كتاب عربي 21

خواطر غير متعمقة حول مسألة اللغة

1300x600
لي تجربة جديرة بالتوثيق مع اللغة العربية؛ لأنني مستفرق (على وزن مستشرق، بحكم أنني من أفريقيا، وصرت ناطقا بالعربية، التي هي ليست لسان قومي النوبيين)، فطوال مراحل الدراسة كانت دروس اللغة العربية هي الأثقل على نفسي، فقد بدت لي دروس قواعد النحو ضربا من طلاسم السحر الأسود، وبما أنني تلقيت تعليمي في ظل نظام "الضرب ينفعهم والعلم يرفعهم". فقد نلت حظا غير طيب من الضرب بسبب عدم استيعابي لدروس النحو، وكان هذا فوق الضرب الراتب بسبب عدم حفظ جدول الضرب غيبا، وإلى يومنا هذا أردد كلما استشكل عليّ أمر نحوي: تفكرت في النحو حتى مللت/ وأتعبت نفسي به والبدن.

ومع تقدم مسيرتي التعليمية انتقلت الى بيئة حضرية ناطقة بالعربية، ساعدتني الى اتقان المخاطبة بالعربية العامية الى حد كبير، وفي المرحلة الثانوية انتبهت الى أنني أحصل على درجات عالية في مادة التعبير/ الإنشاء، رغم أن إلمامي بقواعد النحو اقتصر على ما هو غير مستتر من فاعل ومفعول به ومبتدأ وخبر؛ وجار ومجرور، ثم دلني زميل نوبي إلى مفتاح المضاف والمضاف اليه بوضع كلمة "بتاع"التي تعني في ما تعني يخصني/ تبعي بينهما، ففي عبارات وكلمات مثل "وطن العرب"، و"كتابي" يكون الحكم بأيهما المضاف وأيهما المضاف إليه، بحشر كلمة بتاع بينهما: "وطن بتاع العرب"، و"كتاب بتاعي".

وأدركت لاحقا أنني صقلت لساني العربي بالشعر، بيد أنه لم يكن صقلا يدعو إلى التباهي، فقد كنت ألْحَنُ كثيرا عند قراءة نصوص عربية بصوت مسموع، وفاقم تلك المشكلة عندي البون الشاسع بين الفصحى والدارجة، فكما جميع الناطقين بالعربية كانت إجادتي للغة العامية تسبق إلمامي بالفصحى بأميال كثيرة، ولكن وبمواصلة الاطلاع على كتب كثيرة كُتِبَت بعربية فصحى جميلة وسلسة وسهلة، أحسست بأن لساني تعرَّب بدرجة يصعب معها على آل قحطان وعدنان اكتشاف "أعجميتي".

وما زلت ضعيف الإلمام بالكثير من قواعد النحو، ولكنني لا أحس بأن ذلك يسبب لي قعودا لغويا، ولا أعرف كثير شيء عن المفعول المطلق والمفعول لأجله وبه ومعه، ولن أنسى حيرتي عندما زجرني معلم اللغة العربية عندما قرأت نصا يقول: "حدث كذا وكذا في بيتِ لحم"، وكسرت التاء في "بيت" لأنها مسبوقة بحرف جر، قائلا إن ذلك "ممنوع" لأن بيت لحم ممنوعة من الصرف، ومنذ يومها وأنا أجاهد كي أفهم لماذا تعرضت أسماء وصفات بعينها لـ"التمييز"، وألوذ بكتب اللغة فتزيد الأمر ضغثا على إبَّالة:

الممنوع من الصرف: اسم معرب لا يدخله تنوين التمكين، ويجر بالفتحة نيابة عن الكسرة إلا إذا كان مضافا أو دخلته "أل" التعريف فإنه يجر بالكسرة.

ثم، وأنا بصدد كتابة هذا المقال، حاولت زيادة مداركي عن الممنوع من الصرف، فقرأت بعضا مما يلي وصرفت النظر عن الأمر:

الأسماء التي تمنع من الصرف هي:

- الأسماء التي تحوي ألف التأنيث الممدودة أو المقصورة مثل ليلى، شقراء.

- الاسم الذي على صيغة منتهى الجموع، أي كل جمع تكسير بعد ألف تكسيره حرفان أو ثلاثة أحرف، بشرط أن يكون الحرف الأوسط من هذه ساكنا. وتكون على وزن (مفاعل، مفاعيل، فواعل) مثل: مساجد، مجاميع، سواعد.

- العلم المركب تركيبا مزجيا، مثل حضرموت، وبعلبك.

- العلم المزيد بألف ونون مزيدتين مثل: شعبان، رمضان.

- العلم المختوم بتاء التأنيث يمنع من الصرف، سواء كان الاسم مؤنثا أم مذكرا مثل معاوية، وفاطمة.. الخ.

- يمنع من الصرف العلم المؤنث غير المختوم بتاء التأنيث، شرط أن يزيد عن ثلاثة أحرف.. إلخ، إلخ، إلخ.

الله يعطي العافية لمن اجتهدوا وصاغوا قواعد اللغة، فمن المؤكد أن استيعاب وصياغة تلك القواعد لا يقدر عليه إلا عقل ثاقب ومتوقد، ولكن وإذا تذكرنا أن تلخيص تلك القواعد ليسهل فهمها تطلب ألف بيت من الشعر من ابن مالك، لا حيلة لنا سوى أن نناشد واضعي المناهج الدراسية في البلدان الناطقة العربية أن يرحموا عيالنا بعدم حشو المقررات المدرسية بقواعد نحوية ينبغي أن تترك فقط لأهل "التخصص".

لا آتي بجديد عندما أدعو الى تبسيط مناهج اللغة العربية المدرسية، فقد كان هناك على مر الزمان من يدعون لذلك؛ بعضهم من منطلق كره قواعد النحو، ومنهم عمار الكلبي الذي قال بعد أن عابوا عليه خطأ نحويا:

ماذا لقينا من المستعربيـــن ومن    قياس نحـــــــــوهم الذي ابتدعوا

إن قلت قافية بكرا يكـــــــون بها    بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا

قالوا لحنت وهذا ليس منتصـــــبا    وذاك خفض وهـــذا ليس يرتفع

كم بين قوم قد احتالوا بمنطـــقهم    وبين قوم على إعرابهـــم طبعـوا

ما كل قولي مشروحا لكم فخـذوا    ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعـوا

وعابوا على ساطع الحضري وعلى الوردي وأمين الخولي وغيرهم؛ استنباط لغة وسطى بين الفصحى المقعرة والعامية لردم الفجوة بينهما.

ويصبح هذا الأمر ضرورة ملحة في زماننا هذا؛ لأن التفاهم الشفاهي بين عموم أهل المشرق والمغرب (مثلا) صار عصيا، ولأن سيادة اللغة الإنجليزية في عالم المعلومات الرقمية جعل الكثيرين من شباب العرب يحسب أن العربية "متخلفة"، وأن استعارة مفردات من القاموس الإنجليزي يرفع من قدر الإنسان الاجتماعي و"الثقافي".

ليت من هم أكثر مني اقتدارا في مجال اللغة يعنون بأمر تبسيط العربية وتحريرها من قبضة المنبطحين على النصوص من جماعة "قُل ولا تقل"، دون التضحية بقوانينها الأساسية، ليسهل استيعابها، فلا "يستعر" عيالنا منها، ويستعيرون مفردات إفرنجية لتزويق الكلام.