أخبار ثقافية

الكنيسة المسيحية: صراع الدين والدولة (1-2)

من فيلم سقوط الإمبراطورية الرومانية- جيتي
عانى المسيحيون في الإمبراطورية الرومانية خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين، اضطهادا رسميا واسعا، وكان عام 64 أحد أكثر الأعوام سوءا بالنسبة لهم في الإمبراطورية، حيث حملتهم السلطات الرسمية المسؤولية عن حريق روما الشهير في عهد نيرون، وما تلاه من عمليات اضطهاد واسعة، قتل أثناءها القديسان بطرس وبولس.
 
استمرت عمليات التنكيل بالمسيحيين إلى أن وصلت ذروتها في ما عرف بالاضطهاد العظيم زمن حكم الإمبراطور دقلديانوس (303- 311) الذي أمر بهدم منازل المسيحيين وإحراق كتبهم المقدسة وقتل واعتقال عشرات الآلاف من أتباع هذا الدين.
 
يكمن استياء السلطات الرومانية من الدين المسيحي في أمرين أساسيين:
 
1ـ رفض المسيحيون المشاركة في العبادة الإمبراطورية الوثنية، وقد اعتبرت روما هذا الرفض بمثابة الخيانة التي يعاقب عليها بالإعدام.
 
2ـ خشيت السلطات الرسمية من البعد التبشيري في المسيحية التي كانت على خلاف اليهودية المنعزلة، تدعو الجميع إلى الإيمان برسالة المسيح.
 
في هذه الأجواء، كان أقصى ما يطمح إليه المسيحيون هو فصل الدين عن الدولة -لم تستخدم هذه العبارة آنذاك بصيغتها الحرفية ومعانيها الفكرية- أي الاعتراف بحرية الضمير وإعطاء المسيحيين حرية الإيمان الديني على غرار اليهودية.
 
ولم ينته الاضطهاد العظيم عمليا إلا بموت الإمبراطور دقلديانوس عام 311 ووصول قسطنطين.
  
قسطنطين العظيم
 
يعد 313 عام انتصار المسيحية الناشئة في الإمبراطورية الرومانية، ففي هذا العام صدر مرسوم ميلانو الشهير الذي يقضي بإضفاء الشرعية على العبادة والشعائر المسيحية.
 
وإلى الآن ما زال الباحثون والمؤرخون يجهلون الأسباب الحقيقية التي دفعت الإمبراطور الروماني قسطنطين العظيم (حكم روما بين عامي 306- 337) إلى ترك الوثنية والدخول في المسيحية.
 
في نيسان/ أبريل عام 311 أصدر كبير أباطرة الحكم الرباعي غاليريوس مرسوما يدعو إلى التسامح، منح به المسيحيين حق ممارسة شعائرهم الدينية، وجاء هذا المرسوم بتوقيع قسطنطين قيصر الإمبراطورية الغربية وليسنيوس قيصر الشرق.
 
وذهب قسطنطين أبعد من ذلك، فلعب دور الحامي للعقيدة المسيحية، عبر الأموال للكنيسة، وبناء كاتدرائيات، ومنح رجال الدين بعض الامتيازات، وولى المسيحيين رتبا رفيعة في الدولة، وأرجع الممتلكات التي صادرها دقلديانوس خلال الاضطهاد العظيم.
 
وبنى قسطنطين بين عامي 324 و330 عاصمة إمبراطوريته الجديدة في بيزنطة على مضيق البوسفور، والتي سميت القسطنطينية من أجله (إستنبول حاليا)، واستخدمت في بنائها فنون العمارة النصرانية علنا، وحوت المدينة العديد من الكنائس داخل أسوارها خلاف ما كانت عليه روما.
 
لم نصل بعد إلى لحظة الاعتراف بالمسيحية كدين للإمبراطورية، فما زال الأمر يحتاج إلى سنوات طويلة، لكن الذي حدث مع مرسوم ميلانو أن السلطة أصبحت محايدة في الشأن الديني، وتم التعامل مع المسيحية كما يتم التعامل مع باقي الديانات الوثنية.
 
كان يجب انتظار عام 380 حتى تصبح المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية مع الإمبراطور ثيودوسيوس، وانتظار عام 392 لكي يصدر قانون تُمنع بموجبه العبادة الوثنية، وانتظار عام 394 لكي يطبق هذا القانون في الغرب والشرق.  
 
تلاقي الدين والدولة
 
كان هم الكنيسة الناشئة بالدرجة الأولى الحيلولة دون تحولها إلى أداة بيد الدولة، ولأجل ذلك كانت مضطرة إلى التأكيد على ضرورة فصل الدين عن الدولة وفقا لمقولة المسيح الشهيرة "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
 
إن عملية فصل الروحي عن الزمني أو الدنيوي لم تكن مسألة صعبة آنذاك، طالما أن الكنيسة محتفظة بدورها الروحي والإمبراطور محتفظ بدوره السياسي، وتلاقي الطرفان لا يكون إلا في منطقة مشتركة، هي منطقة تثبيت المسيحية كديانة والقضاء على الهرطقات الدينية.
 
ظل هذا الوضع قرابة نحو ثمانين عاما، أي حتى عام 476 عندما انهارت الإمبراطورية الرومانية تحت ضربات البرابرة القادمين من الشمال الغربي.
 
ورغم نجاح الكنيسة في تنصير الملوك الجدد، إلا أنها كانت بحاجة إلى تأكيد الفصل بين السلطتين الدينية والدنيوية في وقت كانت فيه الكنيسة لا تزال ضعيفة لمواجهة ملوك جدد أقوياء، وكانت هذه هي مهمة البابا جيلاس الأول.
 
الأباطرة الجدد يضعون على رؤوسهم تاج القياصرة وقبعة رؤساء الكهان، وأن يسوع منع هذا الدمج، ولم يعد باستطاعة الإمبراطور بعد مجيء المسيح أن يأخذ لنفسه لقب بابا، ولا لأي بابا أن يطالب بالأرجوان الملكي، لكن الأباطرة المسيحيين يجب أن يتوجهوا للبابوات عندما يتعلق الأمر بالحياة الأبدية.
 
هذه كلمات أعلنها البابا جيلاس الأول، وهي وإن كانت تؤكد استقلال السلطتين، إلا أنها تؤكد لأول مرة منذ الاعتراف بالمسيحية كدين رسمي، أن السلطة الدينية أعلى من السلطة السياسية من الناحية المعنوية فقط، لأن مهامها مستمدة من الله وهدفها إعلاء كلمة الله في الأرض.
 
غير أن صيرورة التطورات السياسية-الدينية في الإمبراطورية ستجعل هذا التفوق يبتعد عن معناه ومضامينه المعنوية، وسيكون لها بعد ذلك نتائج هامة على الصعيد اللاهوتي والقانوني والسياسي.
 
إن حدث التنصيب الإمبراطوري عام 800 كان تجسيدا لتفوق السلطة الروحية معنويا، فهذا هو شارلمان ملك الفرنجة، يتسلم التاج الإمبراطوري من البابا ليون الثالث في كنيسة القديس بطرس بروما.
 
ومع هذا التاريخ أطلق لأول مرة على الكنيسة اسم الكنيسة المسيحية وعلى الإمبراطورية صفة المقدسة، فأصبحت الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
 
كانوسا نقطة تحول
 
وقف ملك ألمانيا هنري الرابع حافي القدمين بلباس بالية من الصوف يتلمس لمدة ثلاثة أيام العفو والغفران من البابا غريغوري السابع، كان ذلك في أحد أيام الشتاء الباردة وتحديدا في 25 يناير عام 1077.
 
نحن هنا في مرحلة زمنية مختلفة، كانت أوروبا تشهد نشوء وسقوط ممالك عدة، في حين لم تحافظ الكنيسة على مكانتها فحسب، بل زادتها.
 
بدأت القصة عام 1075 عندما أصدر البابا غريغوري السابع قرارات تحرم بيع المناصب الكهنوتية، وزواج رجال الدين، وتعيين غيرهم في المناصب الكنسية، ثم قام بحرمان خمسة أساقفة بسبب ذلك، وكان هؤلاء الخمسة من مستشاري الملك هنري الرابع.
 
بعث غريغوري في شهر ديسمبر من عام 1075 برسالة احتجاج إلى هنري، وأمر حامليها بأن يضيفوا إليها رسالة شفوية ينذرون فيها الملك بالحرمان إذا ظل يتجاهل قرارات مجمع روما المقدس.
 
فلما تلقى هنري الرسالة عقد مجلسا من الأساقفة الألمان في ورمز عام 1076 عرض فيه الملك اقتراحا بخلع البابا، ووقع جميع من حضر من الأساقفة هذا القرار، وأيده مجلس من أساقفة لمبارديا عقد في بياسنزا، وبعث هنري بهذا القرار إلى غريغوري مذيلا بهذه الحاشية المنتقاة "من هنري الملك بأمر الله لا بالاغتصاب إلى هلدبراند الراهب المزيف لا البابا".
 
أثارت رسالة الملك هنري الغضب في نفس البابا غريغوري، فأصدر قرارا بحرمان الأساقفة الذين حضروا مجلس الملك، ثم قام بإصدار قرارا حرمان بحق الملك هنري الرابع.
 
رد هنري على هذا بأن أقنع أساقفة أوترخت بأن يصبو على غريغوري اللعنات من منبر الكنيسة وروعت أوربا كلها بأن يخلع البابا إمبراطورا وروعت أكثر من هذا بأن يخلع الإمبراطور بابا ويلعنه الأساقفة.
 
في هذا الصراع خرج الملك خاسرا بعد انزياح الشعب لصالح البابا، فالعاطفة الدينية هي التي تغلبت بالنهاية في نفوس الناس، وظهر ذلك عندما استدعى هنري أساقفة أعيان مملكته إلى مجلسين يعقدان في ورمز ومينز، لكن لم يلب أحد الدعوة.
 
وفي خطوة لا تخلو من ذكاء لتدعيم سلطاتهم، اجتمع النبلاء الألمان في تريبور في أكتوبر 1076 وأعلنوا موافقتهم على قرار البابا في حرمان الإمبراطور، وذهب النبلاء أبعد من ذلك، حين طالبوا الملك بأنه إذا لم يحصل على مغفرة من البابا قبل اليوم الثاني والعشرين من شهر فبراير عام 1077 فإنهم سيرشحون خلفا له على العرش.
 
وتم الاتفاق بين الأعيان ومندوبي البابا في تريبور أن يجتمع مجلس في أوغسبرغ في اليوم الثاني من فبراير عام 1077 برئاسة البابا لتسوية شؤون الكنيسة والمملكة.
 
وبينما كان البابا في طريقه إلى تلك المدينة استضافته في مانتوا صديقته ماتلدا كونتة تسكانيا، وهنا عرف أن هنري قد دخل إيطاليا، وخشي البابا أن يحشد الملك جيشا من سكان لمبارديا المعارضين للبابا، فلجأ إلى قصر ماتلدا الحصين في كانوسا، وهنا وقف الملك ثلاثة أيام يطلب الغفران.
 
انتهت الأزمة برفع البابا للحرمان الكنسي على الملك، وعاد كل منهما إلى مملكته، لكن الذي حدث نتيجة الفوضى السياسية في ألمانيا، أن الأمراء الألمان نادوا بـ رودلف دو سواب أمير سوابيا ملكا على ألمانيا عام 1077 وبدا أن سياسة هنري قد أخفقت.
 
وبعد عامين من الصراع، أعلن البابا موقفه أخيرا بتأييد لـ رودولف وحرمان الملك هنري مرة أخرى.
 
غير أن الوضع هذه المرة اختلف تماما عما جرى قبل عامين، في الحالة الأولى تعاطف الشعب الألماني مع البابا ضد الإمبراطور، لكن في الحالة الثانية تعاطف الشعب مع الإمبراطور/الملك ضد النبلاء الإقطاعيين، ما شجع الملك هنري الرابع إلى التوجه بجيوشه نحو روما وطرد منها البابا غريغوري السابع وأحل محله البابا كليمنت الثالث.