قضايا وآراء

إدلب لماذا الحرب الآن؟

1300x600

تشهد جبهة إدلب حرباً ساخنة تستخدم فيها روسيا ومليشيات الأسد استراتيجيات التدمير والقتل بدون رحمة، وهو ما يتعارض مع التفاهمات التي اتفقت عليها روسيا مع تركيا، الضامن الإقليمي للمعارضة السورية في هذه المنطقة، الأمر الذي يدفع للتساؤل عن ماهية معطيات اللحظة السياسية التي دفعت موسكو لإتخاذ هذا القرار، الذي ينطوي على مغامرة بعلاقاتها النامية مع تركيا.

الظاهر من تعليقات إعلام النظام، أن الهدف من هذه العملية تطبيق مخرجات اتفاق "سوتشي" بين روسيا وتركيا، والتي ورد فيها بند ينص على تسليم الطريق M5، الأوتستراد الذي يربط بين حلب واللاذقية ويمر من معرة النعمان، لنظام الأسد. وحسب نظام الأسد، فإن ما تقوم به مليشياته هو تنفيذ اتفاق سوتشي بالقوّة، بعد مضي عام على إقراره، بغض النظر عن النتائج التي يسببها هذا التنفيذ، وخاصة على المستوى الإنساني، وتشريد حوالي 300 ألف إنسان، وقتل المئات، وكأن هؤلاء يتبعون دولة محتلة وليسوا أصحاب الأرض والطريق. والأمر على هذه الشاكلة يراد منه إحراج تركيا بالدرجة الأولى، بذريعة تطبيق اتفاق سوتشي.

ويتزامن هذا الأمر مع انشغال تركيا بترتيبات شمال سورية بعد عملية "نبع السلام"، والتي حصلت بتوافق مع روسيا، حيث تريد موسكو استثمار هذا التوافق وتحصيل نتائج على المقلب الإدلبي قبل أن تبرد نار العملية، واستثمار انشغال تركيا بترتيبات تأمين المناطق التي سيطرت عليها وتجهيزها لإعادة اللاجئين، حسب الرواية التركية.

 

يتزامن هذا الأمر مع انشغال تركيا بترتيبات شمال سورية بعد عملية "نبع السلام"، والتي حصلت بتوافق مع روسيا، حيث تريد موسكو استثمار هذا التوافق وتحصيل نتائج على المقلب الإدلبي قبل أن تبرد نار العملية

وليس بعيدا عن ذلك، فالتطورات على الصعيد الدولي يشجع الكرملين في هذه المرحلة على الإقدام على خطوة إستهداف إدلب مع توقع ردود فعل ضعيفة، خاصة وأن بوصلة العالم، وتحديدا القوى الفاعلة فيه (أمريكا وأوروبا)، تتجه إلى ليبيا التي تشهد تطورات دراماتيكية في هذه اللحظة، والتي نظراً لأهميتها الجيوسياسية لهذه الأطراف، ستطغى على أي حدث آخر، وخاصة سوريا التي لم تعد تطورات أحداثها تشكّل فارقاً مهما في السياسات الدولية.

أيضاً، تنشغل أمريكا في هذه اللحظة بمحاكمة ترامب و قضايا تنحيته، وانهماك المؤسسات الأمريكية بالصراعات الداخلية، بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بالإضافة إلى الانشغال بالانتخابات الأمريكية التي بدأ التنافس حامياً فيها. لكن وإن كان الموقف الأمريكي من إدلب فاتراً، إلا أن روسيا، ومنذ تدخلها في سوريا، تأخذ المعطى الأمريكي بعين الاعتبار. وسبق أن صمّمت هجومها على حلب، في ظل انشغال أمريكا بانتخاباتها الرئاسية الماضية.

بالإضافة إلى هذه المعطيات التي حفزت الكرملين على تغيير المعادلات في إدلب، فإنه لا يخفى وجود رغبة روسية بالخروج من وضع عنق الزجاجة الذي وصلت إليه حملتها في سوريا، ذلك أن كل أهداف روسيا السياسية معطلة وغير قابلة للترجمة إلى فوائد ومصالح. كما أن المشهد يزداد تعقيداً في ظل صدور قانون" قيصر" الذي يحرم روسيا من أي فوائد من تدخلها في روسيا، فضلاً عن تخوف روسيا من استنقاع الأوضاع في سوريا ودخولها مرحلة استنزاف، تشبه أزمة أفغانستان التي لا تزال جروحها لم تندمل بعد، وخاصة وأن مؤشرات كثيرة توحي بأن سوريا باتت تعيش على أعتاب فوضى كبيرة.

 

لا يخفى وجود رغبة روسية بالخروج من وضع عنق الزجاجة الذي وصلت إليه حملتها في سوريا، ذلك أن كل أهداف روسيا السياسية معطلة وغير قابلة للترجمة إلى فوائد ومصالح

ويتداخل مع هذه الاعتبارات، حماس الأسد للخروج من الأوضاع المربكة التي يعاني منها نظامه بشدة، في ظل أوضاع اقتصادية مترنحة وأوضاع أمنية هشة، وبالتالي يحاول معالجة كل ذلك بتحقيق انتصارات في إدلب، وليتذرع أمام أنصاره وبيئته بأنه يخوض حرباً وبالتالي عليهم الصبر وعدم الضغط عليه لتحسين الأوضاع المعاشية والأمنية. وليس غريباً على الأسد التذرع بذلك، ألم يقل أكثر من مرّة إن حروب العراق ولبنان وغزة هي التي أجلت إصلاحاته المزعومة في سوريا!

لكن السؤال، إلى أي مدى يمكن لحرب بوتين والأسد على إدلب أن تحقق لهما تلك الحزمة من الأمال التي ينشدانها؟ حسب مجريات المعارك، من الممكن بالفعل السيطرة على بعض المناطق نظراً لطبيعة تضاريسها السهلية والتي يصعب على فصائل المعارضة الصمود فيها أمام آلة عسكرية لا ترحم، لكن ثمّة الكثير من المناطق التي لن يكون من السهل على الآلة العسكرية الروسية تحقيق نتائج مهمة فيها، بدليل أن موقعاً صغيراً بحجم "الكبينة" في جبل الأكراد باللاذقية استهلك المئات من قوات الأسد دون تحقيق نتائج مهمة، ما يعني أن استعجال القوات الروسية ومليشيات النظام للسيطرة على المناطق السهلة في إدلب، هو بنفس الوقت استعجال للوقوع في فخ الاستنزاف، والذي سيكون طويلاً ومؤلماً.