قضايا وآراء

أبو الطيب المتنبي.. المادح المغدور!

1300x600
أبو الطيب المتنبي، هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي أبو الطيب الكندي. ولد في مدينة الكوفة العراقية عام (303هـ، 915م)، ويرجع نسبه إلى قبيلة كندة. أمه همذانية الأصل، وأبوه جعفي الأصل، وكان يسمى عبدان. وزعم بعض الرواة، أنه كان فقيرا، وليس في شعر المتنبي ما يشير إلى ذلك.

يُعد المتنبي من أشهر الشعراء العرب على الإطلاق، وقد قال الشعر وهو في سن مبكّرة. وتعددت الآراء حول سبب تسميته بهذا الاسم؛ فمنها أنه ادعى النبوة حتى حبسه الإخشيدي ثم تاب فأخلى سراحه، ومنها أنه سُمي بهذا الاسم لكونه "متنبئ الشعر"، فقد كان شاعرا متفوقا على غيره ممن سبقه وممن جاء بعده أيضا.

وشعر المتنبي بشكل عام يعكس ما كانت عليه الأوضاع السياسية في عصره، وتدور معظم قصائده حول المدح وتحديدا للحكام، بالإضافة للهجاء؛ إلا أن هجاءه كان عاما لم يخصص به أحدا في أغلب الأحوال. يصفه البعض بالأنانية اعتمادا على قصائده، وكان معروفا بحدّة ذكائه، وكبريائه الكبير وشجاعته اللامتناهية، وطموحه اللامحدود، وفي نفس الوقت كان بخيلا ومتشائما.

ظل المتنبي غير مستقر في مدينة معينة، حتى اتصل بسيف الدولة الحمداني بالشام، فاقترب منه، ومدحه مرات ومرات وهو واقف بين يديه. ولولا قصائده في مدحه لما ظل سيف الدولة معروفا حتى اليوم، ومنها قوله:

عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ   وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ

وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها   وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ

يُكـلّفُ سَـيفُ الدَولَـةِ الجَـيشَ هَمّـهُ   وقـد عَجَـزَتْ عنـهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ

وَيَطلُبُ عندَ النّاسِ ما عندَ نفسِه   وَذلكَ ما لا تَدّعيهِ الضّرَاغِمُ

وزاد في قصيدة أخرى فقال:

يا سيف دولةِ دين اللَه دُم أبدا   وعش برغم الأعادي عيشةً رغدا

هل أذهَلَ الناسَ إلا خيمةٌ سقَطَت  من المكارِمِ حتى ألقت العمدا

خرَّت لوجهكَ نحو الأرض ساجدةً   كما يَخِرُّ لوجهِ اللَه مَن سجَدا

وظل المتنبي قريبا من سيف الدولة حتى حقد عليه الآخرون وحسدوه، فحاولوا إبعاده عنه، ومن بينهم؛ أبو فراس الحمداني وابن خالويه، الذي اعتدى عليه، فرمى عليه المحبرة بحضور سيف الدولة، فلم ينصفه أو يراعيه؛ ففارقه المتنبي عن كره سنة (346هـ، 957م) بعد أن لازمه تسع سنين.

وبعد مغادرته لسيف الدولة، بدأ الترحال إلى بلاد عديدة، فجال بلاد الشام وفلسطين إلى أن وصل إلى مصر، فاقترب من كافور الإخشيدي، فأكرمه؛ وكان معروفا بالعدل والسخاء وتكريم العلماء، وأعد له المتنبي قصيدته الشهيرة التي مطلعها:

كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيَا   وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنّ أمانِيَا

وطلب منه المتنبي أن يوليه ولاية في مصر أو الشام، فرفض كافور الإخشيدي؛ فطفق المتنبي بعد سنتين يهاجم كافور ويهجيه بأبشع الأوصاف والتشهير به، وكان يعيّره بلونه وخصيته وعبوديته، ومنها قوله:

لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَه   إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ

وفي النهاية؛ قتل المتنبي عام (354هـ-965م)، بعد أن نبذه الحكام والأمراء الذين لطالما تزلف إليهم. وقيل إن سبب قتله؛ أنه هجا في إحدى قصائده شخصاً يدعى "ضبة بن يزيد الأسدي العيني" بقوله:

ما أنصف القَومُ ضبة وأمه الطرطبة   وإنّما قلتُ ما قُلـتُ رحمة لا محبة

فلما كان المتنبي راجعاً إلى مدينة الكوفة، لقيه في الطريق خال ضبّة، المعروف باسم فاتك بن أبي جهل الأسدي، فشبّ بينهما شجار، قُتل على إثره المتنبي وابناه اللذان كانا معه، وهما محمد وغلامة، وكان ذلك في منطقة تقع إلى الغرب من بغداد.

المراجع:

1- أبو البقاء العكبري، شرح ديوان أبي الطيب المتنبي، ضبطه وصححه: مصطفى السقا وآخرون، الجزء الأول، مطبعة مصطفى الباني الحلبي، القاهرة، مصر 1936.

2- أبو منصور عبد الملك بن محمد بن اسماعيل الثعالبي النيسابوري، أبو الطيب المتنبي ما له وما عليه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة حجازي، القاهرة.

3- طه حسين، مع المتنبي، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة، مصر، لم تعرف سنة النشر.

4-محمد عبد الرَّحمن شعيب، المتنبي بين ناقديه في الحديث وَالحديث، الطبعة الأولى، دار المَعارف، القاهرة مصر 1964م.