أفكَار

مفهوم الدولة من منهجية التجاوز النقدي إلى التكيف الدستوري

عبد العالي حامي الدين: الخلافة على منهاج النبوة هي إقامة لمعاني الدين في الحكم وتصريف الأمة (أنترنت)

على الرغم من صعود عدد من قادة الحركات الإسلامية إلى رأس السلطة في العديد من الدول العربية والإسلامية، إلا أنهم لم يتمكنوا من تقديم نماذج ذات خصائص محددة يمكن أن نطلق عليها مصطلح الدولة الإسلامية.

من إيران إلى السودان مرورا بباقي الدول العربية التي تنص أغلب دساتيرها على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وقد ظل هيكل الدولة الحديثة هو الوعاء الذي اندرجت فيه مختلف الاجتهادات السياسية. 

ومع أن المكتبة الإسلامية تزخر بآلاف الكتب التاريخية التي توثق مختلف مراحل تطور المنطقتين العربية والإسلامية قديما وحديثا، إلا أنها في الجانب الدستوري والقانوني المتصل بالدولة ظلت في أغلبها أقرب إلى الترجمة والنقل من التجربة الغربية منها إلى النحت الإسلامي. كما هيمن عليها الاصطفاف الأيديولوجي الذي قسم المنطقة العربية والإسلامية، بين شق وطني يعتقد بثراء المكتبة الإسلامية وتقدمها عن غيرها من الاجتهادات الفكرية، وبين نخبة تعتقد بأن العلم لا وطن له، وأن التلاقح الفكري والثقافي من أهم أسباب التطور في مختلف المجالات.

ولكن الحاجة إلى مفاهيم وآليات دستورية وقانونية لإدارة الدولة لم تظهر بشكل جلي وواضح، إلا مع ثورات الربيع العربي، التي أعادت صياغة المشهد السياسي بالكامل، وفتحت الباب على مصراعيه أمام مختلف التيارات السياسية الوطنية للبروز وتصدر المشهد، وكان من بينها تيار الإسلام السياسي الذي ظل ينظر للدولة الإسلامية منذ مطلع القرن الماضي.

"عربي21"، وفي سياق متابعتها للحراك الفكري الذي تعرفه المنطقة العربية والإسلامية، تعيد فتح ملف الدولة الإسلامية كمفهوم وآليات، وتطرحه على قادة المجتمع السياسي والفكري في العالمين العربي والإسلامي.

اليوم يقدم الدكتور عبد العالي حامي الدين عضو مجلس المستشارين المغربي القيادي في حزب العدالة والتنمية قراءة خاصة لـ "عربي21"، في أطروحات الإسلام الحركي من الدولة، ننشرها في ثلاث حلقات.

وتستحضر الحلقة الأولى اجتهادات الإصلاحيين المغاربة وموقفهم من الدولة الإسلامية كمفهوم:  

 

الدولة الإسلامية في الأدبيات الكلاسيكية

في الأدبيات الكلاسيكية للحركات الإسلامية شكل مفهوم "الدولة الإسلامية" محور التفكير السياسي للإسلاميين، وقد كان هذا المفهوم يختزل معاني الدولة التي تتوفر على شرعية دينية تكتسبها أساسا من الاختيار الشوري للأمة ومن تحكيمها لمقتضيات الشريعة الإسلامية (التي كانت تختزل في تطبيق نظام الحدود أساسا)، وهذه الدولة كانت تتجسد في نظام الخلافة كما استقر في الوعي السياسي للإسلاميين، وقد كان هذا التصور يمثل تناقضا رئيسا مع طبيعة الدولة القائمة في البلدان العربية ومنها المغرب.

لكن هذا التصور خضع للتطور على مرحلتين: 

مرحلة المراجعات النظرية الكبرى التي طور فيها الإسلاميون منظورا متصالحا مع طبيعة الدولة القائمة والتراجع عن المفهوم الجامد لل"الدولةالإسلامية" والانتقال إلى مفهوم "مرن" يعتبر بأن أي نموذج سياسي يحقق مقاصد العدل والمساواة والحريّة ويحترم الاختيار الديموقراطيللشعوب (الشورى) فهو نظام متطابق مع مفهوم الدولة الاسلامية.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة "الربيع العربي" التي سمحت للإسلاميين بالاشتباك المباشر مع القضايا السياسية والاجتماعية للمواطنين، ولاسيما من موقع المسؤولية التدبيرية للسياسات العمومية وهي المرحلة التي مهدت لفهم جديد يعتبر بأن مستلزمات العمل السياسي تقتضيالنظر إلى الدولة باعتبارها "كيانا معنويا" يغطي الجميع، وهذا الكيان المعنوي تتمثل وظيفته أساسا في ضمان شروط التعددية والمنافسةالسياسية والحرص على ضمان احترام الجميع لثوابت الاجتماع السياسي الوطني وهي الاجماع على الدين والوحدة الوطنية وطبيعة النظامالسياسي واحترام الاختيار الديمقراطي. 

إن الدولة بهذا المنظور لم تعد محكومة ب"عقيدة" سياسية أو إيديولوجية معينة وإنما هي إطار قانوني ومؤسساتي يستند على الشرعية القانونية ويضمن للجميع التمتع بالحقوق والحريات الأساسية كما تضمنتها الوثيقة الدستورية باعتبارها أسمى قانون في الدولة تمتصياغتها انطلاقا من توافق وطني عريض وتم إقرارها باستفتاء شعبي يعكس الإرادة العامة للمواطنين والمواطنات.

خلال هذه الورقة سنحاول الوقوف عند تصور الإصلاحية الإسلامية للدولة في المغرب من الناحية النظرية، وكيف نجحت في تجاوز مفهوم الدولة الإسلامية؛ كما سنقف عند الدينامية الفكرية التي أطلقها الربيع العربي وكيف تفاعل حزب العدالة والتنمية المغربي مع سؤال تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال جوابه عن سؤال الإصلاح الدستوري.

1 ـ المحددات المنهجية لتجاوز مفهوم الدولة الإسلامية

ينطلق التصور السياسي الذي يعبر عنه التيار الإصلاحي الإسلامي في بناء منظور معين للدولة ولنظام الحكم المطلوب، اعتمادا على قراءة نقدية للتجربة السياسية عند المسلمين منذ مرحلة الخلفاء الراشدين.

وتطمح هذه القراءة إلى "التحرر من النموذج المثالي الذي ظل راسخا في عقول المسلمين والذي يبشر بعودة "الخلافة الراشدة" من جديد بعد انحراف الحكم على المنهج النبوي ومنهج الخلفاء الراشدين، هذا النموذج الذي تضخمت مثاليته حتى أصبح بمثابة "طوبى" حقيقية فينظر بعض الباحثين.

لكن هذه القراءة النقدية تحاول في نفس الوقت استبدال هذا النموذج المثالي بنموذج واقعي يعتمد في أصوله على الخصائص الثابتة لهذاالنموذج، ويستلهم من التجربة النموذجية أهم المبادئ التي يحاول إصلاح الوضع القائم على أساسها، وقد اهتمت هذه القراءة بنقد وتحليلمفهومين مركزيين هما:

1 ـ مطلب إقامة الدولة الإسلامية

2 ـ مفهوم الخلافة على منهاج النبوة.

وذلك بقصد إخراج مفهوم "الدولة الإسلامية" من دائرة المطلق والتعامل معه بشكل نسبي، قبل تمهيد الطريق أمام بعض المطالب الدستوريةالتي لا يمكن التعبير عنها، إلا بعد حل جملة من الإشكالات الفكرية المتولدة عن الغموض الذي يحيط بهذه المفاهيم.

الدولة الإسلامية من الإطلاق المبدئي إلى التقييد النسبي

يحتاج إخراج مفهوم الدولة الإسلامية من دائرة المطلق، ومن دائرة الأصول الإسلامية الثابتة إلى دائرة النسبية وإلى دائرة الفروع التي يجوزالاجتهاد بصددها إلى تحليل مفهومين مركزيين والتعامل معهما بحس نقدي، ونزع طابع القداسة على جملة من الأفكار التي تراكمتبصددهما، وهما: مطلب إقامة الدولة الإسلامية ومفهوم الخلافة على منهج النبوة.

1 ـ نقد مطلب إقامة الدولة الإسلامية:

يعتبر مطلب إقامة الدولة الإسلامية من بين أهم الأهداف التي ركزت عليها الحركات الإسلامية المعاصرة، وقد تزامن رفع هذا المطلب معسقوط "الخلافة العثمانية" في تركيا باعتبارها آخر رمز للوحدة الإسلامية في ظل دولة واحدة. "ومع تطور الأحداث تبين استحالة عودةالخلافة، وأن السعي لإصلاح الحكم هو السبب في ظهور اتجاهات جديدة تحاول التنظير لدولة إسلامية تعيش متغيرات العصر".

وقد أصبح هذا المطلب سمة عامة تميز الكتابات الإسلامية التي تصدرت عملية التنظير لفكرة الدولة الإسلامية وفكرة الحاكمية…،  وهو ما كانت له آثار واضحة على تصورات الحركات الإسلامية في مجموع الأقطار العربية..

غير أن طبيعة النظام السياسي في المغرب، الذي تشكل تاريخيا انطلاقا من المشروعية الإسلامية ساهم في تجنيب الحركات الإسلامية سؤال النقاش الشرعي والفقهي حول مدى إسلامية الدولة القائمة لأن "طرح قضية التعامل السياسي ضمن ذلك الإطار قد يجر إلى جدالاتنظرية لا عمل يترتب عليها".

 

طبيعة النظام السياسي في المغرب، الذي تشكل تاريخيا انطلاقا من المشروعية الإسلامية ساهم في تجنيب الحركات الإسلامية سؤال النقاش الشرعي والفقهي حول مدى إسلامية الدولة القائمة


إن طرح مطلب إقامة "الدولة الإسلامية" "زج بالحركة الإسلامية في صراعات ومنزلقات لا تخدم قضية بناء الأمة وتأهيلها للقيام برسالتها الحضارية، رسالة الشهادة على الناس والقيام بالقسط"، بالإضافة إلى هذا العامل الواقعي المعروف، فإنه من الناحية العلمية والفكرية فإنهذا المطلب "جرد الدولة الإسلامية من طابعها التاريخي النسبي القابل للتجسيد في أشكال مختلفة تتفاوت نسبة تمثلها للقيم الإسلامية" أيأن جميع التجارب التاريخية التي تعاقبت على حكم المسلمين لا تتمثل صفة الدولة الإسلامية النموذجية كما هي متجسدة في "نموذج الخلافة"، ولا تعبر عن حقيقة الإسلام ونظامه في الحكم، كما يعتقد دعاة "الدولة الإسلامية" وهذا الحكم القوي يستند إلى ذلك التصورالمثالي الذي يتجسد في "نكران الحاكم لذاته ومراعاته لحقوق الأمة وقيامه بها" (نموذج عمر بن الخطاب مثلا)، هذا التصور يعكس رؤية تبسيطية لمفهوم الدولة ويربطها بشخص الحاكم الذي ينبغي أن تتحقق فيه صفة الكمال الأخلاقي وهي "صفة تحققت فعلا في الخلفاءالراشدين المهديين".

ومن هنا ضرورة التمييز بين الرشد الأخلاقي الذي كان متجسدا فعلا في الخلفاء "الراشدين" كأفراد وبين الآليات الدستورية والقانونية التيلم تكن إلا تعبيرا عن "صورة من الصور الممكنة" للدولة وقد لا تكون هي النموذج الأمثل أو الوحيد على المستوى القانوني والدستوري وضبطآليات التداول على السلطة رغم "تمام الرشد الديني والأخلاقي للخلفاء"، وهناك الكثير من الوقائع والأحداث التاريخية التي تعبر عن "الفقرفي التقنين الدستوري لمسألة التداول على السلطة وتنظيم الاختلاف وتقنين حق النقد والمعارضة".

كل هذه الأحداث يستنتج منها بأن "رشد الخلافة كان من رشد الخلفاء الراشدين المهديين، لا من رشد المؤسسة السياسية والنظام الدستوري والقانوني المنظم للعلاقة بين الحاكمين والمحكومين".

إن الإسلام (القرآن والسنة) لم يحدد طريقة ممارسة الشورى، وترك "تلك الأمور "الدنيوية" للاجتهاد بحسب متغيرات كل زمان ومكان بدليلأن طرق تعيين الحاكم أو الانتخاب ليست محددة، ومدة الحكم ليست محددة، ولم تكن هناك هياكل سياسية محددة… ولاشك في أن ذلكالوضع يترك "ثغرات دستورية" مفتوحة للاجتهاد بحسب معطيات كل زمان ومكان" وقد كان لضعف المستوى القانوني والمؤسساتي وعدمالقدرة على ضبط الاختلاف السياسي بآليات مدنية وسلمية، انعكاس كبير على الفقه السياسي الإسلامي الذي بقي "متأرجحا بين النموذجالمثالي أي نموذج الخلافة الراشدة وبين النموذج الواقعي، أي تبرير شرعية السلطان المتغلب، درءا للفتنة وترجيحا لمصلحة الاستقرار، دون أنيتجه إلى التفكير في ضوابط وآليات ترشيد الخلافة".*

إننا نفضل أن نتبنى "الدلالة الحضارية الواسعة لمفهوم الإسلامية" وهي تلك الدلالة التي لا تجرد الدولة الإسلامية من طابعها التاريخيالنسبي "القابل للتجسد في أشكال مختلفة تتفاوت نسبة تمثلها للقيم الإسلامية".

إن القصد من هذه "الأطروحة التاريخية" هو إيجاد نوع من الاعتراف "الشرعي" بالواقع الحالي وبالأنظمة السياسية التي تتواجد فوقالرقعة الإسلامية ولو انحرفت عن الالتزام بمقتضيات النظام الإسلامي في الحكم أو لم تلتزم بتطبيق الشريعة..

 

الخلافة على منهاج النبوة هي إقامة لمعاني الدين في الحكم وتصريف الأمة وتدبير أموالها وأرزاقها وفق مبادئ الدين وأحكامه


إن التفكير السياسي الإسلامي المعاصر ينبغي أن يحتفظ على طابعه التاريخي، وأن لا يقفز على الواقع المعاصر والتحديات التي تفرضها إشكالاته.

إن هذا التأسيس النظري لا يمنع من "السعي إلى تحقيق صفة الإسلامية باعتبارها صفة كمال، أي العمل من أجل الارتقاء "بإسلاميةالدولة" من مستوى الصفة التاريخية والحضارية أو من مجرد الإقرار الدستوري إلى أعلى صفات الرشد والإحسان"، وبهذا المسلك تصبحساحة التدافع السياسي بين الحركة الإسلامية والأنظمة هي الساحة الدستورية والسياسية، وذلك باعتماد أدوات المدافعة المدنية، ونبذأسلوب التكفير "ولغة الإقصاء المضاد والصراع العنيف".

وهو ما تطلب من الحركة الإسلامية التقدم بمقترحات دستورية عملية لتقويم "انحراف الحكم" وفق صفة الإسلامية، غير أن ذلك لا يتأتى إلابعد مراجعة بعض المفاهيم والشعارات ذات الدلالة الرمزية القوية وتحرير العقل "الإسلامي" من حمولتها المثالية، وصبغها بصفة عقلانيةواقعية كمفهوم "الخلافة على منهج النبوة".

2 ـ نقد مفهوم الخلافة على منهج النبوة:

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة في الحكم وسن للمسلمين منهاجا في السياسة هو منهاج النبوة" وجاء الصحابة الأوائل "فأخذوا منهاجه في الحكم فكانوا خلفاء راشدين مهديين فكان حكمهم خلافة على منهاج النبوة"، ولذلك ينبغي استحضار المثل الأعلى والسعي إلىتحقيقه باستمرار مع "الأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية والتاريخية التي أدت إلى الانتقال من ذلك النموذج إلى الصور التاريخيةالنسبية" هذه الصور التي وإن كانت "منحرفة" عن النموذج فهي تتحرك في دائرة الإسلام، ومن تم ينبغي العمل على "تطوير النظامالسياسي بما يحقق مضامين الحكم الراشد".

إن اعتماد صيغة "مضامين الحكم الراشد" يحيل إلى حقل المقاصد الذي سيحرر التفكير السياسي الإسلامي المعاصر من تلك الصورةالنموذجية التي يرسمها حول الخلافة الراشدة، ومن ذلك الارتباط الشكلي، ليتساءل عن مضامين هذا الحكم وعن أسباب رشده، وعنخصائص هذا النموذج الذي تميزه عن باقي أشكال الحكم. وبهذه الطريقة، يمكن تكييف مفهوم الخلافة الراشدة مع مستلزمات العصر ومعأشكال جديدة باستطاعة العقل الإنساني أن يبدعها…

إن الخلافة على منهاج النبوة هي إقامة لمعاني الدين في الحكم وتصريف الأمة وتدبير أموالها وأرزاقها وفق مبادئ الدين وأحكامه، وذلك يعني أن بإمكانها أن تتحقق في أشكال متنوعة وصيغ مختلفة بحسب ما اهتدى إليه اجتهاد المسلمين واقتضاه نظرهم بما يحقق المعانيالمذكورة في الزمان والمكان المتغيرين"

وهكذا فكل نظام سياسي توفرت فيه هذه المواصفات فهو نظام إسلامي أو بالأحرى هو نظام راشد على شاكلة الخلافة التي على منهجالنبوة.

إن هذا النوع من التحليل سيساهم في سد فراغ معتبر ظل يعاني منه الفكر السياسي الإسلامي ويحول أمام إبداعه لنموذج دستوريمعاصر يستحضر خصائص "الخلافة الراشدة" ويتجاوز الشكل ليرتبط بالمقاصد الكبرى المرتبطة بتحقيق العدل، وسيادة الشريعة، وحقالأمة في اختيار من يحكمها بواسطة الانتخاب، وتنظيم السلطة بواسطة مؤسسة الشورى، وضمان حق التعبير والحق في المعارضة.

فكيف استطاع جزء من الحركة الإسلامية أن يتفاعل مع دينامية الربيع العربي التي عبرت عن توفر جزء من الإمكان التاريخي لدى الأمةلتطوير نظامها السياسي والدستوري، وما هي أهم المطالب التي عبرت عنها لتدبير مرحلة الانتقال؟