العراق، أبو مهدي المهندس. وأثار الهجوم الذي وصفته واشنطن على أنه "دفاعي" مخاوف من تصعيد أوسع نطاقا، مع عواقب محتملة على المنطقة بأكملها.

وأوضح المعهد أنه على الرغم من المحاولات اللاحقة لتخفيف حدة التوتر بين الجانبين، إلا أن الهجوم الأمريكي عزز المواقف المعادية للولايات المتحدة داخل القيادة العراقية على المستوى العسكري. واعتبرت العملية على الأراضي العراقية انتهاكا واضحا لسيادة البلاد. وقد دفع هذا الأمر البرلمان العراقي إلى التصويت على انتهاء التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، وما يترتب على ذلك من انسحاب القوات الأمريكية من العراق. وعلى الرغم من أن التصويت غير ملزم، إلا أنه يشير إلى نفاد صبر متزايد في البلاد تجاه وجود القوات الأجنبية، بالإضافة إلى شقاق أعمق في الطبقة السياسية العراقية.

في الوقت نفسه، أدى تصعيد الشهر الماضي إلى إعادة تحقيق أهداف الجبهة الشيعية تجاه الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق، ما سمح بتعزيز موقف السياسيين القوميين والمؤيدين لإيران. وتجلى ذلك في المظاهرة التي نُظمت في بغداد يوم الجمعة 24 كانون الثاني/ يناير، عندما قام الداعية الشيعي مقتدى الصدر بقيادة الآلاف من الناس إلى الشوارع؛ للمطالبة بانسحاب القوات الأمريكية المتمركزة في البلاد.

وفي الختام، أكد المعهد أن أي تقليص محتمل للوجود العسكري الأمريكي في العراق سيكون له نتيجة حتمية في تقليل تأثير واشنطن إلى حد كبير على بغداد، ما يسمح بتدعيم الوجود الإيراني في البلاد. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي الحد من نشاط التحالف الدولي في مكافحة الإرهاب إلى تعطيل الدعم الغربي بالغ الأهمية في الحرب ضد تنظيم الدولة، فضلا عن تمهيد الطريق لإعادة توحيد صفوفه.