قضايا وآراء

رئاسية تونس 2019 واختلاط التحالفات

1300x600

1- هل خذلت النهضة المسار الثوري؟

كنت أنتظر أن يجيب قادة النهضة ومناضلوها على أسئلة الناس، وأن يردوا على من يتهمونهم بكونهم خذلوا المسار الثوري وتحالفوا مع المنظومة القديمة. وقد ساءني أنهم يُهاجَمون بلا هوادة، وأنهم لا يردون ولا يدافعون عن "سمعتهم" السياسية ولا يفاخرون بتاريخهم النضالي.

تقييم المحصلة النضالية لأي حزب أو أي شخص تكون بالنظر في تجربته، وفي مساره بتعرجاته وانحناءاته وبصموده وتضحياته. فنجد بالتأكيد خليطا من إيجابيات وسلبيات، وبقدر ما يفعل الحزب أو الفرد بقدر ما يصيب ويُخطئ.

حين ينحشر فرد أو مجموعة في الشأن العام وفي عالم السياسة فجأة فيتكلمون في الثورة والصدام ويلعنون الجميع ويزايدون على الكل، يكون من حقنا أن نسأل عن مسارهم وعن تاريخهم وعن تضحياتهم ومعاركهم التي خاضوها، وما تعرضوا له من المصاعب والمحن والعذابات، وما نال أهلهم من الفزع والرعب والحرمان والإهانة.

بقدر ما يُبدي مناضلو النهضة تواضعا وتعففا نضاليا وكتمانا لعذاباتهم وأوجاعهم؛ يُبدي متطفلون جرأة وادعاء ومزايدة في ما يمكن اعتباره "انتحال شخصية".

قادة النهضة يفهمون أن ما حدث في تونس هو "فرصة لتعايش الجميع"، وليس حسما ثوريا يُمَكّن من "الفرز" الجذري بين القديم والجديد.

من البداية كان ثمة حضور للنظام القديم يشرف على التجريع البطيء للديمقراطية؛ حين كان رئيس برلمان بن علي، فؤاد المبزع، هو الرئيس الأول لدولة الثورة، وحين جيء بالباجي ليكون رئيس حكومة الانتقال الديمقراطي، وحين كان الجيش هو المشرف على الانتقال برمته.

حضور النظام القديم والسفارات ولوبيات الفساد والتهريب لم يسمح لشرعية 2011 بأن تمارس الحكم ناهيك عن ممارسة الثورة، وكلما غرقت البلاد في الغموض والفوضى والجريمة السياسية؛ كلما أدرك قادة النهضة أنهم إما أن يذهبوا نحو "حرب أهلية" وإما أن يذهبوا نحو "توافق سياسي" يسمح للجميع بالتواجد في المشهد السياسي.

 

كلما غرقت البلاد في الغموض والفوضى والجريمة السياسية؛ كلما أدرك قادة النهضة أنهم إما أن يذهبوا نحو "حرب أهلية" وإما أن يذهبوا نحو "توافق سياسي" يسمح للجميع بالتواجد في المشهد السياسي

قادة النهضة ليسوا بلا ذاكرة ولا بلا عاطفة.. إنهم لا ينسون ما تعرض له أهلهم من عذاب وحرمان، ولا ينسون أن "عنادهم" و"ثوريتهم" هي التي جلبتْ على التونسيين عموما، وعلى الإسلاميين تحديدا، ركاما من التسلط والشقاء والإرهاب الأمني.


تعلّم الإسلاميون أن يكونوا واقعيين، وتعلموا ألا يكونوا "حطبا" يتدفّأ على ناره انتهازيون وجبناء وحلفاء الاستبداد، وتعلموا ألا يكونوا رمادا يعبث به الصبيان ويلعنه المنافقون والقوادون.

تعلموا وعلموا أن الثورة ليست حفلَ عشاء، ولا مهرجانا خطابيا، ولا نصّا بديعا، ولا لعنا دائما لكل القامات والعلامات والمنارات طمعا في "احتلال" مكانتهم وشطب تاريخهم.

ليس ثمة ما هو أخطر من الاستبداد إلا "تزييف الوعي"؛ يمارسه منتحلو ثورية ممن لا تاريخ لهم ولا خدوش طريق عبروها، نضالا أو كفاحا أو تضحية.. "تزييف الوعي" جريمة معرفية وسياسية وأخلاقية حين يستعمل الأدعياء خطابا يُغرون به من لا يَعرفهم، لينالوا من سُمعة المناضلين ممن تركوا أكثر من شطر أعمارهم في السجون والمنافي والمقابر.

 

تزييف الوعي" جريمة معرفية وسياسية وأخلاقية حين يستعمل الأدعياء خطابا يُغرون به من لا يَعرفهم، لينالوا من سُمعة المناضلين ممن تركوا أكثر من شطر أعمارهم في السجون والمنافي والمقابر

الثورية ليست فحيحا في الظلمة، ولا نفخا لبالونات كبيرة، ولا نحتا لأعمدة من صلصال. إن أسوأ الأدعياء هم أولئك الذين يُحملون على أعناق الجِمال ولا يتأملون المسافة التي تفصل أعجازهم عن الأرض، بل ويلعنون الجِمال التي ترفعهم منازل لم يكونوا لولاها ليبلغوها.

2- هل خسرت حركة النهضة مكانتها السياسية؟

ما حدث كان صادما لمن لا يعرف الأسباب، ولا يمتلك معطيات حول ظروف ترشيح مورو وظروف حملته الانتخابية، أيضا حول ما مارسه "البعض" من اشتغال للحساب الخاص (هذا تجب فيه محاسبة ومتابعة وتحميل مسؤوليات).


كان صادما فوز قيس سعيد لكونه لم يكن مرشح حزب أو ائتلاف أو لوبيات مالية، بل كان مرشحَ مزاج الثورية المبثوث في أعماق "تونس الصامتة"، ويحتاج هذا بحثا جديا من علماء الاجتماع السياسي (تابعوا قراءات الدكتور مهدي مبروك).

كان مدهشا أيضا فوز نبيل القروي، وهو يقبع في السجن بتهمة التهرب الضريبي وليس له حزب عريق ولا تاريخ في الكفاح السياسي وإنما حملات "خيرية" على الهواء.

هل هو يأس من الأحزاب ومن الرموز السياسية؟ هل انتهت فاعلية "النضالية" و"الأسبقية"؟ هل أصبح التونسيون يبحثون عمن يضمن لهم رغيفهم ودواءهم ويتوسمونه في نبيل القروي؟ هل نحن بصدد حالة انجذاب نحو النقاوة والطهورية المأمولة في قيس سعيد؟

كل النتائج لها مقدماتها، ولا داعي للدهشة ولا للتفاسير الواهمة ولا جدوى من التخفي وراء "مؤامرات خفية". فالسياسة تآمر دائم، كما ليس من المبدئية والوفاء ترك "الخيمة" عند العاصفة وصعود "الربوة".

 

لا أرى خسارة لحركة النهضة، بل أرى لها "فضلا" في ما يحدث من صحوة الروح الثورية التي كادت أن تطحنها "الردّة" لولا انحناءات النهضة

بنظري (وبعقل بارد) لا أرى خسارة لحركة النهضة، بل أرى لها "فضلا" في ما يحدث من صحوة الروح الثورية التي كادت أن تطحنها "الردّة" لولا انحناءات النهضة، انحناءات لضمان البقاء ليس فقط لمناضليها وقواعدها، بل وللسلم الأهلي لكل التونسيين. تلك الانحناءات وذاك السلم الأهلي هي الظروف التي استعاد فيها كثير من التونسيين أشواق الثورة، واستجمعوا أنفسهم ليتحولوا إلى ظاهرة وليحققوا فوزا مشرفا على "المنظومة القديمة"، وليكونوا قوة معتبرة ستنازل قريبا قوى "المافيا".

 

حركة النهضة التي يصمها البعض بالتخاذل ويتهمها آخرون بالمهادنة؛ هي كما شجرة استظل بها عابرو سبيل في طقس عاصف، حتى إذا ما هدأت الأجواء واصلوا سيرهم ولم يعترفوا لها بفضل "حمايتها لهم"، بل وسخروا من آثار العاصفة فيها، فزايدوا عليها وتباهوا أمامها بسلامتهم من كل خدوش.. هذا "العقوق" يصدر دائما عن أدعياء وعاقين.

على منتسبي حركة النهضة ألا يشعروا بـ"هزيمة" وألا يعتبروا ما حدث في غير علاقة بهم، بل لهم أن يعتزوا بكونهم من واجه "الردّة" السياسية والأمنية، سواء حين كانوا في الحكم أو حين توافقوا مع النظام القديم.. واجهوها بالحكمة والصبر ولم يُتيحوا لها فرصة إراقة الدماء.

هذا الشعور ضروري لخوض الانتخابات التشريعية بروحية انتصارية ودون تردد أو برود.

العمل على تحصيل كتلة برلمانية وازنة ضروري لتحقيق حضور فعال في البرلمان، ولتكوين "جبهة" برلمانية حاسمة في كل معارك مشاريع القوانين أو مشاريع الحكومة أو ميزانية الدولة.

القول بنهاية الأحزاب ونشأة "المستقلين" هو قول مزاجي عاطفي غير عملي ولا سياسي؛ لأن الأحزاب تظل هي الأطر الجامعة لمن يشتركون في الرؤى والبرامج والمشاريع، وتظل هي "الأجسام" الضرورية في "العمران السياسي" حتى لا تكون السياسة غرقا في الأهواء والتفاصيل والذوات التي قليلا ما تتفق.

 

القول بنهاية الأحزاب ونشأة "المستقلين" هو قول مزاجي عاطفي غير عملي ولا سياسي؛ لأن الأحزاب تظل هي الأطر الجامعة لمن يشتركون في الرؤى والبرامج والمشاريع

سيكون (بنظري) خطأ فادحا ترك جمهور النهضة "خيمتهم" في المحطة الانتخابية القادمة وطلبهم "اللجوء" لدى جماعات ناشئة بلا هوية ولا تاريخ ولا تجربة، فيُخسرون حركتهم ولا يُنتجون مع "الناشئين" قوة سياسية ذات فعل وتأثير وميزان.

ضبابية الرؤية وصعوبة الحسم

تبدو اللحظة الديمقراطية التي تمر بها بلادنا مشحونة بكثير من الحماسة ومن القلق والأسئلة، وحتى المخاوف.

ديمقراطية ترقى بتونس مراقي عالية في النضج السياسي والوعي المدني والممارسة الحضارية، وتجعلها نموذجا يصعب الاحتذاء به في ببلدان عربية لم تبرح في الغالب نظاما سياسيا تقليديا كسيحا.. هذه الديمقراطية التونسية تعبر منطقة زوابع وتحتاج مزيدا من الحكمة والمسؤولية والصبر ورحابة الصدر.

نتائج الانتخابات الرئاسية لم تكن متوقعة ولم ينتبه إليها أغلب المراقبين: فوز قيس سعيد ونبيل القروي وضع التونسيين أمام خيارين قد لا يكونان الخيارين الأفضلين.. خيارين يدفعان إلى اصطفاف "طاحن" في الأيام القادمة.

 

فوز قيس سعيد ونبيل القروي وضع التونسيين أمام خيارين قد لا يكونان الخيارين الأفضلين.. خيارين يدفعان إلى اصطفاف "طاحن" في الأيام القادمة

ليس من السهل أن يسلم "النظام القديم" بكل تعبيراته بهزيمته، وسيستجمع عناصره لتشكيل "محور متماسك" للفوز في الرئاسة وفي الحكومة.

ما حقيقة إشراف رجل الأعمال المعروف كمال اللطيف على اجتماع تصالحي؛ حضره كل من يوسف الشاهد ورضا بلحاج وعبد الكريم الزبيدي وعبير موسي وزوجة نبيل القروي ومحسن مرزوق وقيادة "عيش تونسي"، لرسم "خطة هجومية" ضد محور يريد أن يكون ثوريا؟

هل تم الاتفاق على إيصال نبيل القروي للرئاسة على أن يكون التصويت في التشريعية لحزب تحيا تونس، لإبقاء الشاهد في رئاسة الحكومة وتثبيت عبد الكريم الزبيدي وزيرا للدفاع؟

ليس مستغربا حصول هذا، بل إنه متوقع ولا يُتوقع خلافه، ولكن السؤال في الضفة الأخرى: هل حصل حوار جدي لرسم خارطة هجوم انتخابي لإيصال قيس إلى الرئاسة وتحقيق انتصار في التشريعية لطرف له علاقة بأشواق الثورة؛ حتى يكون له حق تشكيل حكومة تكون متعاونة مع رئاسة الجمهورية وذات وزن برلماني مؤثر ومحدد؟

فوز قيس سعيد دون فوز برلماني لحزب معبر عن أشواق الثورة سيكون نصرا باردا، بل وسيكون مهددا بالإجهاض في أقرب وقت ممكن، وقد نجد أنفسنا أمام انتخابات جديدة ليس مؤكدا أن يكون فيها للثوريين مكان أو مكانة.

ما يربك الضفة الثانية هو حالة القلق والحيرة لدى كثير من الصادقين الشرفاء؛ يتساءلون عن ظاهرة قيس سعيد ويستغربون ممارسات أدعياء الانتصار إليه ممن يسبون الناس ويلعنونهم ويتهمونهم في مواقفهم ومبادئهم ومبدئيتهم، وكأنهم يريدون الاستفراد بسعيد، أو يريدون الإيقاع بينه وبين "جهة" معينة لها القدرة على حسم الانتخابات الرئاسية لأحد المتنافسين.