قضايا وآراء

الصندوق السيادي لبيع مصر

1300x600
كاتب هذه السطور هو آخر شخص يمكنه انتقاد تجربة التحول من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق، لكن التحولات الأخيرة التي كان آخرها قانون الصندوق السيادي المصري، تتجاوز مرحلة التصور لمعالجة تشوهات الموازنة العامة إلى مرحلة تجريف، والتخلص بما تملكه الدولة من موارد أو إمكانيات يمكن التعامل معها بشكل مختلف، لمعرفة ومعالجة عملية إدماج مصر في العالم الحر، الذي كان يتطلب بجانب الانفتاح الاقتصادي أيضا انفتاحا سياسيا. هنا يجب أن تعود لتاريخ عملية التحول الاقتصادي في مصر:

1- أول قانون كان قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991، وهو كان أول خطوة لتغيير صفة الملكية من الدولة إلى جمعيات عمومية تكون لها صفة في تصفية الشركات، نتج عنها تصفية 314 شركة وتسريح عمالها، وعرفت هذه المرحلة بالخصخصة. كانت أبرز حكومات هذه المرحلة حكومة د. عاطف عبيد التي اتّهمت من قبل المعارضة بعمليات فساد ضخمة في عمليات التقييم المالية. توقفت عملية الخصخصة عام 2008 مع إضراب 6 نيسان/ أبريل الذي شارك فيه عمال غزل المحلة، حيث كانت في ذلك الوقت شركات الغزل والنسيج معروضة للبيع، ورفضت الحكومة وقتها التسويات مع العمال بشكل عادل.

الأرقام متضاربة ولا يوجد رقم رسمي منسوب لمسؤول في الدولة المصرية حول حجم الخسائر أو حجم عمليات الفساد التي ذكرها المعارضون لعملية الخصخصة.

2- ثاني قانون كان قانون مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق رقم 76 لسنة 2010. أثار هذا القانون جدلا كبيرا وقتها، مع قانون التأمينات الاجتماعية. فالبرلمان أقره في آخر لحظات دور الانعقاد الأخير مما لم يمكن المعارضة من قراءة القانونين قبل إقراراهما، لكن تم إقرارهما في أيام تُعد على أصابع اليد الواحدة. بمراجعة مواد هذا القانون نستطيع القول إنه قانون الاستثناءات جميعها، واستهدف الموارد والثروات الطبيعية. ذكر القانون أنه يعمل على توسيع مشاركة القطاع الخاص، كذلك سيطرح المشروعات بطريقة المزايدة والمناقصة، وآخرها التعاقد المباشر بنظام (PPP)، وانتهت عملية تطبيق هذا القانون باستغلال التعامل الحكومي مع القطاع الخاص بنظام (PPP)، وهي طريقة تسمح للقطاع الخاص بتنفيذ المشروعات، بعد عدد مُتفق عليه من السنوات تتملكها الدولة بعد ذلك. كانت أهم نتائج ذلك القانون مضاعفة الدين العام إلى 1000 مليار جنيه.

3- ثالث قانون كان قانون الصكوك رقم 10 لسنة 2013، بالرغم من قيام ثورة يناير 2011 التي كانت أبرز دوافعها تجربة الخصخصة غير المدروسة التي نتج عنها أزمات اجتماعية طاحنة، أيضا تغيير شكل الحكومة من حيث عملية الاختيار وكذلك التوجهات السياسية، إلا أن الدولة استمرت في عملية التحول، وكانت أبرز مشروعات القوانين التي صدرت في عهد الرئيس المصري الراحل د. محمد مرسي.

القانون كان يسعى لتطبيق تجربة ماليزيا التي حققت نجاحا حسبما أشار المدافعون عنه، بينما تسبب في عجز إمارة دبي بالإمارات العربية المتحدة في سداد ديونها 2010. هاجم القانون مؤسسة الأزهر الشريف في أول تطبيق فعلي لدستور 2012، بتدخل المؤسسات الدينية في العمل السياسي، وأعلنت حكومة ما بعد حزيران/ يونيو 2013 أن القانون يحتوي على العديد من العيوب الفنية وتسعى لإصلاحه، حيث تسبب بخسائر تُقدر بـ10 مليار و173 مليون جنيه في موازنة 2012/2013.

4- آخر إصدارات هذه القوانين كان القانون رقم 177 لسنة 2018 الذي عرف بقانون الصندوق السيادي المصري. أسس القانون لكيان مؤسسي مكون من ممثلي عدد من الوزارات يترأسه مدير تنفيذي. استهدف القانون حسب نصه استغلال موارد الدولة غير المستغلة. وصنف المتحمسون للقانون ثلاثة أنواع من الموارد: الأولى موارد مملوكة للدولة، والثاني موارد مملوكة للدولة بالمشاركة مع القطاع الخاص، والثالث أصول غير مستغلة. ويتوقع القانون أن ترتفع موارده إلى 200 مليار جنيه خلال سنوات قليلة.

أهم انتقاد يُمكن أن يوجه للقانون بعد عدم عرضه على حوار مجتمعي جاد مع المواطنين أصحاب المصلحة أو أحزاب المعارضة، هو أن فكرة القانون تأتي للتعامل مع فائض موارد الدولة الكبيرة مثلما حدث مع الإمارات (800 مليار دولار)، والكويت (600 مليار دولار)، والسعودية (360 مليار دولار)، وقطر (340 مليار دولار).

أيضا إضعاف عملية الرقابة على الأنشطة أو العمليات التجارية لمجلس إدارة الصندوق، ناهيك عن غياب المشاركة في وضع التصورات حول الأعمال وحجمها، مع المتخصصين أو المواطنين أصحاب المصلحة، حال استخدام أحد القطاعات المهمة كشركة أو مؤسسة.

أيضا إدخال مراقبين ماليين مسجلين في البنك المركزي أو هيئة الرقابة المالية يفتح الباب الخلفي لعمليات فساد محتملة، في ظل غياب المعلومات وانعدام الشفافية، بالإضافة لوجود العديد من الجهات والهيئات الرقابية، العامة منها والمتخصصة التي تحتاج فقط لتفعيل دورها في عملية الرقابة والمحاسبة والمساءلة. فالقانون يسمح بتأسيس صناديق فرعية، وهو ما تحقق بالفعل مع منصة إماراتية، وهو ما يفتح الباب في المستقبل لتدخلات يُتوقع أن تؤثر على صانع القرار المصري، سواء اقتصاديا أو سياسيا.

بينما أبرز مشاكل هذا القانون، هو عدم الطعن أمام الجهات القضائية على قرارات الصندوق، وهو الأمر الذي يُعد شبهة عدم دستورية وسبق أن حدث قبل ذلك. كل ما في الأمر أن الظرف السياسي لا يسمح بذلك الآن، بينما يفتح الباب مستقبلا، وهو الأمر الذي يعكس عدم استقرار المراكز القانونية والاقتصادية، بما يعني الخوف من جذب الاستثمارات كما يهدف القانون.

الهدف من الرصد هو تصحيح المسار وإرشاد صانع القرار المصري. وإن كنا مختلفين سياسيا، في النهاية الدولة المصرية هي ملك المصريين. كما أنني مؤمن بتحول مصر الاقتصادي إلى السوق الحر، لكن هذا الأمر يستلزم تطبيق القواعد المتعارف عليه، حتى نخفف الآثار السلبية لعملية التحول أو تفادي سخط الجماهير وتصاعد الغضب الشعبي.

فالعملية الاقتصادية تحتاج مشاركة فعالة من منظمات المجتمع الفعالة والمتخصصة في شؤون الاقتصاد، والسماح لها بانتقاد مسارات التحول الاقتصادي واقتراح البرامج البديلة لتخفيف آثارها. كما أنها تحتاج لأجهزة رقابية مستقلة على رأسها الجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية، والسجل العقاري، وخبراء وزارة العدل، بما يسمح بالمساءلة والإحالة لجهات التحقيق القضائية دون تدخل من السلطة التنفيذية، أيضا تفعيل الجمعيات العمومية لمؤسسات وشركات قطاع الأعمال وطرح ميزانياتها على الرأي العام بشكل مستقل، بعيدا عن تدخل الوزراء.